الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة لا جمعة على مسافر ولا عبد ولا امرأة

جزء التالي صفحة
السابق

( 1349 ) مسألة : قال : ( ولا جمعة على مسافر ، ولا عبد ، ولا امرأة ) وعن أبي عبد الله ، رحمه الله ، في العبد روايتان : إحداهما ، أن الجمعة عليه واجبة . والرواية الأخرى ليست عليه بواجبة . أما المرأة فلا خلاف في أنها لا جمعة عليها . قال ابن المنذر : أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن لا جمعة على النساء .

ولأن المرأة ليست من أهل الحضور في مجامع الرجال ، ولذلك لا تجب عليها جماعة . وأما المسافر فأكثر أهل العلم يرون أنه لا جمعة عليه كذلك . قاله مالك في أهل المدينة ، والثوري في أهل العراق ، والشافعي ، وإسحاق ، وأبو ثور وروي ذلك عن عطاء ، وعمر بن عبد العزيز ، والحسن ، والشعبي

وحكي عن الزهري ، والنخعي ، أنها تجب عليه ; لأن الجماعة تجب عليه ، فالجمعة أولى

ولنا { ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسافر فلا يصلي الجمعة في سفره وكان في حجة الوداع بعرفة يوم جمعة ، فصلى الظهر والعصر ، وجمع بينهما ، ولم يصل جمعة ، } والخلفاء الراشدون رضي الله عنهم ، كانوا يسافرون في الحج وغيره ، فلم يصل أحد منهم الجمعة في سفره ، وكذلك غيرهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم . وقد قال [ ص: 95 ] إبراهيم : كانوا يقيمون بالري السنة وأكثر من ذلك ، وبسجستان السنين . لا يجمعون ولا يشرقون وعن الحسن عن عبد الرحمن بن سمرة قال : أقمت معه سنتين بكابل ، يقصر الصلاة ، ولا يجمع رواهما سعيد .

وأقام أنس بنيسابور سنة أو سنتين ، فكان لا يجمع ، ذكره ابن المنذر ، وهذا إجماع مع السنة الثابتة فيه ، فلا يسوغ مخالفته . ( 1350 )

فصل : فأما العبد ففيه روايتان : إحداهما ، لا تجب عليه الجمعة . وهو قول من سمينا في حق المسافر . والثانية ، تجب عليه ، ولا يذهب من غير إذن سيده . نقلها المروذي ، واختارها أبو بكر ، وبذلك قالت طائفة ، إلا أن له تركها إذا منعه السيد ، واحتجوا بقوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله } . ولأن الجماعة تجب عليه ، والجمعة آكد منها ، فتكون أولى بالوجوب

وحكي عن الحسن ، وقتادة ، أنها تجب على العبد الذي يؤدي الضريبة ، لأن حقه عليه قد تحول إلى المال ، فأشبه من عليه الدين .

ولنا ، ما روى طارق بن شهاب ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { الجمعة حق واجب على كل مسلم ، إلا أربعة : عبد مملوك ، أو امرأة ، أو صبي ، أو مريض } . رواه أبو داود ، وقال : طارق رأى النبي صلى الله عليه وسلم ولم يسمع منه ، وهو من أصحابه . وعن جابر ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فعليه الجمعة يوم الجمعة ، إلا مريضا ، أو مسافرا ، أو امرأة ، أو صبيا ، أو مملوكا } . رواه الدارقطني

وعن تميم الداري ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : { الجمعة واجبة إلا على خمسة : امرأة ، أو صبي ، أو مريض ، أو مسافر ، أو عبد } . رواه رجاء بن مرجى الغفاري ، في " سننه " ولأن الجمعة يجب السعي إليها من مكان بعيد ، فلم تجب عليه ، كالحج والجهاد ، ولأنه مملوك المنفعة ، محبوس على السيد أشبه المحبوس بالدين ، ولأنها لو وجبت عليه لجاز له المضي إليها من غير إذن سيده ، ولم يكن لسيده منعه منها ، كسائر الفرائض ، والآية مخصوصة بذوي الأعذار ، وهذا منهم . ( 1351 )

فصل : والمكاتب والمدبر حكمهما في ذلك حكم القن ، لبقاء الرق فيهما . وكذلك من بعضه حر ، فإن حق سيده متعلق به وكذلك لا يجب عليه شيء مما يسقط عن العبد . ( 1352 ) فصل : إذا أجمع المسافر إقامة تمنع القصر ، ولم يرد استيطان البلد كطلب العلم ، أو الرباط ، أو التاجر الذي يقيم لبيع متاعه ، أو مشتري شيء لا ينجز إلا في مدة طويلة ، ففيه وجهان : أحدهما ، تلزمه الجمعة ; لعموم الآية ، ودلالة الأخبار التي رويناها ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أوجبها إلا على الخمسة الذين استثناهم ، وليس هذا منهم .

والثاني : لا تجب عليه ; لأنه ليس بمستوطن ، والاستيطان من شرط الوجوب ، ولأنه لم ينو الإقامة في هذا البلد على الدوام ، فأشبه أهل القرية الذين يسكنونها صيفا ويظعنون عنها شتاء ، ولأنهم كانوا يقيمون السنة والسنتين لا يجمعون ولا يشرقون ، أي لا يصلون جمعة ولا عيدا . فإن قلنا : تجب الجمعة عليه فالظاهر أنها لا تنعقد به ، لعدم الاستيطان الذي هو من شرط الانعقاد . ( 1353 )

فصل : ولا تجب الجمعة على من في طريقه إليها مطر يبل الثياب ، أو وحل يشق المشي إليها فيه .

وحكي عن مالك أنه كان لا يجعل المطر عذرا في التخلف عنها .

[ ص: 96 ] ولنا ما روي عن ابن عباس ، أنه أمر مؤذنه في يوم جمعة في يوم مطير إذا قلت : أشهد أن محمدا رسول الله فلا تقل : حي على الصلاة قل : صلوا في بيوتكم فقال : فكأن الناس استنكروا ذلك . فقال : أتعجبون من ذا ؟ فعل ذا من هو خير مني إن الجمعة عزمة وإني كرهت أن أخرجكم إليها فتمشوا في الطين والدحض . أخرجه مسلم .

ولأنه عذر في الجماعة ، فكان عذرا في الجمعة ، كالمرض ، وتسقط الجمعة بكل عذر يسقط الجماعة ، وقد ذكرنا الأعذار في آخر صفة الصلاة ، وإنما ذكرنا المطر هاهنا لوقوع الخلاف فيه . ( 1354 ) فصل : تجب الجمعة على الأعمى وقال أبو حنيفة : لا تجب عليه . ولنا عموم الآية ، والأخبار ، وقوله : { الجمعة واجبة إلا على أربعة } وما ذكرنا في وجوب الجماعة عليه .

( 1355 ) مسألة : قال : ( وإن حضروها أجزأتهم ) يعني تجزئهم الجمعة عن الظهر ، ولا نعلم في هذا خلافا . قال ابن المنذر أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن لا جمعة على النساء ، وأجمعوا على أنهن إذا حضرن فصلين الجمعة أن ذلك يجزئ عنهن ; لأن إسقاط الجمعة للتخفيف عنهن ، فإذا تحملوا المشقة وصلوا ، أجزأهم ، كالمريض . ( 1356 )

فصل : والأفضل للمسافر حضور الجمعة ، ; لأنها أكمل .

فأما العبد فإن أذن له سيده في حضورها فهو أفضل ; لينال فضل الجمعة وثوابها ، ويخرج من الخلاف . وإن منعه سيده لم يكن له حضورها ، إلا أن نقول بوجوبها عليه . وأما المرأة فإن كانت مسنة فلا بأس بحضورها وإن كانت شابة ، جاز حضورها ، وصلاتهما في بيوتهما خير لهما ، كما روي في الخبر : { وبيوتهن خير لهن } . وقال أبو عمرو الشيباني : رأيت ابن مسعود يخرج النساء من الجامع يوم الجمعة ، يقول : اخرجن إلى بيوتكن خير لكن .

( 1357 ) فصل : ولا تنعقد الجمعة بأحد من هؤلاء ، ولا يصح أن يكون إماما فيها . وقال أبو حنيفة ، والشافعي : يجوز أن يكون العبد والمسافر إماما فيها ، ووافقهم مالك في المسافر .

وحكي عن أبي حنيفة أن الجمعة تصح بالعبيد والمسافرين ; لأنهم رجال تصح منهم الجمعة .

ولنا ، أنهم من غير أهل فرض الجمعة ، فلم تنعقد الجمعة بهم ، ولم يجز أن يؤموا فيها ، كالنساء والصبيان ، ولأن الجمعة إنما تنعقد بهم تبعا لمن انعقدت به ، فلو انعقدت بهم أو كانوا أئمة فيها صار التبع متبوعا ، وعليه يخرج الحر المقيم ، ولأن الجمعة لو انعقدت بهم لانعقدت بهم منفردين ، كالأحرار المقيمين ، وقياسهم منتقض بالنساء والصبيان . ( 1358 )

فصل : فأما المريض ، ومن حبسه العذر من المطر والخوف ، فإذا تكلف حضورها وجبت عليه ، وانعقدت به ، ويصح أن يكون إماما فيها ; لأن سقوطها عنهم إنما كان لمشقة السعي ، فإذا تكلفوا وحصلوا في الجامع ، زالت المشقة ، فوجبت عليهم ، كغير أهل الأعذار .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث