الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل أي قربة فعلها وجعل ثوابها للميت نفعه ذلك

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 225 ] فصل : وأي قربة فعلها ، وجعل ثوابها للميت المسلم ، نفعه ذلك ، إن شاء الله ، أما الدعاء ، والاستغفار ، والصدقة ، وأداء الواجبات ، فلا أعلم فيه خلافا ، إذا كانت الواجبات مما يدخله النيابة ، وقد قال الله تعالى : { والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان } . وقال الله تعالى : { واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات } .

{ ودعا النبي صلى الله عليه وسلم لأبي سلمة حين مات } ، وللميت الذي صلى عليه في حديث عوف بن مالك ، ولكل ميت صلى عليه . ولذي النجادين حتى دفنه . وشرع الله ذلك لكل من صلى على ميت { وسأل رجل النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، إن أمي ماتت ، فينفعها إن تصدقت عنها ؟ قال : نعم } . رواه أبو داود . وروي ذلك عن سعد بن عبادة .

{ وجاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله ، إن فريضة الله في الحج أدركت أبي شيخا كبيرا ، لا يستطيع أن يثبت على الراحلة ، أفأحج عنه ؟ قال : أرأيت لو كان على أبيك دين أكنت قاضيته ؟ قالت : نعم . قال : فدين الله أحق أن يقضى . } { وقال للذي سأله : إن أمي ماتت ، وعليها صوم شهر ، أفأصوم عنها ؟ قال : نعم . }

وهذه أحاديث صحاح ، وفيها دلالة على انتفاع الميت بسائر القرب ; لأن الصوم والحج والدعاء والاستغفار عبادات بدنية ، وقد أوصل الله نفعها إلى الميت ، فكذلك ما سواها ، مع ما ذكرنا من الحديث في ثواب من قرأ يس ، وتخفيف الله تعالى عن أهل المقابر بقراءته . وروى عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعمرو بن العاص : لو كان أبوك مسلما ، فأعتقتم عنه ، أو تصدقتم عنه ، أو حججتم عنه ، بلغه ذلك } . وهذا عام في حج التطوع وغيره ، ولأنه عمل بر وطاعة ، فوصل نفعه وثوابه ، كالصدقة والصيام والحج الواجب .

وقال الشافعي : ما عدا الواجب والصدقة والدعاء والاستغفار ، لا يفعل عن الميت ، ولا يصل ثوابه إليه ; لقول الله تعالى : { وأن ليس للإنسان إلا ما سعى } . وقول النبي صلى الله عليه وسلم : { إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث : صدقة جارية ، أو علم ينتفع به من بعده ، أو ولد صالح يدعو له } . ولأن نفعه لا يتعدى فاعله ، فلا يتعدى ثوابه .

وقال بعضهم : إذا قرئ القرآن عند الميت ، أو أهدي إليه ثوابه ، كان الثواب لقارئه ، ويكون الميت كأنه حاضرها ، فترجى له الرحمة . ولنا ، ما ذكرناه ، وأنه إجماع المسلمين ; فإنهم في كل عصر ومصر يجتمعون ويقرءون القرآن ، ويهدون ثوابه إلى موتاهم من غير نكير . ولأن الحديث صح عن النبي صلى الله عليه وسلم : { إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه } . والله أكرم من أن يوصل عقوبة المعصية إليه ، ويحجب عنه المثوبة .

ولأن الموصل لثواب ما سلموه ، قادر على إيصال [ ص: 226 ] ثواب ما منعوه ، والآية مخصوصة بما سلموه ، وما اختلفنا فيه في معناه ، فنقيسه عليه . ولا حجة لهم في الخبر الذي احتجوا به ، فإنما دل على انقطاع عمله ، فلا دلالة فيه عليه ; ثم لو دل عليه كان مخصوصا بما سلموه ، وفي معناه ما منعوه ، فيتخصص به أيضا بالقياس عليه ، وما ذكروه من المعنى غير صحيح ، فإن تعدي الثواب ليس بفرع لتعدي النفع ، ثم هو باطل بالصوم والدعاء والحج ، وليس له أصل يعتبر به ، والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث