الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة حكم المائع إذا وقعت فيه نجاسة

جزء التالي صفحة
السابق

وأما السمن فإن حمام بن أحمد قال : ثنا ابن مفرج ثنا ابن الأعرابي ثنا الدبري ثنا عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال { سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الفأرة تقع في السمن قال : إذا كان جامدا فألقوها وما حولها وإن كان مائعا فلا تقربوه } قال عبد الرزاق : وقد كان معمر يذكره أيضا عن الزهري عن [ ص: 146 ] عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس عن ميمونة قال : وكذلك حدثناه ابن عيينة . قال علي : الفأرة والحية والدجاجة والحمامة والعرس أسماء كل واحد منها يقع على الذكر في لغة العرب وقوعه على الأنثى ، وفي قوله صلى الله عليه وسلم : { ألقوها وما حولها } . برهان بأنها لا تكون إلا ميتة ، إذ لا يمكن ذلك من الحية .

فإن قيل : فإن عبد الواحد بن زياد روى عن معمر عن الزهري عن ابن المسيب عن أبي هريرة هذا الخبر فقال : { وإن كان ذائبا أو مائعا فاستصبحوا به أو قال : انتفعوا به } قلنا وبالله تعالى التوفيق : عبد الواحد قد شك في لفظة الحديث فصح أنه لم يضبطه ولا شك في أن عبد الرزاق أحفظ لحديث معمر . وأيضا فلم يختلف عن معمر عن الزهري عن عبيد الله عن ابن عباس عن ميمونة . ومن لم يختلف عليه أحق بالضبط ممن اختلف عليه .

وأما الذي نعتمد عليه في هذا فهو أن كلا الروايتين حق ، فأما رواية عبد الواحد فموافقة لما كنا نكون عليه لو لم يرد شيء من هذه الرواية ; لأن الأصل إباحة الانتفاع بالسمن وغيره ، لقول الله تعالى : { خلق لكم ما في الأرض جميعا } .

وأما رواية عبد الرزاق فشرع وارد وحكم زائد ناسخ للإباحة المتقدمة بيقين لا شك فيه ، ونحن على يقين من أن الله تعالى لو أعاد حكم المنسوخ وأبطل حكم الناسخ لبين ذلك بيانا يرفع به الإشكال ، قال الله تعالى : { لتبين للناس ما نزل إليهم } فبطل حكم رواية عبد الواحد بيقين لا شك فيه ، وبالله تعالى التوفيق .

حدثنا محمد بن سعيد بن نبات ثنا أحمد بن عبد البصير ثنا قاسم بن أصبغ ثنا محمد بن عبد السلام الخشني ثنا محمد بن المثنى ثنا محمد بن فضيل ثنا عطاء بن السائب عن ميسرة النهدي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه - في الفأرة إذا وقعت في السمن فماتت فيه - قال : إن كان جامدا فاطرحها وما حولها وكل بقيته ، وإن كان ذائبا فأهرقه . قال علي : والمأخوذ مما حولها هو أقل ما يمكن أن يؤخذ وأرقه غلظا ، لأن هذا هو الذي يقع عليه اسم ما حولها ، وأما ما زاد على ذلك فمن المأمور بأكله والمنهي عن تضييعه .

[ ص: 147 ] فإن قيل : فقد روي : { خذوا مما حولها قدر الكف . } قيل : هذا إنما جاء مرسلا من رواية أبي جابر البياضي - وهو كذاب - عن ابن المسيب فقط ، ومن رواية شريك بن أبي نمر - وهو ضعيف - عن عطاء بن يسار ، وشريك ضعيف ، ولا حجة في مرسل ولو رواه الثقات ، فكيف من رواية الضعفاء .

ولا يجوز أن يحكم لغير الفأر في غير السمن ، ولا للفأر في غير السمن ولا لغير الفأرة في السمن بحكم الفأر في السمن ، لأنه لا نص في غير الفأر في السمن ، ومن المحال أن يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم - حكما في غير الفأر في غير السمن ثم يسكت عنه ولا يخبرنا به ، ويكلنا إلى علم الغيب والقول بما لا نعلم على الله تعالى ، وما يعجز عليه السلام قط عن أن يقول لو أراد : إذا وقع النجس أو الحرام في المائع فافعلوا كذا ، حاشا لله من أن يدع عليه السلام بيان ما أمره ربه تعالى بتبليغه . هذا هو الباطل المقطوع على بطلانه بلا شك .

فإن قيل : فإنه قد روي { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن فأرة وقعت في ودك فقال عليه السلام : اطرحوها وما حولها إن كان جامدا ، قيل : وإن كان مائعا ؟ قال : فانتفعوا به ولا تأكلوه } . قلنا : هذا لم يروه أحد إلا عبد الجبار بن عمر ، وهو لا شيء ، ضعفه ابن معين والبخاري وأبو داود والنسائي وغيرهم ، وأيضا فليس فيه إلا الفأر في الودك فقط ، وقد قيل : إن الودك في اللغة للسمن والمرق خاصة والدسم للشحم . وقال أبو حنيفة : إن وقعت خمر أو ميتة أو بول أو عذرة أو نجاسة في ماء راكد نجس كله قلت النجاسة أو كثرت ، ووجب هرقه كله ولم تجز صلاة من توضأ منه أو اغتسل منه ، ولم يحل شربه كثر ذلك الماء أو قل ، إلا أن يكون إذا حرك أحد طرفيه لم يتحرك الآخر ، فإنه طاهر حينئذ ، وجائز التطهر به وشربه ، فإن وقعت كذلك في مائع غير الماء حرم أكله وشربه وجاز الاستصباح به والانتفاع به وبيعه ، فإن وقعت النجاسة أو الحرام في بئر ، فإن كان ذلك عصفورا فمات ، أو فأرة فماتت ، فأخرجا ، فإن البئر قد تنجست ، وطهورها أن يستقى منها عشرون دلوا والباقي طاهر . فإن كانت دجاجة أو سنورا فأخرجا حين ماتا فطهورها أربعون دلوا والباقي طاهر ، فإن كانت شاة فأخرجت حين ماتت أو بعدما انتفخت أو تفسخت ، أو لم تخرج الفأرة ولا العصفور ولا [ ص: 148 ] الدجاجة أو السنور إلا بعد الانتفاخ أو الانفساخ ، فطهور البئر أن تنزح ، وحد النزح عند أبي حنيفة وأبي يوسف أن يغلبه الماء ، وعند محمد بن الحسن مائتا دلو ، فلو وقع في البئر سنور أو فأر أو حنش فأخرج ذلك وهي أحياء ، فالماء طاهر يتوضأ به ، ويستحب أن ينزح منها عشرون دلوا ، فلو وقع فيها كلب أو حمار فأخرجا حيين فلا بد من نزح البئر حتى يغلبهم الماء ، فلو بالت شاة في البئر وجب نزحها حتى يغلبهم ، قل البول أو كثر . وكذلك لو بال فيها بعير عندهم ، فلو وقع فيها بعرتان من بعر الإبل أو بعر الغنم لم يضرها ذلك .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث