الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة لا يحل لأحد أن يأخذ شيئا مما غنم الجيش

جزء التالي صفحة
السابق

963 - مسألة :

ولا يحل لأحد أن يأخذ مما غنم جيش ، أو سرية شيئا خيطا فما فوقه

وأما الطعام فكل ما أمكن حمله فحرام على المسلمين إلا ما اضطروا إلى أكله ولم يجدوا شيئا غيره .

وأما ما يقدر على حمله فجائز إفساده وأكله ، وإن لم يضطروا إليه . وإنما هذا فيما ملكوه ، وأما ما لم يملكوه من صيد ، أو حجر ، أو عود شعر ، أو ثمار ، أو غير ذلك ، فهو كله مباح كما هو في أرض الإسلام ولا فرق ، قال عز وجل : { ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة } .

روينا من طريق مالك عن ثور بن زيد الديلي عن أبي الغيث مولى ابن مطيع عن أبي هريرة أنه قال { أهدي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد أسود يقال له : مدعم ، حتى إذا كانوا بوادي القرى فبينا مدعم يحط رحل رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاءه سهم عائر فأصابه فقتله ; فقال الناس : هنيئا له الجنة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كلا والذي نفسي بيده إن الشملة التي أخذها يوم خيبر من الغنائم لم تصبها المقاسم لتشتعل عليه نارا ; [ ص: 420 ] فلما سمعوا ذلك جاء رجل بشراك ، أو شراكين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له عليه السلام : شراك ، أو شراكان من نار } والطعام من جملة أموالهم .

فإن ذكر ذاكر ما رويناه من طريق ابن عمر { غنم جيش في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم طعاما وعسلا فلم يؤخذ منهم الخمس } فهذا عليهم ; لأنهم يقولون : إن كثر ذلك وأمكن حمله خمس ولا بد ، وأما نحن فإن الآية زائدة على ما في هذا الخبر ، وهي قوله تعالى : { واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى } .

وحديث الغلول زائد عليه ، فيخرج هذا الخبر على أنه كان قبل نزول الخمس لا يجوز إلا هذا ; لأن الأخذ بالزائد فرض لا يحل تركه ، ونحن على يقين من أن الآية ، وحديث الغلول غير منسوخين مذ نزلا .

فإن ذكروا أيضا حديث ابن عمر " كنا نصيب في مغازينا العنب والعسل فنأكله ولا نرفعه " فهذا بين وهو أنه كان لا يمكن حمله ; إذ لم يرفعوه فأكله خير من إفساده ، أو تركه ، وهكذا نقول .

فإن ذكروا حديث ابن مغفل في جراب الشحم ، فلا حجة لهم فيه لأنهم أول مخالف له فيقولون : لا يحل أخذ الجراب وإنما يحل عند بعضهم الشحم فقط . وهذا خبر قد رويناه بزيادة بيان ، كما روينا من طريق محمد بن عبد الملك بن أيمن نا أحمد بن زهير بن حرب نا عفان بن مسلم ، ومسلم بن إبراهيم قالا : نا شعبة عن حميد بن هلال عن عبد الله بن مغفل قال { كنا محاصري خيبر فدلي إلينا جراب فيه شحم فأردت أن آخذه ونوينا أن لا نعطي أحدا منه شيئا فالتفت فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم خلفي يبتسم ، فاستحييت أن آخذه } .

ثم لو صح أنه أخذه لكان على ما ذكرنا من الحاجة إليه . يبين ذلك ما [ ص: 421 ] رويناه من طريق البخاري نا علي بن الحكم الأنصاري نا أبو عوانة عن سعيد بن مسروق عن عباية بن رفاعة بن رافع بن خديج عن جده قال : { كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بذي الحليفة فأصاب الناس جوع فأصابوا إبلا وغنما والنبي صلى الله عليه وسلم في أخريات الناس فعجلوا فذبحوا ونصبوا القدور فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالقدور فأكفئت ، ثم قسم فعدل عشرة من الغنم ببعير } فلم يبح لهم أكل شيء إذ قد كانت القسمة قد حضرت فيصل كل ذي حق إلى حقه - وبالله تعالى التوفيق .

964 - مسألة :

وكل من دخل من المسلمين فغنم في أرض الحرب سواء كان وحده أو في أكثر من واحد بإذن الإمام وبغير إذنه فكل ذلك سواء ، والخمس فيما أصيب ، والباقي لمن غنمه ; لقول الله تعالى : { واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه } ، وقوله تعالى : { فكلوا مما غنمتم } .

وقال أبو حنيفة : لا خمس إلا فيما أصابته جماعة .

قال أبو يوسف : تسعة فأكثر - وهذه أقوال في غاية الفساد لمخالفتها القرآن ، والسنن ، والمعقول ، وقد قال تعالى : { قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة } فلم يخص بأمر الإمام ولا بغير أمره ولو أن إماما نهى عن قتال أهل الحرب لوجبت معصيته في ذلك ، لأنه أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة له .

وقال تعالى : { فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك } وهذا خطاب متوجه إلى كل مسلم ، فكل أحد مأمور بالجهاد وإن لم يكن معه أحد ، وقال تعالى : { انفروا خفافا وثقالا } ، وقال تعالى : { فانفروا ثبات أو انفروا جميعا } .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث