الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


( والفصل الثاني ) : إذا وهب الوالد لولده فليس له أن يرجع [ ص: 55 ] فيه - عندنا - وقال الشافعي له ذلك - لما روينا من قوله صلى الله عليه وسلم { إلا الوالد فيما يهب لولده } ، والاستثناء من النفي إثبات ، ومن التحريم إباحة ، وفي حديث نعمان بن بشير رضي الله عنه قال { نحلني أبي غلاما ، وأنا ابن سبع سنين فأبت أمي إلا أن يشهد على ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فحملني أبي على عاتقه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأخبره بذلك فقال : ألك ولد سواه فقال : نعم فقال : عليه الصلاة والسلام أوكل ولدك نحلته مثل هذا فقال : لا ، فقال : عليه الصلاة والسلام هذا جور ، وإنا لا نشهد على جور ; اردد . } فقد أمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالرجوع فيه ، وأقل أحوال الأمر أن يفيد الإباحة ; ولأنه جاد بكسبه على كسبه فيتمكن من الرجوع فيه كما لو وهب لعبده ، ومعنى هذا أن الولد كسبه ، قيل : في معنى قوله تعالى : { ما أغنى عنه ماله وما كسب } : وما ولد وقال عليه الصلاة والسلام { : وإن ولده من كسبه } . وتأثيره كما بينا أنه لا يتميز عن ملكه إذا كان الموهوب له كسبا له ، كالموهوب به ، وإذا كان الموهوب له جزءا منه ، فلا يشكل أنه لا يتم خروجه عن ملكه ، ولا يبعد أن يختص الوالد بما لا يشاركه الولد فيه كالتملك بالاستيلاد ، فإنه يثبت للأب في جارية ابنه ، ولا يثبت للابن في جارية أبيه ، وحجتنا : ما روينا من حديث عمر رضي الله عنه ; فهو الإمام لنا في المسألتين ، ولأن الهبة قد تمت لذي الرحم المحرم ملكا وعقدا ، فلا يملك الرجوع فيه ، كالابن إذا وهب لأبيه أو الأخ لأخيه ; وهذا لأن المقصود قد حصل وهو صلة الرحم ، ولأن في الرجوع معنى قطيعة الرحم ، وهذا موجود في حق الوالد مع ولده ; لأنه بالرجوع يحمله على العقوق

وإنما أمر الوالد أن يحمل ولده على بره ، ولا يقال : مقصود الوالد أن يخدمه الولد ، ولما رجع فالظاهر أنه لم ينل ذلك ; لأن شفقة الأبوة تمنعه من الرجوع بعد حصول المقصود ; وهذا لأن هذا المعنى خفي لا ينبني الحكم عليه ، وهو موجود في الولد إذا وهب لوالده ، فالظاهر أنه قصد أن يخصه بإكرام ، وإنما يرجع ; لأنه لم ينل ذلك ، ولا معتبر بما ذكر من الكسب ، فإنه لو وهب لمكاتبه ، أو لمعتقه : لا يرجع فيه ، وهو كسبه أيضا ; وهذا لأن الولد كسبه - لا ملكه - بخلاف عبده ، فأما الحديث فقد قيل : معنى قوله عليه الصلاة والسلام إلا الوالد : ولا الوالد ، فإن كلمة ( إلا ) تذكر بمعنى ( ولا ) . قال الله تعالى { : إلا الذين ظلموا منهم } أي ، ولا الذين ظلموا منهم ، وقوله تعالى { : وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ } أي : ولا خطأ . أو المراد : إلا الوالد ; فإنه ينفرد بأخذه عند حاجته - على ما قررنا - . وحديث النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنه قيل : [ ص: 56 ] قوله : وأنا ابن سبع سنين ، وقوله : فحملني أبي على عاتقه ، لم ينقل في شيء من المشاهير ، فيحتمل أنه كان بالغا ، ولم يسلمه إليه ، وعندنا : في مثله له أن يرجع ، ويحتمل أنه كان صغيرا ، ولكن كان فوض ذلك إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليهبه له إن رآه صوابا ، ومعنى قوله : عليه الصلاة والسلام اردد أي : أمسك مالك ، وارجع إلى رحلك ، وقيل : كان هذا منه بطريق الوصية بعد موته ; ألا ترى أنه اعتبر التسوية بين الأولاد ، وإنما تجب التسوية في الوصية بعد الموت فأما في الهبة في الصحة ، فلا ; ألا ترى أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه خص عائشة بالهبة لها في صحته - كما روينا - والدليل عليه : أن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال فرجع أبي في وصيته ، وفي هذا التأويل كلام فالمذهب أنه ينبغي للوالد أن يسوي بين الأولاد في العطية عند محمد رحمه الله على سبيل الإرث للذكر مثل حظ الأنثيين ، وعند أبي يوسف رحمه الله يسوى بين الذكور والإناث قال : عليه الصلاة والسلام { ساووا بين أولادكم حتى في القبل ، ولو كنت مفضلا أحدا لفضلت الإناث } .

والاعتماد : على التأويل الأول . وذو الرحم الذي ليس بمحرم كالأجنبي في حق الهبة ; لأن ما بينهما من القرابة لا يفترض وصلها ; ولهذا لا يتعلق بها استحقاق العتق وحرمة النكاح ، وكذلك المحرم الذي ليس برحم ; لأنه لا تأثير للرضاع والمصاهرة في استحقاق الصلة ; فكانت الهبة بينهما لمقصود العوض فإذا لم ينل كان له أن يرجع فيها إن كانت قائمة لم يزدد خيرا

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث