الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب العطية

قال : ( وكذلك لو قال نحلتك هذا الثوب ، أو أعطيتك هذا الثوب عطية فهذه عبارات عن تمليك العين بطريق التبرع ; وذلك يكون هبة ) ، وكذلك لو قال قد كسوتك هذا الثوب فإن هذا اللفظ لتمليك العين ، بدليل قوله تعالى : { أو كسوتهم } فالكفارة لا تتأدى إلا بتمليك الثوب من المسكين . ويقال في العرف : كسا الأمير فلانا أي : ملكه . وإن قال : حملتك على هذه الدابة : كانت عارية لأن الحمل على الدابة إركاب ، وهو تصرف في منافعها لا في عينها فتكون عارية إلا أن يقول صاحب الدابة : أردت الهبة لأن هذا اللفظ قد يذكر للتمليك . يقال : حمل الأمير فلانا على فرسه ، أي : ملكه ، فإذا نوى ما يحتمله لفظه ، وفيه تشديد عليه عملت نيته ، وكذلك لو قال : قد أخدمتك هذه الجارية فهي عارية لأن معناه مكنتك من أن تستخدمها وذلك تصرف في منافعها لا في عينها . وإن قال : قد منحتك هذه الجارية ، أو هذه الأرض فهي عارية لأن المنحة بدل المنفعة بغير بدل قال صلى الله عليه وسلم : { المنحة مردودة والعارية مؤداة } . فيكون معنى كلامه : جعلت لك منفعة هذه العين وهو نفس العارية . فإن قال : قد أطعمتك هذه الأرض ; فإنما أطعمه غلتها . والرقبى لصاحبها ; لأن عينها لا تطعم ، فمعناه : أطعمتك ما يحصل منها فيكون تمليكا لمنفعة الأرض - دون عينها - وله أن يأخذها متى شاء . يعني : إذا كانت فارغة .

فأما بعد الزراعة : إذا أراد أن يستردها ، فإن رضي المستعير بأن يقلع زرعها ويردها : فله ذلك ، وإن أبى تركت في يده بأجرة مثلها إلى وقت إدراك الغلة ; لأنه محق في زراعتهما غير متعد . فلا بد من مراعاة حقه بخلاف الغاصب وإنما يعتدل النظر من الجانبين بأن تترك في يده بأجر إلى إدراك الغلة ، وإن قال : قد أطعمتك هذا الطعام فاقبضه ، فقبضه : فهذه هبة لأن عين الطعام تطعم فإضافة لفظة الإطعام إلى ما يطعم عينه يكون تصرفا في العين تمليكا بغير عوض ; وذلك يكون هبة ، وكذلك لو قال : جعلت هذه الدار لك ، فاقبضها ; لأن معنى كلامه : ملكتك هذه الدار ; ألا ترى أن في التمليك ببدل لا فرق بين لفظ الجعل ، والتمليك [ ص: 96 ] فكذلك في التمليك بغير بدل . فإن قال : داري لك عمرى سكنى : فهذه عارية ; لأن قوله : سكنى تفسير لقوله : عمرى . والكلام المبهم إذا تعقبه تفسير فالحكم للتفسير ، وبيان هذا وهو أن قوله : لك عمرى ، يحتمل تمليك عينها منه عمره ، ويحتمل تمليك منفعتها . فكان قوله : سكنى ، تفسيرا ، أي : لك سكناها عمرك ، وكذلك قوله : نحلى سكنى ، وقوله : هبة سكنى ، أو سكنى هبة ، أو سكنى صدقة ، فهذا كله عارية ; لما بينا أن قوله : سكنى ، تفسير للمحمل من كلامه ; ألا ترى أنه لو قال : هي لك فاقبضها : كانت هبة ، ولو قال : هي لك سكنى كانت عارية ، وجعل قوله : سكنى تفسيرا ، وكذلك إذا زاد لفظة العمرى والهبة والصدقة ، وإن قال : هي لك هبة عارية ، أو هي عارية هبة : فهي عارية . قدم لفظة الهبة ، أو أخرها ; لأنه محتمل لجواز أن يكون مراده هبة العين ، ويجوز أن يكون مراده هبة المنفعة . وقوله : عارية ، تفسير لذلك المبهم ; لأنه في نفسه محكم لا يتناول إلا المنفعة ، فسواء قدمه أو أخره ، فالحكم له وإن قال : هي لك هبة إجارة كل شهر بدرهم أو إجارة هبة فهي إجارة في الوجهين لأن لفظة الإجارة في حق المحل محكم ; فإنه لا يتناول إلا المنفعة ، ولفظة الهبة تحتمل تناول العين تارة ، والمنفعة تارة أخرى ; فكان الحكم للفظ المحكم قدمه ، أو أخره ، وتمليك المنفعة ببدل معلوم إلى مدة معلومة تكون إجارة .

وإن قال : داري هذه لك عمرى تسكنها ، وسلمها إليه : فهي هبة لأن قوله تسكنها ليس بتفسير لقوله : عمرى ، فالفعل لا يصلح تفسيرا للاسم ، ولكنه مشورة أشار عليه في ملكه فإن شاء : قبل مشورته وسكنها ، وإن شاء لم يقبل ، وهو بيان لمقصوده أنه ملكه الدار عمره ليسكنها ، وهذا معلوم . وإن لم يذكره ، فلا يتغير به حكم التمليك بمنزلة قوله : هذا الطعام لك تأكله ، أو هذا الثوب لك تلبسه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث