الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب العطية

قال : ولو وهبه ثوبا ، فشقه نصفين ، فخاط نصفا قباء ، ونصفه الآخر على حاله : كان له أن يرجع في النصف الباقي ; لأن الشق نقصان في الثوب ، وخياطة القباء زيادة في النصف الذي حدثت الزيادة بفعله فيه تعذر الرجوع . وقد بينا أن تعذر الرجوع في النصف لا يمنعه من الرجوع في النصف الباقي . وإن قال : وإن وهب له شاة ، فذبحها : كان له أن يرجع فيها ; لأن الذبح نقصان في العين ; فإن عمله في إزهاق الحياة . قال : وإن ضحى بها أو ذبحها في هدي المتعة : لم يكن له أن يرجع فيها ، في قول أبي يوسف ، وقال محمد : يرجع فيها ، وتجزئه الأضحية ، والمتعة للذابح ، ولم يذكر قول أبي حنيفة ، [ ص: 100 ] وقيل : قوله : كقول أبي يوسف ، أما محمد يقول : ملك الموهوب له لم يزل عن عينها ، والذبح نقصان فيها ; فلا يمنع الرجوع فيما بقي ، كالشاة للقصاب ; وهذا لأن معنى القربة في نيته وفعله دون العين ، والموجود في العين قطع الحلقوم والأوداج سواء كان على نية اللحم ، أو نية القربة . والذي حدث في العين أنه تعلق به حكم الشرع من حيث التصدق به ، وذلك لا يمنع الرجوع كرجوع الزكاة في المال الموهوب في يد الموهوب له ، بل أولى ; لأن التصدق هنا ليس بمتحتم ، حتى يكون له أن يأكله ويطعم من شاء من الأغنياء - بخلاف الزكاة - وأبو يوسف يقول في التضحية : جعلها الله - تعالى - خالصا ، وقد تم ذلك ، فلا يرجع الواهب فيه بعد ذلك ، كما لو كان الموهوب له أرضا فجعلها مسجدا . وبيان قولنا : أن في التقرب بإراقة الدم ، وقد حصل ذلك ; ألا ترى أنه لو سرق المذبوح ، أو هلك : كان مجزئا عنه ، وإباحة التناول منه بإذن من له الحق بقوله : تعاليا أفطرا منها .

ألا ترى أنه يجوز له أن يتصرف فيها على غير الوجه المأذون فيه ، وهو بطريق التجارة ويمنع من ذلك ، ولو فعله كان ضامنا ، فعرفنا أنه تم معنى التقرب به ، فيكون نظير هذا من الزكاة : ما إذا أداه إلى الفقير بنية الزكاة ، وليس للواهب أن يرجع فيه بعد ذلك . وهذا الفعل في صورة ذبح شاة القصاب ولكن في المعنى والحكم غيره ولا تعتبر الصور ، ألا ترى أن الذبح يتحقق من المسلم ، والمجوسي ، والتضحية لا تتحقق إلا ممن هو أهل ، فعرفنا أنه في المعنى غير الذبح . ثم عند محمد : برجوع الواهب لا تبطل التضحية ; لأن رجوعه في القائم دون ما يلاشى منه ، وقد بينا أن الرجوع ينهي ملك الموهوب له ; فإنما انعدم ملكه بغير اختياره ، وهو في حق نظير ما لو هلك بعد الذبح .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث