الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة إهداء القرب للنبي صلى الله عليه وسلم

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

ص ( وإجارة ضمان على بلاغ )

ش : يعني أن الاستئجار للحج على وجه الضمان أفضل من الاستئجار على وجه البلاغ وسيأتي تفسير ذلك إن شاء الله قال في الذخيرة : قال سند : اتفق مالك والأئمة على الأرزاق في الحج وأما الإجارة بأجرة فقال بها مالك والشافعي ومنعها أبو حنيفة وابن حنبل انتهى . والرزقة هو أن يدفع للحاج شيئا يستعين به على حجه عن الميت من غير عقد إجارة في ذمته وسواء كان قدر كفايته أم لا وقال في غنية الفقير في حج الأجير وقد فرق الأصحاب بين الرزق والإجارة بأن الرزق هو أن ينظر إلى قدر كفايته فيدفعه إليه وذلك يزيد وينقص لكثرة عياله وقلتهم وأما الإجارة فهو شيء مقدور قصر عن كفايته أو زاد انتهى . ولفظ سند في الطراز : الذي اتفقت الأمة على صحته أن يكون ذلك رزقة لا أجرة صححه الكافة مالك وأبو حنيفة والشافعي وأحمد وغيرهم وأما عقد الإجارة بأجرة معلومة فصححه مالك والشافعي ومنعه أبو حنيفة وابن حنبل ودليلنا أنه عمل تدخله النيابة فجاز الأجرة عليه وأما الاستئجار بالنفقة فمنعه الشافعي وزعم أنها أجرة مجهولة ونقول : لا فرق بين ذلك وبين الرزقة وكاستئجار الظئر بمؤنتها إذا ثبت ذلك فالمعاوضة في الحج على ثلاثة أضرب حج بأجرة معلومة وحج بنفقة ما بلغت وتسمى أجرة على البلاغ وحج بأجرة على وجه الجعالة وهو أن يلزم نفسه شيئا ولكن إن حج كان له من الأجرة كذا وهي من وجه البلاغ انتهى مختصرا .

( ( قلت ) ) : فالوجه الأول وهو الحج بأجرة معلومة هو الذي سماه المصنف إجارة ضمان وفي أثناء كلام صاحب الطراز بعد ذلك أنه على وجهين تارة يكون معينا في عين الأجير قال : مثل أن يقول استأجرتك لتحج عني بكذا ، قال : وإن قال على أن تحج عني بنفسك كان تأكيدا وإضافة الفعل إليه تكفي في ذلك انتهى .

وتارة يكون مضمونا في ذمته قال : مثل أن يقول من يأخذ كذا في حجة أو من يضمن لي حجة بكذا ولم يعين لفعلها أحدا وقال أبو الحسن الصغير : قال بعض المتأخرين : المعاوضة في الحج على وجهين : معين ومضمون والمعين على وجهين : إجارة وبلاغ والبلاغ على وجهين : بلاغ في الحج وهو الجعل ولا شيء له إلا بتمامها ، وبلاغ النفقة ، والمضمون على وجهين : ضمان بالسنة وهو كونها غير معينة إذا فاتته هذه السنة يأتي في سنة غير معينة ، وضمان بالنسبة إلى الأجير فإذا مات استؤجر من ماله من يحج انتهى ، وهو يشير إلى ما تقدم إلا أن قوله : ضمان بالنسبة يوهم أنه قسم مستقل وليس كذلك بل كل قسم من الإجارة بأجرة معينة سواء كان في عين الأجير أو في ذمته ومن إجارة البلاغ ومن الجعالة ينقسم إلى مضمون بالنسبة إلى السنة وهو أن تكون السنة غير معينة وإلى معينة في السنة ، وقوله : معين مراده به تعيين [ ص: 547 ] الأجير ومراده بالأجرة التي جعلها قسم المعين الإجارة المضمونة فالقسم الأول في كلامه من المضمون هو ما أشار إليه المؤلف بقوله : وعلى عام مطلق والثاني هو الذي أشار إليه بقوله : قام وارثه مقامه فيمن يأخذه في حجه والله أعلم .

فالذي يتحصل من كلام الشيوخ في تقسيم المعاملة على الحج أن المعاملة على الحج على أربعة أوجه : الأول استئجار بأجرة معلومة تدفع للأجير ويكون ضمانها منه وعليه جميع ما يحتاج إليه والفضل له والنقصان عليه ويكون الحج متعلقا بعين الأجير ، والثاني الاستئجار على الحج بأجرة معلومة كما تقدم ويكون الحج في ذمة الأجير ، والثالث الاستئجار بالنفقة وهو المسمى بالبلاغ وسيأتي تفسيره في كلام المصنف ، والرابع الاستئجار على وجه الجعالة فالقسمان الأولان يسميهما المصنف إجارة ضمان وذكر القسم الثاني أيضا في قوله : وقام وارثه مقامه فيمن يأخذ في حجه ، والقسم الثالث أشار إليه بقوله : والبلاغ إعطاء ما ينفقه إلخ ، والرابع أشار إليه بقوله وعلى الجعالة وفي الوجه الثاني خلاف والذي يفهم من كلام المصنف الجواز والله أعلم .

ووجه تسمية القسمين الأولين بالضمان أن الأجير لزمه الحج بذلك العوض دون زيادة عليه ولا رد منه قال ابن عرفة : والنيابة بعوض معلوم بذاته أجرة إن كانت عن مطلق العمل وجعل إن كانت عن تمامه وبلاغ إن كانت بقدر نفقته وفيها الإجارة أن يستأجره بكذا وكذا دينارا على أن يحج عن فلان له ما زاد وعليه ما نقص والبلاغ خذ هذه الدنانير فحج بها عنه على أن علينا ما نقص عن البلاغ أو يحج منها عنه والناس يعرفون كيف يأخذون إن أخذوا على البلاغ فبلاغ وإن أخذوا على أنهم ضمنوا الحج فقد ضمنوه .

( ( قلت ) ) : يريد بالضمان لزومه الحج بذلك العوض دون زيادة عليه ولا رد منه انتهى وقال في المتيطية ما قدمناه من أن الاستئجار على الحج يعني بأجرة معلومة في غير الأجير والبلاغ هو المشهور من المذهب ويبقى وجهان ذكرهما بعض أهل العلم وهما الحج المضمون والجعل في الحج ثم قال : قال أحمد بن سعيد : سمعت أهل العلم يقولون : إنه لا يقوم من الكتاب إلا الوجهان الأولان وكان ابن لبابة يخالف في ذلك ويقول : إن قوله في المدونة إن أخذوا المال على أنهم قد ضمنوا الحج فقد ضمنوه أنه وجه ثالث من أن الحج استئجار وبلاغ ومضمون ويقول في الذي يأخذ على الحجة المضمونة : إنه إذا مات قبل إكمالها أنه يرد جميع المال ولا يحتسب بقدر ما قطع من الطريق وقاله أيوب بن سليمان ومحمد بن وليد وغيرهما ونحوه في أقضية ابن زياد وبه كان يقول ابن زرب قال ابن الهندي ومن عيب هذه المقالة إن لم يكفل ذهب عناؤه باطلا وإنما وقع في الكتاب المضمون على الاستئجار من جهة أن يكون للمستأجر ما زاد وعليه ما نقص فهو الذي أراد بأنهم ضمنوا الحج ثم قال : والحج المضمون لا يكون الموصى له إلا غير معين وهو أحوط للميت إن كان أوصى بها وإن لم يوص بها فلا يتعدى قوله من استئجار أو بلاغ هذا هو المستحسن في ذلك وذكر ابن العطار عن بعض قضاة قرطبة أنه كان لا يدفع المال إلا على أنها مضمونة وإن كان الميت أوصى بالاستئجار وقاله ابن زرب قال ابن العطار وهذا عندي نقض لعهد الموصي ومخالف لوصيته إلا أن يوصي بأن تكون مضمونة فيوقف عند عهده ثم قال وهذه الحجة إن تولاها قابض الدنانير بنفسه أو استناب فيها غيره سواء وإن مات ولم يوفها استؤجر من ماله على تمامها انتهى .

وهذا يؤخذ من قول المصنف : وقام وارثه مقامه فيمن يأخذه في حجة وأما كونه يستنيب في حياته فإنه سيأتي عند قول المصنف : ولزمه الحج بنفسه أن ما ذكره المصنف هو المشهور وأن مقابله يقول له الاستئجار وإن ابن عبد السلام قال : إن محل الخلاف ما لم تقم قرينة على التعيين أو على عدمه فإن [ ص: 548 ] قامت قرينة تدل على التعيين عمل عليها والقرينة هنا دالة على عدم التعيين حيث جعلوها مضمونة بل ذلك صريح في عدم التعيين فتأمله . والله أعلم .

وذكر الجزائري في وثائقه الخلاف في المضمون وذكر أيضا الجزولي في شرح الرسالة والشيخ يوسف بن عمر وفي كلامه في النوادر إشارة إلى صحته وسيأتي لفظه في قوله فالمضمونة كغيرها .

( فرع ) قال سند في باب بقية من أحكام الإجارة : الإجارة المعينة ينبغي أن يتصل فيها العمل بالعقد ولا يجوز تراخيها عنه كما في سائر الإجارات المعقودة على خدمة رجل بعينه في شهر بعينه فما جاز في ذلك جاز هنا وما امتنع امتنع ههنا فإن كانت الإجارة في أرض الحجاز فالأحسن أن تكون في أشهر الحج فيشرع في الحج عقب العقد وإن كانت في بلاد قاصية جازت في كل وقت يخرج فيه إلى الحج وإن تراخى الخروج الأيام انتظر في تجهيزه ولو استأجره ليحج ماشيا في العام الثاني وكانت المشاة تخرج لذلك اليوم جاز لأنه شرع في الإجارة من وقته وهذا في الإجارة المعينة أما المضمونة فيجوز تقديم عقدها على فعلها سنين وهو كالسلم فإنه لا يقبض إلى سنين انتهى . ونحوه للمتيطي ونصه : وقولنا في النص مع تقديم النقد وأخذ في التجهيز هو الصواب لما روي عن مالك أن تقديم النقد مع تأخير الشروع في العمل لا يجوز فإن كان الاستئجار في غير إبان الخروج إلى الحج يجب النقد على الشرط وجاز على التطوع انتهى . والله أعلم

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث