الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

والقسم الثاني ما يطالب بالإتيان به ، فإن تركه لزمه دم ، وهل يأثم بتعمد الترك قال ابن عبد السلام : تظهر ثمرة الخلاف في التسمية بالتأثيم وعدمه فمن يرى وجوبها يقول بالتأثيم لتاركها ، ومن يقول : إنها سنة لا يقول بذلك انتهى .

ونقله في التوضيح ثم قال ، وقال الأستاذ أبو بكر الطرطوشي : أصحابنا يعبرون عن هذه الخصال بثلاث عبارات فمنهم من يقول : واجبة ، ومنهم من يقول : وجوب السنن ، ومنهم من يقول : سنة مؤكدة قال : ولم أر لأصحابنا هل يأثم بتركها أو لا أو أرادوا بالوجوب وجوب الدم والأمر محتمل انتهى .

والظاهر : أن الاختلاف إنما هو في محض عبارة كما قال في الطراز والخلاف عندي آيل إلى عبارة محضة ; لأن الجميع قالوا في تركه دم انتهى .

وأما التأثيم بتعمد الترك فقد صرح به عصري الطرطوشي [ ص: 11 ] الإمام القاضي أبو عبد الله محمد بن الحاج في منسكه قال فيه : أما سنن الحج فمنها ما يؤمر بفعله ، ولا يلحق مأثم بالقصد إلى تركه كالغسل للإحرام ثم قال : ومنها سنن مؤكدة يجب فعلها ويتعلق الإثم مع القصد إلى تركها كالتلبية ثم ذكر منها ثمانية ثم قال : وما أشبه ذلك مما يجب الدم بتركه انتهى .

وصرح به ابن فرحون في الباب الثامن إذا ثبت ذلك فاعلم أن الظاهر في هذه الأفعال أنها واجبة لصدق حقيقة الواجب عليها ، وهو ما يثاب على فعله ، ويعاقب على تركه فيكون كالأربعة المتقدمة غاية الأمر أن الشارع خصص كلا منها بحكم يخصه فجعل الأربعة المتقدمة لا بد من الإتيان بها ، وجعل هذه تجبر بالدم كما أنه خصص بعض الأربعة بأنه يفوت الحج به ، ولا يترتب على ذلك شيء ، وبعضها بأنه يتحلل من الإحرام بسبب فوته ، ويلزم القضاء ، وبعضها بأنه لا يتحلل إلا بالإتيان به ، وبإطلاق الوجوب عليه صدر ابن الحاجب والمصنف في مناسكه وغيرهما قال ابن الحاجب : والواجبات المنجبرة ، وقيل : سنن ، وقال المصنف في مناسكه : القسم الثاني : واجبات ليست بأركان ، ومن أصحابنا من يعبر عنها بالسنن ، وبعضهم يقول سننا مؤكدة ، ويلزم على الأول التأثيم لكن قال الأستاذ أبو بكر لم أر لأحد من علمائنا هل يأثم بتركها أم لا ، وإن أرادوا بالوجوب وجوب الدم ، فالأمر محتمل انتهى .

وقد تقدم النص بالتأثيم ، فظهر إطلاق الوجوب عليها وهذا أيضا ظاهر كلام صاحب الجواهر حيث قال في أوائل الباب الخامس في المقاصد من كتاب الحج : تنبيه : اصطلاح المذهب أن الفرض والواجب سواء إلا في الحج فقد خصص ابن الجلاب وغيره اسم الفرض بما لا يجبر بالدم فقال : فروض الحج أربعة ، وليس المراد الواجبات ; لأن كل ما يجبر بالدم واجب كما خصص في كتاب الصلاة في السهو السنة بما يجبر بالسجود فجعلها خمسة مع أن سنن الصلاة قد عدها صاحب المقدمات ثمانية عشر ، وقال يسجد منها لثمانية فليعلم ذلك انتهى .

وكذلك قال الشيخ حلولو في شرح جمع الجوامع : الفرض والواجب مترادفان ، قال : وفرق بينهما بعض أصحابنا في كتاب الحج انتهى .

لكن قد علم أن تفريق أصحابنا بينهما ليس كتفريق أصحاب أبي حنيفة أن الفرض ما يثبت بقطعي والواجب بظني بل التفريق بينهما بزيادة التأكيد قال ابن عبد السلام : وإيجاب أهل المذهب الدم في ترك هذه الأفعال كما أوجبوا السجود في بعض سنن الصلاة ، وذلك في الصلاة أظهر منها لكثرة الأحاديث المتضمنة لسجود السهو ، والهدي إنما جاء في التمتع خاصة فيما نعلمه ، وفي إلحاق هذه الصور ، وفيه نظر انتهى .

وليس الموجب للدم في هذه الصور القياس فقط بل قوله : عليه السلام { من ترك نسكا فعليه دم } ذكره في الطراز ، والله أعلم .

وهذا القسم على ثلاثة أقسام : قسم متفق على وجوب الدم فيه ، وقسم مختلف فيه ، والمشهور الوجوب ، وقسم مختلف فيه ، والمشهور عدم الوجوب ، فالأول : كترك الإحرام من الميقات لمريد النسك ، وترك التلبية بالكلية وترك ركعتي الطواف حتى يرجع إلى بلده وترك الجمار كلها أو حصاة منها حتى مضت أيام الرمي ، وترك المبيت بمنى ليلة كاملة من أيام الرمي ، وترك الحلاق حتى يرجع إلى بلده أو يطول لغير عذر أو لوجع برأسه لكن لا إثم مع العذر وتأخير طواف الإفاضة أو السعي أو هما معا إلى المحرم وترك البداءة بالحجر الأسود في الطواف ثم لم يعده حتى رجع إلى بلده والدفع من عرفة نهارا قبل الإمام ، ولم يخرج منها إلا بعد الغروب والتفريق بين الطواف والسعي بالزمن الطويل ثم لم يعاوده حتى رجع إلى بلده والقسم الثاني : كترك التلبية في أول الإحرام حتى يطول أو فعلها في أول الإحرام ثم تركها على ما شهره ابن عرفة ، وظاهر كلام المؤلف عدم وجوب الدم في هذا وكترك طواف القدوم لغير المراهق وترك السعي بعده وتركهما معا كترك أحدهما من ذي الجمار إلى وقت القضاء ، ولو كان لمرض به ، ولو رمى [ ص: 12 ] عنه غيره ، ولكن لا يأثم حينئذ وكترك المشي في الطواف للقادر ثم لم يعده أيضا وترك المشي في السعي لقادر ثم لم يعده أيضا وكترك الوقوف بعرفة مع الإمام نهارا للمتمكن وتأخير شيء من الجمار إلى وقت القضاء ، ولو كان لمرض به ، ولو رمى عنه غيره ، ولكن لا يأثم حينئذ وترك المبيت بمنى جل ليلة من ليالي الرمي وترك النزول بمزدلفة ليلة النحر وترك السعي في حق من أنشأ الإحرام من مكة وطاف وسعى قبل خروجه إلى عرفة وتقديم الإفاضة على الرمي والقسم الثالث : كترك الإحرام من الميقات لمن يريد دخول مكة ، ولا يريد النسك وترك طواف القدوم والسعي بعده نسيانا حتى يخرج لعرفة وترك المبيت بمنى ليلة يوم عرفة على ما نقله التادلي عن ابن العربي قال : وهو مما انفرد به انتهى .

وترك الحلق أو الإفاضة حتى خرجت أيام منى كما نقله التادلي وغيره وتقديم النحر على الرمي وتقديم الحلق على النحر وترك الرمل في الطواف وترك الخبب في السعي وتفريق الظهر من العصر بعرفة كما صرح به ابن فرحون في الباب الخامس وأما الدم اللازم لترك الإفراد فليس لترك واجب إنما هو حكم اختصت به هذه الصفات ألا ترى أن من يقول : إن التمتع والقران مقدم على الإفراد يقول بلزوم الدم فتأمله ، والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث