الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فرع تمتع ثم ذكر بعد أن حل من حجه أنه نسي شوطا

جزء التالي صفحة
السابق

ص ( ودم التمتع يجب بإحرام الحج وأجزأ قبله )

ش ذكر - رحمه الله - مسألتين الأولى منهما : أن دم التمتع يجب بإحرام الحج ، وبذلك صرح ابن شاس وابن الحاجب ، وقبله ابن عبد السلام والمصنف وابن فرحون وغيرهم ، ونحوه للخمي وسيأتي لفظه في شرح المسألة الثانية ، وخالف في ذلك ابن رشد وابن العربي وصاحب الطراز وابن عرفة قال ابن عرفة : سمع ابن القاسم : إن مات يعني المتمتع قبل رمي جمرة العقبة فلا دم عليه ابن رشد ; لأنه إنما يجب في الوقت الذي يتعين فيه نحره ، وهو بعد رمي جمرة العقبة ، فإن مات قبله لم يجب عليه قال ابن عرفة قلت : ظاهره لومات يوم النحر قبل رميه لم يجب ، وهو خلاف نقل النوادر عن كتاب محمد عن ابن القاسم وعن سماع عيسى من مات يوم النحر ، ولم يرم فقد لزمه الدم ثم قال ابن عرفة : فقول ابن الحاجب : يجب بإحرام الحج يوهم وجوبه على من مات قبل وقوفه ، ولا أعلم في سقوطه خلافا ولعبد الحق عن ابن الكاتب عن بعض أصحابنا من مات بعد وقوفه فعليه الدم انتهى .

وقال صاحب الطراز لما تكلم على تقليد هدي التمتع قبل الإحرام بالحج أو عند الإحرام بالعمرة ، ووجه جواز ذلك بأن الصحابة كانت تتمتع وتسوق الهدي معها للمتعة ما نصه : فإن قيل : ما وجب بعد ؟ قلنا : لا يشترط في تقليد هدي المتعة وجوبه ; لأنه لو اشتراه بعد الفراغ من العمرة وقبل أن يحرم بالحج وقلده ليوقفه في الحج وينحره عن متعته أجزأه ، ولا خلاف أنه لو قلده في إحرامه بالحج أنه يجزئه ، ولم يجب بعد وعند مالك روى عنه ابن القاسم فيمن تمتع ثم مات قال : إن مات قبل رمي جمرة العقبة لا شيء عليه ، وإن مات بعد رميها فقد لزمه هدي التمتع ، وإذا أخر تقليدها عند إحرام الحج ، ولم يجب عليه جاز عند إحرام العمرة ; لأنها إحدى نسكي التمتع فهي من سبب الهدي في الجملة ونحوه لا يكون حتى يجب فيقلده لوجوب سببه وينحره لتمام وجوبه انتهى .

وقال في باب صوم الهدي : يختلف في وقت وجوبه ثم ذكر الخلاف فيمن مات يوم النحر ، ولم يرم ، ثم قال : فراعى ابن القاسم خروج وقت الوقوف بعرفة وراعى مالك خروجه من إحرامه ، وقال الشافعي وأبو حنيفة : يجب إذا أحرم بالحج انتهى .

ونحوه لابن العربي وسيأتي لفظه في المسألة الثانية ، وقال ابن عبد السلام [ ص: 61 ] في شرح قول ابن الحاجب : ودم التمتع يجب بإحرام الحج : يعني أن دم التمتع يتحقق وجوبه بأوائل درجات الجمع بين العمرة والحج ، وذلك يجمل بالإحرام بالحج من غير زيادة ركن آخر ، وذلك ; لأن الإحرام لا يرتفض فقام لذلك الركن الواحد مقام الجمع ، ولا يراعى احتمال الفوات ; إذ الأصل عدمه وذلك : أن المتمتع إذا فاته الحج وعاد فعله إلى عدم العمرة سقط عنه الهدي على ما رواه أصبغ عن ابن القاسم بخلاف ما لو فسد ، والفرق بين الفوات والفساد ظاهر ( فإن قلت : ) إذا كان هدي التمتع إنما ينحر بمنى إن وقف بعرفة أو مكة بعد ذلك على ما سيأتي فما فائدة الوجوب هنا ( قلت : ) يظهر في جواز تقليده وإشعاره بعد الإحرام بالحج وذلك : أنه لو لم يجب الهدي حينئذ مع كونه يتعين بالتقليد لكان تقليده إذ ذاك قبل وجوبه فلا يجزئ إلا إذا قلد بعد كمال الأركان ، وقد اختلف المذهب فيمن مات ، وهو متمتع ثم ذكر ما تقدم عن ابن القاسم وأشهب وسحنون ، والله أعلم .

وإذا علم ذلك فتحصل أن في وقت وجوبه طريقتين : إحداهما لابن رشد وابن العربي وصاحب الطراز وابن عرفة أنه إنما يجب برمي جمرة العقبة أو بخروج وقت الوقوف ، والثانية للخمي ، ومن تبعه : أنه يجب بإحرام الحج ، والطريقة الأولى : أظهر ; لأن ثمرة الوجوب إنما تظهر فيما إذا مات المتمتع ، والحكم فيها ما تقدم ، وسيذكره المصنف فيما سيأتي ، وفي مسألة الفوات ، والمذهب : سقوط الدم ، كما تقدم ، وفي وجوب التقليد والإشعار ، وفيه الخلاف ومراعاة المسألتين الأوليين أولى ; لأن التقليد والإشعار قد أجازه ابن قاسم قبل الإحرام بالحج بل عند الإحرام بالعمرة ، ورواه عن مالك بل فيما روي عنه إذا ساق في عمرته هديا تطوعا ، ولم ينحره فيها ، وأخره إلى يوم النحر ، ونحره عن متعته أنه قال أولا : لا يجزئه ثم رجع ، وقال : رجوت أن يجزئه ، وقد فعله أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وأحب إلي أن ينحره ، ولا يؤخره ونحو هذا ما قال في مسألة القران ، وهي ما إذا ساق الهدي لعمرته ثم أردف لخوف فوات الحج إن ذلك الهدي يجزئه لقرانه وإلى المسألتين أشار المصنف بقوله فيما سيأتي : وإن أردف لخوف فوات أو لحيض أجزأ التطوع لقرانه كأن ساقه فيها ثم حج من عامه وتؤولت أيضا فيما إذا سيق للتمتع ، وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله في محله

والحاصل : أن دم التمتع والقران يجوز تقليدهما قبل وجوبهما على قول ابن القاسم ورواية عن مالك ، وهو الذي مشى عليه المصنف ، فإذا علم ذلك فلم يبق للحكم بوجوب دم التمتع بإحرام الحج فائدة نعم على القول بأنه لا يجزئه ما قلده قبل الإحرام بالحج تظهر ثمرة الوجوب في ذلك ، ويكون المعنى أنه يجب بإحرام الحج وجوبا غير متحتم ; لأنه معرض للسقوط بالموت والفوات ، فإذا رمى جمرة العقبة تحتم الوجوب فلا يسقط بالموت ، كما نقول في كفارة الظهار : إنها تجب بالعود وجوبا غير محتم بمعنى أنها تسقط بموت الزوجة وطلاقها ، فإن وطئ تحتم الوجوب ، ولزمت الكفارة ، ولو ماتت الزوجة أو طلقها

أما المسألة الثانية ، وهي قوله : وأجزأ قبله فالذي يتبادر من كلامه أنه يجزئ نحر هدي التمتع قبل الإحرام بالحج ، وهو الذي يتبادر من كلام الشارح في شروحه الثلاثة حيث فسر كلام المصنف بأنه إذا أخرجه قبل الإحرام بالحج أجزأه غير أنه نقل في الكبير بعد تفسيره المذكور كلام اللخمي في تقديم التقليد والإشعار ، وقال في الوسط بعد أن فسره بما ذكر : وهو قول ابن القاسم خلافا لأشهب وعبد الملك واقتصر في الصغير على التفسير المذكور ، فذكره الخلاف في جواز التقليد والإشعار يدل على أنه إنما أراد بإخراج الهدي جواز تقليده وإشعاره لا سيما كلامه في الوسط ، أما البساطي فلم يفسر كلام المصنف ، نن وإنما ذكر في شرحه الخلاف في جواز التقليد والإشعار ، فيفهم منه أنه إنما حمل كلام المصنف على ذلك ، وكذلك ابن الفرات [ ص: 62 ] بل زاد بعد أن ذكر الخلاف المذكور ، وعلى قول ابن القاسم اقتصر المصنف ، ولم أر من صرح بحمل كلام المصنف على جواز نحر الهدي وذبحه قبل الإحرام بالحج إلا بعض المعاصرين لنا ولمشايخنا ، ولم أر من صرح بذلك من أهل المذهب إلا ما وقع في كلام أبي الحسن الصغير مما لا ينبغي أن يعول عليه ، وسيأتي ذكره إن شاء الله - تعالى قال ابن الحاجب : ويجب دم التمتع بإحرام الحج وخرج اللخمي جواز تقديمه عليه بعد إحرام العمرة على خلاف الكفارة ، وقال ابن عبد السلام : قوله : وخرج اللخمي إلخ يعني أن اللخمي خرج إجزاء الهدي المقلد قبل الإحرام بالحج وبعد الإحرام بالعمرة عن التمتع على الخلاف في جواز تقديم الكفارة قبل الحنث

وظاهر كلام المصنف يعني ابن الحاجب في تعبيره بلفظ الجواز أن التخريج المذكور إنما هو في نحر الهدي حينئذ لتشبيهه بالكفارة ، ولا بأس في ذلك إن أراده ، وظاهر كلامه أيضا أن المسألة مخرجة غير منصوصة ، وليس كذلك بل هي في الكتب التي جرت عادته بالنقل منها مختلف فيها ثم ذكر الخلاف عن اللخمي وصاحب النوادر وابن بشير وابن شاس ، ونحوه لابن فرحون ، أما المصنف في التوضيح فلم يتعرض لبيان المراد من كلام ابن الحاجب ، هل هو التقليد والإشعار أو نحوه ؟ لكن كلامه يدل على تقديم التقليد والإشعار ، ونصه في شرح المسألة بكمالها يعني أن المتمتع لا يجب عليه دم المتعة بإحرامه بالعمرة ، وإنما يجب عليه إذا أحرم بالحج إذ التمتع إنما يتحقق حينئذ قال ابن الجلاب : والاختيار تقديمه في أول الإحرام ، ولم يراعوا احتمال الفوات ; لأن الأصل عدمه اللخمي واختلف إذا قلد وأشعر قبل الإحرام بالحج فقال أشهب وعبد الملك في الموازية : لا يجزئه ، وقال ابن القاسم : يجزئه فلم يجزه في القول الأول ; لأن دم التمتع إنما يجب بإحرام الحج ، فإذا قلد قبل ذلك كان تطوعا ، والتطوع لا يجزئ عن الواجب ، وأجزأ في القول الآخر قياسا على تقديم الكفارة قبل الحنت والزكاة إذا قرب الحول ، والذي تقتضيه السنة التوسعة في جميع ذلك انتهى .

وكذلك ذكر في النوادر هذين القولين ، فقول المصنف : وخرج اللخمي ليس بظاهر انتهى .

كلامه في التوضيح وعلم منه أنه إذا حمل كلام ابن الحاجب على جواز تقديم التقليد والإشعار لا على جواز تقديم نحر الهدي وأول كلام اللخمي ، ولا يقلد دم المتعة إلا بعد الإحرام بالحج ، وكذلك القارن ثم ذكر ما حكاه عنه في التوضيح إلا أن قوله في التوضيح : لأن دم المتعة إنما يجب إذا أحرم بالحج ليس هو كذلك في تبصرة اللخمي ، وإنما لفظه : لأن المتعة إنما تجب إذا أحرم بالحج ، وكذلك نقله ابن عبد السلام وابن فرحون لكن كلامه يدل على أن المراد دم المتعة ، وهذا كلام اللخمي الموعود به في المسألة الأولى ، وإنما يدل على ما قاله ابن شاس وابن الحاجب والمصنف وقول المصنف في التوضيح : قال ابن الجلاب : والاختيار تقديمه في أول الإحرام يوهم أن ذلك في الهدي ، وليس كذلك إنما قاله في الصيام ، ونصه : والاختيار له تقديم الصيام في أول الإحرام إذا علم ذلك فلم يحمل أحد من شراح ابن الحاجب كلامه على تقديم نحر هدي التمتع بل صرح ابن عبد السلام وابن فرحون أنه ليس كذلك إن أراده بل تقدم في كلام ابن عبد السلام في شرح المسألة الأولى أن هدي التمتع إنما ينحر بمنى إن وقف به بعرفة أو بمكة بعد ذلك إلى آخره ، وهو يدل على أنه لا يجزئ نحره قبل ذلك ، والله أعلم .

ونصوص أهل المذهب شاهدة لذلك قال القاضي عبد الوهاب في المعونة ، ولا يجوز نحر هدي التمتع والقران قبل يوم النحر خلافا للشافعي لقوله تعالى { ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله } ، وقد ثبت أن الحلق لا يجوز قبل يوم النحر فدل على أن الهدي لم يبلغ محله إلا يوم النحر ، وله نحو ذلك في شرح الرسالة ، وقال في التلقين : والواجب لكل واحد من التمتع والقران هدي ينحره بمنى ، ولا يجوز تقديمه قبل فجر يوم النحر [ ص: 63 ] وله مثله في مختصر عيون المجالس ، وقال في النوادر في ترجمة نحر الهدي ، وقال مالك : والقارن إذا ساق معه الهدي فدخل به مكة فعطب بها قبل أن يخرجه إلى عرفة فلينحره بمكة إن شاء ، ولا يجزئ عنه ثم قال بعده : قال مالك : وكل هدي دخل مكة فعطب بها فيجزئ إلا هدي التمتع ; لأنه إنما يبتدئ الحج بمكة قال ابن حبيب عن ابن الماجشون : فكأنه عطب قبل محله انتهى .

، ونقل أبو إسحاق التونسي كلام مالك المذكور ، وقال بعده أبو إسحاق : هذا صواب ، وقال سند في باب الهدي إذا ساق الهدي لينحره في عمرته نحره ثم إذا تمتع بالحج أهدى لمتعته سواء قلد هديه بنية التطوع أو بنية أنه للمتعة ، وبه قال أبو حنيفة : إن ما نحره قبل تحلله من حجه لا يجزئه لتمتعه سواء ساق الهدي مع إحرامه بالعمرة أو مع إحرامه بالحج واختلف فيه قول الشافعي فمرة قال : إذا نحره بعده تحلل من العمرة أجزأه عن المتعة ، ومرة قال : لا يجزئه إلا أن ينحره بعد أن يحرم بالحج ، وإن كان قبل الوقوف بعرفات ، ولا يشترط الشافعي تحلله قولا واحدا ، واحتج بأنه دم تعلق بالإحرام ، وينوب عنه الصيام فجاز قبل يوم النحر كفدية الأذى ودليلنا قوله تعالى { فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي } ، فإنما يشرع الهدي لذلك إذا وقع التمتع ، ولا يقع التمتع بالنسكين حتى يحرم بهما جميعا ، فإذا أهدى قبل أن يحج أهدى قبل أن يكون متمتعا فأشبه ما لو أهدى قبل أن يحل من عمرته فلا خلاف أنه لا يجزئه كذلك مسألتنا ولأن كل زمان لا يجوز فيه ذبح أضحية لا يجوز فيه ذبح هدي المتعة كقبل التحلل من العمرة وبخلاف فدية الأذى ; لأنها عندنا ليست بهدي حتى إذا جعلها هديا لا يجزئه قبل يوم النحر ثم الفدية حجتنا ; لأنها لا تجزيء قبل كمال سبب وجوبها ، وكذلك تجب في التمتع لا يجزئ هديه قبل حصوله انتهى .

ثم قال في باب صوم الهدي : لما ذكر الاحتجاج على أن الهدي لا يجب بإحرام الحج ما نصه : ولأن الهدي لو وجب بها لجاز نحره إذ شرط الوجوب التمكن من فعل ما وجب وسلم أبو حنيفة أنه لا يجوز نحر الهدي حتى يحل ، وإذا كان لا يتمكن من نحر الهدي حتى يحل وجب أن لا يجب حتى يحل ثم قال : إذا ثبت ذلك فلا يجوز الهدي عند مالك حتى يحل ، وهو قول أبي حنيفة وجوزه الشافعي من حين يحرم بالحج واختلف قوله : فيما بعد التحلل بعد العمرة قبل الإحرام بالحج ، ودليلنا : أن الهدي متعلق بالتحلل ، وهو المفهوم من قوله تعالى { ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله } إلى آخر الآية ، وقال في باب المواقيت فيمن تجاوز الميقات ثم فاته الحج قال ابن القاسم : يسقط عنه دم تجاوز الميقات قال سند : رأى ابن القاسم أن الدم المتعلق بنقص الإحرام إنما يستقر وجوبه عند انتهاء الإحرام بدليل أنه لو فعله قبل ذلك لم يجزه وبدليل دم المتعة ; لأنه لو مات قبل الوقوف أو قبل الرمي لم يلزمه عند أشهب وابن القاسم ، ولو مات بعد الرمي لزمه ذلك انتهى .

وقال ابن العربي في أحكامه : يجب على المتمتع الهدي إذا رمى جمرة العقبة إن الحج حينئذ يتم ، ويصح منه وصف التمتع ، وقال أبو حنيفة والشافعي يجب عليه الهدي إذا أحرم بالحج وجب عليه بضم الحج إلى العمرة ، وإذا أحرم بالحج فأول الحج كآخره وهذه دعوى لا برهان عليها ، ولو ذبحه قبل يوم النحر لم يجز ، وبه قال أبو حنيفة ، وقال الشافعي ، وهذا كلام ابن العربي الموعود به في أحكامه ، وقال في الإكمال قال مالك وأبو حنيفة : لا يجوز نحره قبل فجر يوم النحر وأجازه الشافعي ونحوه لابن الفرس في أحكامه ، وقال الحفيد : قال مالك : إن ذبح هدي التمتع والتطوع قبل فجر يوم النحر لم يجزه وجوزه أبو حنيفة في التطوع والشافعي فيهما ، ومراده بالتطوع الذي ساقه ليذبحه في حجه ، والله أعلم .

( تنبيه ) : قال الشيخ أبو الحسن الصغير في شرح قوله في المدونة : ومن اعتمر في أشهر الحج فساق معه هديا فطاف بالعمرة وسعى [ ص: 64 ] فلينحره إذا أتم سعيه قاله أبو محمد صالح يريد ويجزيه عن تمتعه إذا حج من عامه ثم قال في المدونة : فإن كان لما حل من عمرته أخر هديه إلى يوم النحر فنحره لم يجزه عن تمتعه قال أبو محمد صالح : قال الفقيه : قف على هذا ، فإنه مشكل ; لأنه إذا كان لا يجزيه الأدنى إذا أخره مع أن الهدي وجب عليه فكيف يجزيه مع التقديم مع أنه لم يجب عليه بعد ؟ قال : فيحتمل أن يكون هذا جاريا على أحد القولين في الهدي إذا أخره عن محله الذي أمر أن ينحر فيه ، هل يجزئه أم لا انتهى .

( قلت : ) وقوله : إنه مشكل لا شك في ذلك ، ولكنه إنما جاء الإشكال من حيث قال : يريد ويجزئه إذ لم يقل ذلك أحد من أهل المذهب ، ولا غيرهم ، كما علمت ذلك من نصوص العلماء ; لأن الشافعي ، وإن قال بجواز ذبحه بعد التحلل من العمرة ، فإنما ذلك إذا قصد به التمتع فلا يلتفت إلى هذا ، ولا يعول عليه ، ولا يحل لأحد أن يعتمده ، وهذه المسألة يغلط فيها كثير من الناس يتمسكون بظاهر كلام المصنف ، وذلك حرام لا يحل خصوصا مع الوقوف على نصوص العلماء المخالفة لذلك فتأمله منصفا ، وإذا علم ذلك فيتعين حمل كلام المصنف على أن المراد وأجزاه تقليده وإشعاره قبل الإحرام بالحج ، كما تقدم بيان ذلك في المسألة الأولى ، وكما سيأتي في قول المصنف كأن ساقه فيها ثم حج من عامه ، وهي مسألة المدونة التي ذكرها أبو الحسن وزاد بعد قوله : لم يجزه عن تمتعه ما نصه ; لأنه قد لزمه أن ينحره أولا ، ثم قال مالك : إن أخر هذا المتمتع هديه إلى يوم النحر فنحره عن متعته رجوت أن يجزئه ، وقد فعله أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وأحب إلي أن ينحره ، ولا يؤخره ، والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث