الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

ص ( وجمع وقصر إلا لأهلها كمنى وعرفة ) ش ظاهره : أن أهل مزدلفة لا يجمعون ، ولا يقصرون ، وأنهم يصلون المغرب في وقتها والعشاء في وقتها ، وكذا أهل عرفة لا يجمعون بين الظهر والعصر ، ولا يقصرون ، وهو ظاهر بالنسبة إلى القصر ، وأما الجمع ، فإنهم يجمعون قال الشيخ بهرام في الوسط عند قول المصنف إلا أهلها أي : أهل مزدلفة ، فإنهم لا يقصرون شيئا ، وهذا حكم من في منى وعرفة من الجمع والقصر وعدمه وحاصله : أن أهل كل موضع يتمون به ويقصرون فيما عداه هنا انتهى .

، وقال في التوضيح : ضابطه : أن أهل كل مكان يتمون به ويقصرون فيما عداه فيتم أهل عرفة بها ويقصرون بمنى ومزدلفة ويتم أهل مزدلفة بها ويقصرون بعرفة ومنى ويتم أهل منى بها ويقصرون في عرفات ومزدلفة انتهى .

وقال سند في آخر كتاب الصلاة الثاني : وقال بعده : وهذا مجمع عليه يريد عند أهل المذهب ، ونحو ذلك في الجلاب ، وفي الإكمال : ولا خلاف أن الحاج من غير أهل مكة يقصرون بمنى وعرفة ، وكذلك عند مالك حكم الحاج من أهل مكة يقصرون بعرفة ومنى لتقصيرهم مع النبي صلى الله عليه وسلم ، وكذلك أهل عرفة ومنى بمكة لخطبة عمر أهل مكة بالتمام دونهم وذهب أبو حنيفة والشافعي وجماعة من العلماء إلى أن أهل مكة بمنى وعرفة وأهل عرفة ومنى بمكة يتمون كغير الحاج منهم ; إذ ليس في المسافة مدة قصر الصلاة ، وحجتنا ما تقدم من السنة والإتباع ، ولأن في تكرار مشاعر الحج ومناسكه مقدار المسافة التي فيها قصر الصلاة عند الجميع انتهى .

وقال القرطبي في شرح مسلم في كتاب الصلاة في باب قصر الصلاة بمنى : وعند مالك أن حكم الحاج من أهل مكة أنهم يقصرون بمنى وبعرفات ، وكذلك أهل عرفة بمنى ومكة يقصرون ، وخالفه في ذلك أبو حنيفة والشافعي ثم قال : فأما أهل تلك المواضع فلا خلاف أحسبه في أن كل واحد منهم يتم بموضعه ، وإن شرع في عمل الحج ; لأنهم في أهليهم انتهى .

وقال في المدونة : ويتم أهل منى بمنى وأهل عرفة بعرفة وكل من لم يكن من أهلها فليقصر الصلاة بها قال ابن هارون : يريد ، وإن كان من أهل مكة ، وهذا إذا لم يكن الإمام من أهل عرفة ، ولا منى ، فإن كان منها ، وأتم ، وأتم الناس معه ، وكره مالك أن يكون بغيرها من أهلها ; لأنه يغير سنة القصر ، وفي الإكمال مذهب مالك والأوزاعي أن الحاج يقصر الصلاة مطلقا إلا أهل مكة بمكة وأهل منى بمنى وأهل عرفة بعرفة إلا الإمام ، فإنه يقصر ، وإن كان من سكان هذه المواضع ثم قال : وفيما حكاه عن مذهب مالك نظر انتهى .

ووجه النظر واضح ; لأنه نص في المدونة على خلافه قال : ولا أحب للإمام أن يكون من أهل عرفة ، فإن كان منها أتم الصلاة بها قال ابن هارون : يريد ويتم الناس انتهى .

وما نقله عن الإكمال هو في كتاب الحج منه ، ونصه : ذهب مالك إلى أن الحاج المكي يقصر ، ولا يقصر العرفي بعرفة ، ولا المنوي بمنى إلا أن يكون إماما ، فإنه يقصر ، وذهب بعض السلف إلى أن [ ص: 121 ] الجميع يتمون ; إذ ليسوا على مسافة القصر انتهى .

وانظر قوله : وذهب بعض السلف إلى أن الجميع يقصرون مع قول القرطبي المتقدم ، ولا خلاف أحسبه في أن كل واحد منهم يتم بموضعه ، وإن شرع في عمل الحج ; لأنهم في أهليهم ، والله أعلم .

، ونقل ابن عرفة عن الباجي أن العرفي لا يقصر بعد رجوعه من عرفة ونص كلام ابن عرفة في كتاب الصلاة : ويقصر كل حاج حتى المكي إلا المنوي والعرفي بمحلهما الباجي ; لأن عمل الحج إنما يتم في أكثر من يوم وليلة مع لزوم الانتقال من محل لآخر ، ولأن الخروج من مكة لعرفة والرجوع لها واجب لازم فلفق ولذا لا يقصر عرفي بعد وقوفه وتوجهه لمكة ومنى ; لأن رجوعه لعرفة لوطنه فلا يضم انتهى .

والذي في كلام الباجي أنه علل قصر الحاج بثلاثة أوجه : أحدها : أن عمل الحاج لا ينقضي إلا في أكثر من يوم وليلة والثاني : أن من مكة إلى عرفة ، ومن عرفة إلى مكة قدر ما تقصر فيه الصلاة ، ويلزم الذهاب والإياب بالشروع والثالث : أن الحاج من مكة لا يصح منه نية إلا بأن ينوي الرجوع إلى مكة للطواف فصار سفره لا يصح إلا بأن يجمع على مسير ما تقصر فيه الصلاة ، وعلى هذين التوجيهين لا يقصر العرفي ; لأنه لا ينوي مسافة قصر انتهى من كتاب الصلاة أكثره بالمعنى .

فعلم من كلامه أنه لم يجزم به وإنما ذكر أنه لا يتأتى على التوجيهين المذكورين ، والتوجيهان غير مسلمين ، فإنهما مبنيان على أن من مكة إلى عرفة أربعة وعشرين ميلا ، ولم يقله أحد ، والحس يخالفه وأيضا ، فإن المشهور أن القصر في ذلك إنما هو بالسنة وأيضا ، فإنما يتم ما ذكره إلا إذا كان العرفي مقيما بعرفة ، ولم يتوجه إلى مكة ليخرج مع الناس ، كما هو الأولى ، وقد نقل الباجي بعد ذلك عن سماع عيسى خلاف ذلك ، فإنه وقع في رسم القطعان من سماع عيسى من كتاب الصلاة ما نصه : وسئل ابن القاسم عن أهل منى ، هل يقصرون إذا أرادوا الإفاضة وأهل عرفة ؟ فقال : أما أهل عرفة فيقصرون ، ولا يقصر أهل منى قال ابن القاسم : وكل من كان بمنى يقصر ، فإذا أفاض قصر ، وكل من كان بمنى يتم ، فإذا أفاض أتم قال ابن رشد : قوله في المنوي صحيح لقرب ما بين مكة ومنى وقوله في العرفي صحيح أيضا على قياس قوله : إنهم يقصرون بمنى ; لأنهم إذا كانوا يقصرون بمنى فهم على ذلك حتى يرجعوا إلى وطنهم بعرفة ، وفي قوله : إنهم يقصرون بمنى نظر ; لأنه إنما قال : إنهم يقصرون بمنى قياسا على المكي ، وذلك إنما فيه الاتباع للرسول لتقصيره فيهما ، ولا يتعدى بالسنة موضعها إذا لم تكن موافقة للأصول ، ولا سيما ، وقد قيل : إنه عليه السلام لم يكن مقيما بمكة ، وإليه ذهب أهل العراق فلم يجيزوا للمكي التقصير ، وقول ابن القاسم : وكل من كان بمنى يقصر ، فإذا أفاض قصر مثل قوله أولا أما أهل عرفة فيقصرون ; لأن أهل عرفة عنده يقصرون بمنى على ما تقدم ، ووقع في بعض الروايات : وكل من كان بعرفة يقصر ، فإذا أفاض قصر ، وهو غلط ; لأن قوله يتناقض بذلك من أجل أن أهل منى يقصرون بعرفة ، وهو قد قال : إنهم يتمون إذا أفاضوا انتهى .

فنقل الباجي أول المسألة إلى قوله : ولا يقصر أهل منى ، وقال في توجيههما ما نصه : ووجه ذلك أن المنوي بعد الإفاضة يرجع إلى وطنه ، ويرجع إلى وطنه في مسافة إتمام ، والعرفي يفيض من مكة إلى غير وطنه لإتمام حجه ، فإذا رجع من منى بعد انقضاء حجه لم يقصر إلى عرفة لما ذكرناه انتهى .

وقد نقل ابن عرفة هذا السماع وبعض كلام ابن رشد عليه ، وكلام الباجي أيضا ، ولم يبحث فيه ، والله أعلم .

ولا يدخل في قول ابن القاسم وكل من كان بمنى يقصر ، فإنه يقصر إذا أفاض المكي ، والمقيم بمكة إذا وصلا إليها ; لأن ذلك معلوم لرجوعهما إلى وطنهما ، ومعلوم أن الشخص لا يقصر في وطنه ، ووقع في رسم شك من سماع ابن القاسم من كتاب الصلاة ما نصه : وسئل مالك عن الرجل ينصرف من منى إلى مكة ، وهو من أهل مكة فتدركه الصلاة قبل أن يصل إلى مكة أترى أن [ ص: 122 ] يتم الصلاة ؟ قال نعم وأهل المحصب يتمون وراءهم مثلهم وأرى أن يحصب الناس بالمحصب حتى يصلوا العشاء .

وقد حصب النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال لي بعد ذلك : أرى أن يصلوا ركعتين حين ينزلون بالمحصب إذا أدركهم الوقت فيما بين مكة ومنى ، وإن تأخروا بمنى فليصلوا ركعتين ، وقال ابن القاسم : وقوله : الأول : أعجب إلي أن يتموا حتى يأتوا المحصب قال ابن رشد : أما من قدم مكة ، ولم ينو المقام بها أربعا حتى خرج إلى الحج فلا اختلاف في أنه يقصر بمنى .

وفي جميع مواطن الحج ; لأنه مسافر بعد على حاله ، وإنما اختلف أهل العلم فيمن نوى الإقامة بمكة أو كان من أهلها فخرج إلى الحج فقيل : إنه يتم ; لأنه ليس في سفر تقصر في مثله الصلاة ، وهو مذهب أهل العراق ، وقيل : إنه يقصر ; لأنها منازل السفر ، وإن لم تكن سفرا تقصر فيه الصلاة ، وإلى هذا ذهب مالك ، ودليله : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم مكة صبيحة رابعة من ذي الحجة فأقام بمكة إلى يوم التروية ، وذلك أربع ليال ثم خرج فقصر بمنى فلم يختلف قول مالك في أنه يقصر بمنى وعرفة ، وفي جميع مواطن الحج إلا في رجوعه من منى إلى مكة بعد انقضاء حجه إذا نوى الإقامة بمكة أو كان من أهلها على ما تقدم .

فكان أولا يقول : إنه يتم مراعاة لقول من يرى أنه يتم ثم رجع فقال : يقصر حتى يأتي مكة بناء على أصله في أنه من أهل القصر دون مراعاة لقول غيره ، وكذلك اختلف في ذلك اختيار ابن القاسم وستأتي هذه المسألة في رسم الشريكين ، وفي رسم المحرم في بعض الروايات انتهى .

ونص ما في رسم الشريكين : وسئل مالك عن أهل منى إذا انصرفوا فأدركهم الوقت ، ولم يبلغوا الأبطح ، ولا مكة فيما بين منى ومكة ، وهم يريدون أن تكون لهم إقامة وعن أهل مكة إذا أدركهم - في ذلك - الوقت قال مالك : من انصرف من أهل مكة من منى إلى مكة فأدركه الوقت وخاف ذهاب الوقت قبل أن يبلغ فأنا أرى أن يصلي أربعا ; لأن صلاة منى قد انقطعت ، ولا يكون في ميلين أو ثلاثة ما تقصر فيه الصلاة قال مالك : ومن أقام منهم بمنى ليخف الناس ويذهب زحامهم قال : أرى أن يتم الصلاة ، وإن كان بمكة .

وأرى أهل الآفاق من كان منهم يريد الإقامة بمكة أكثر من أربعة أيام ، فإنه يقتدي بأهل مكة في ذلك ، ومن أقام لزحام ، ومن خاف فوات الوقت فيما بين مكة ومنى أن يصلي أربعا قال ابن القاسم : ثم قال لي مالك : ركعتين في ذلك كله قال ابن القاسم وقوله الأول : أعجب إلي قال أصبغ : رجع ابن القاسم ، وقال قوله : الآخر أعجب إلي قال أصبغ ، وبه أقول : إنه يقصر حتى يأتي مكة ، وقال سحنون مثله انتهى .

ولم يتكلم عليها ابن رشد بشيء بل قال : تقدم القول على هذه المسألة في رسم شك يشير إلى كلامه المتقدم ، ونقل ابن عرفة هذه المسألة مختصرة فقال : وسمع ابن القاسم رجوع مالك عن إتمام المكي وناوي الإقامة بمكة والمحصبي في رجوعهم إلى مكة ومقامهم بمنى ليخف الناس إلى قصرهم حتى يصلوا المحصب ابن القاسم والأول أعجب إلى العتبي عن أصبغ رجع فقال الآخر أعجب إلي .

وقاله أصبغ وسحنون ، ونقله الباجي في المكي والمنوي فقط ، ولم يذكر المحصبي وصرح بتقصيرهما بالمحصب قال : والقولان بناء على أن التحصيب مشروع أولا قال : ويلزم قصر المنوي في رجوعه من مكة لمنى ; لأنه بقي عليه عمل من الحج ثم ذكر عن المازري بحثا مع الباجي في تعليل القولين ورده ثم رد على الباجي قوله يلزم عليه قصر المنوي في رجوعه من مكة لمنى ; لأنه بقي عليه شيء من عمل الحج ، فإن العمل المذكور هو في وطنه ، والتحصيب خارج عن وطنه ثم اعترض عليه في قوله : يقصران بالمحصب ، فإنه جمع في الرواية معهما المحصبي ، وذلك : يمنع دخول ما بعد حتى فيما قبلها انتهى .

يعني في قوله : في الرواية حتى يصلوا إلى المحصب ، ولم أقف في كلام الباجي على ما ذكره أعني قوله : ويقصران بالمحصب ، وما نقله عن السماع ، وأن فيه حتى يصلوا المحصب لعله في نسخته ، والذي رأيته حين ينزلون ، وهو الذي يفهم من [ ص: 123 ] النوادر بل صريحها ونصه في كتاب الصلاة : الرابع : في ترجمة صلاة المكي والمنوي في مسيرهم إلى عرفة ، ومن كتاب العتبي قال ابن القاسم : قال مالك : من انصرف من المكيين ، وأهل منى من منى فأدركته الصلاة قبل أن يصل إلى مكة فليتم ، وكذلك من نزل بالمحصب وليقيموا حتى يصلوا العشاء ثم رجع فقال : أرى أن يصلوا ركعتين في نزولهم بالمحصب أو إن تأخروا بمنى يريد من المكيين لزحام ونحوه واختلف في ذلك قول ابن القاسم وإلى آخر قوليه رجع ، وبه قال سحنون وأصبغ ، وكذلك في كتاب ابن المواز فيمن تخلف بمنى يريد من المكيين لزحام أو غيره تحضره الصلاة بها أو في طريقه فقال مالك : يتم ثم قال : يقصر ، ثم قال : يتم وبالإقصار أخذ ابن القاسم بعد أن اختلف فيه قوله : وقاله أصبغ ، ومن كتاب العتبي قال مالك في المكي يقيم بمنى ليخف الناس فليتم بمنى ، وكذلك من نوى الإقامة من أهل الآفاق بمكة أربعة أيام ، وكذلك من خاف منهم فوات الوقت فيما بين مكة ومنى صلى أربعا قال أبو محمد : أراه يريد فيمن تقدم له مقام أربعة أيام بمكة بنية انتهى .

، وقال في آخر ترجمة من كتاب الحج الأول ، ومن كتاب ابن المواز والعتبية ، وهو في كتاب الصلاة أيضا ، قال أشهب عن مالك : ومن أقام بمنى آخر أيام الرمي بعد أن رمى لزحام أو لبرد أو لغير ذلك قال في العتبية : فحانت صلاة الظهر بمنى فليقصر ، وكذلك لو رجع إليها بعد الرمي فأقام حتى صلى الظهر فليقصر كان مكيا أو غيره ممن يريد الإقامة بمكة أو لم يرده ، وقد قال قبل ذلك إنه يتم ، واختلف فيه قول ابن القاسم ، وقال أصبغ : يقصر وإليه رجع ابن القاسم قال مالك : وأهل منى يتمون بمنى ويقصرون بعرفة وأهل عرفة يتمون بها ويقصرون بمنى ، وليس الحاج كغيره ، وهو في الحج سفر يقصر فيه انتهى .

وذكر سند الخلاف كذلك ، ونصه في آخر كتاب الصلاة الثاني ( فرع ) : فيمن قضى نسكه من أهل مكة ثم انصرف إلى مكة فأدركته الصلاة قبل أن يصل مكة أو نزل المحصب فأقام به حتى يصلي العشاء ويدخل مكة أو كان من أهل منى ففعل ذلك اختلف فيه قول مالك - رحمه الله - روى عنه ابن القاسم في العتبية أنه يتم ثم رجع فقال : أرى أن يصلوا ركعتين في نزولهم بالمحصب ، وإن تأخروا بمنى لزحام ونحوه يريد المكيين واختلف في ذلك قول ابن القاسم أيضا وإلى آخر قوله : رجع ، وبه قال أصبغ وسحنون انتهى .

، وذكر ابن الحاج في مناسكه نحو كلام النوادر ، وأما من ورد على مكة ، ولم ينو المقام بها أربعا حتى خرج إلى الحج ، فإنه يقصر بمنى ، وفي جميع مواطن الحج ، وكذلك في انصرافه إلى مكة إذ لم ينو المقام بمكة أربعا ، فإنه يقصر أيضا ، ولا خلاف في ذلك انتهى .

( تنبيه ) : قول سند : أو كان من أهل منى ففعل ذلك ، وقول غيره : من انصراف من المكيين وأهل منى من منى مرادهم بأهل منى الحاج من غير أهل مكة ، وهو ظاهر ، والله أعلم .

وفهم من كلام سند أن أهل مكة يحصبون ، وهو المفهوم من إطلاقاتهم ، والله أعلم .

( فرع ) : قال في النوادر ، وفي كتاب الحج في ترجمة قصر الحاج بمنى قيل له يعني مالكا : فمن خرج من مكة ممن قد أتم بها الصلاة إلى منى أيقصر حين يخرج ؟ قال : نعم ، ثم قال للسائل : بل يقصر بمنى ، ولا أدري ما يصنع إذا خرج انتهى .

وقال سند في آخر كتاب الصلاة الثاني ، وفي المجموعة من رواية ابن نافع أن مالكا قال فيمن أقام بمكة ثم خرج إلى منى فقال : يقصر بمنى قيل : ففي طريقه قبل أن يصل إلى منى ؟ قال : لا أدري قال سند : وهذا من قبيل الأول ; لأن النزول بمنى أول المناسك ، فإن لم ينزل بها لم يحصل له حكم النسك إلا أنه قد ضرب في الأرض والأحسن أن يقصر ; لأنه قد أعطى سفره حكم القصر فهو باق عليه حتى يحضر انتهى .

وحاصل ما تقدم أن جميع من يخرج إلى الحج يقصر الصلاة في خروجه من مكة قبل وصوله إلى منى على الأحسن ، كما قاله سند وبعد وصوله إليها بلا خلاف في المذهب وكذا في ذهابه إلى عرفة ، وفي عرفة ، وفي رجوعه للمزدلفة ، وفي المزدلفة ، وفي رجوعه [ ص: 124 ] إلى منى ، وفي مدة إقامته بمنى إلا أهل كل مكان في محلهم فلا يقصرون فيه ، ومن توجه من الحاج إلى طواف الإفاضة فهل يقصر في حال إفاضته ؟ تقدم عن سماع عيسى أنه يقصر غير المنوي ، وأنه لا بد من استثناء المكي والمقيم بمكة أيضا بعد وصوله إلى مكة ، وإنما سكت عنه لوضوحه ، وإذا رموا في اليوم الرابع ثم توجهوا إلى المحصب فنزلوا فيه أو أقاموا بمنى ليخف الناس أو أدركتهم الصلاة في الطريق ففي قصرهم وإتمامهم قولان رجع مالك إلى القصر وإليه رجع اختيار ابن القاسم ، وهذا كله في حق من لم يثبت له حكم السفر أما من قدم قبل الخروج إلى الحج بأقل من أربعة أيام ، وعزمه أن لا يقيم بعده فهذا حكمه حكم المسافر في كل موضع حل به ، فإن أقام قبل الحج أربعا أو كان من أهل مكة وعزم على الحج والسفر بعده من غير إقامة أربعة أيام ، فإن لم يرد إقامة بمكة أصلا فله حكم السفر كالأول ، وإن نوى إقامة يوم أو يومين فقد تقدم أن له حكم المقيم ، وإن قدم قبل الحج لأقل من أربع ليال ، ولكن نيته أن يقيم بعد الحج أربعا فالذي اختاره اللخمي أن له حكم السفر حتى يرجع للإقامة إلى مكة ، والله أعلم .

ونص كلامه في تبصرته : قال محمد بن مسلمة فيمن قدم مكة يريد المقام بها ، وهو يريد الحج ، وليس بينه وبين الخروج إلى منى إلا أقل من أربعة أيام إنه يقصر حينئذ حتى يرجع إلى مكة بعد حجه ; لأنه قدم مجتازا يريد المقام بعد الرجعة ، وقال مالك في مختصر ما ليس في المختصر يتم الصلاة بمكة قبل الخروج ، والقول الأول أبين ، ولا تضم إقامته الأولى إلى ما بعدها ، كما لا يضم السفر الأول إلى ما بعده إذا كان بينهما إقامة أربعة أيام انتهى .

ونقله ابن عرفة وابن ناجي وسند وغيرهم ، ونص كلام سند في كتاب الصلاة الثاني في باب القصر فرع روى ابن نافع عن مالك في حاج أقام بمكة - حرسها الله - يتم ثم خرج إلى منى وعرفة فقصر ثم عاد إليها يريد بها إقامة يوم أو يومين ثم يسير إلى بلده ، فإنه يتم بها قال : ولو كان لما وصل لم يرد أن يقيم بها فليقصر الصلاة إن مر بها ففرق بين أن يخرج منها على نية العود إليها ثم يسافر فيكون سفره الثاني غير سفره الأول أو يكون عوده إليها قاطعا بين السفرين أو يخرج عنها على نية السفر بالكلية لا تبقى له حاجة فيكون سفرا واحدا في سيره عليها ، وليس له بها مسكن ، ولا أهل انتهى .

وانظر ، هل تتخرج هذه المسألة على مسألة من أقام بمكة بضعة عشر يوما ثم خرج ليعتمر من الجحفة ويقيم يومين ؟ فقد اختلف فيها قول مالك فقال : إنه يتم في اليومين ، ثم رجع إلى أنه يقصر ، وهو المشهور في الظاهر أنه لا يتخرج ; لأنه قد حصل هناك سفر طويل يقطع حكم الإقامة ، وهنا لم يحصل سفر طويل ، وإنما حصل القصر بالسنة ، وقد قال ابن يونس في تلك المسألة : ولو خرج ليعتمر من الجعرانة أو التنعيم أو نحو ذلك مما لا تقصر فيه الصلاة ، فإنه يتم بلا خلاف ، والله أعلم .

( تنبيهات الأول : ) من تعجل وأدركته الصلاة في الطريق ، هل يتم أم لا ؟ لم أر من نص عليه ، وانظر ، هل يتخرج فيه القولان اللذان في غير المتعجل أو لا ؟ أما على توجيه ابن رشد لهما فيتخرجان ، وهو ظاهر كلام التلمساني في شرح الجلاب ، وأما على توجيه الباجي لهما فلا يتخرجان ، والإتمام أحوط ( الثاني : ) محل الخلاف في النازل في المحصب في الصلوات التي شرع له إيقاعها في المحصب ، وهي الظهر والعصر والعشاء ، ولا إشكال في ذلك وانظر : هل يدخل الخلاف في الثالث أيضا في حق المقيم بمنى ، فإنه صرح في النوادر بالظهر ، وظاهر كلامهم الشمول ، والله أعلم .

( الثالث : ) من أدركته الصلاة من الحجاج ، وهو في غير مواضع النسك كالرعاة إذا رموا الجمرة ، وتوجهوا للرعي فالظاهر من كلامهم : أن حكمهم حكم الحجاج ، والله أعلم .

( الرابع : ) قال في النوادر في كتاب الحج ، ومن كتاب ابن المواز : قال مالك : وإذا رمى في اليوم الثالث فلا يقيم بعد رميه ولينفر ويصلي في طريقه [ ص: 125 ] وإذا كان له ثقل وعيال فله أن يؤخر ما لم تصفر الشمس ، ولا يصلي ذلك اليوم بمسجد منى غير صلاة الصبح وذكر مثله ابن القاسم في العتبية عن مالك قال ، ولا يرمي ويرجع إلى ثقله فيقيم فيه حتى يتحمل ، ومن كتاب ابن المواز قال أصبغ : والسنة للإمام أن يرمي الجمرة الآخرة عند الزوال ، ويتوجه قاصدا ، وقد أعد رواحله قبل ذلك أو يأمر من يلي ذلك له ، ولا يرجع إليه انتهى .

وقوله : وإذا رمى في اليوم الثالث يعني به ثالث أيام منى ، وهو اليوم الرابع ، والله أعلم .

ص ( وإلا فكل لوقته ) ش أي : وإن لم ينفر مع الإمام صلى كل صلاة في وقتها وبهذا صدر ابن الحاجب ثم قال : وقيل : ما لم يرم قبل الثلث أو النصف على القولين ، وعزا في التوضيح الأول لابن المواز والثاني : لابن القاسم ، ثم قال : وانظر كيف صدر بقول ابن المواز ( قلت : ) عزاه ابن عرفة للمدونة ونصه : وفيها من وقف بعد الإمام لم يجمع ابن القاسم إن رجا وصولها قبل ثلث الليل أخر الجمع إليها ابن بشير وإلى نصف الليل على أنه المختار انتهى .

وقال في الطراز : تأخير المغرب رخصة في حكم السنة لمن وقف بعرفة مع الناس قال أشهب عن مالك فيمن كان بمكة عشية عرفة فغربت عليه الشمس ، فإنه يصلي الصلاة لوقتها ، ولا يؤخر حتى يقف بعرفة ويرجع للمزدلفة ; لأن الرخصة إنما جاءت فيمن وقف ، وقد يحول هذا دون عرفة أو يعوقه عائق فيفوته الحج ، ولا يكون من أهل الرخصة ، وهو بمثابة من خرج إلى عرفة زوال الشمس ، وأراد أن يصلي بمكة ويخرج فلا يجمع بين الظهر والعصر كذلك هنا .

ص ( وإن قدمتا عليه أعادهما ) ش أي : وإن قدمتا على محل الجمع أعادهما ، ومحله المزدلفة إذا وصل إليها بعد مغيب الشفق ، فإن صلى المغرب قبل المزدلفة أو جمع الصلاتين بعد مغيب الشفق وقبل المزدلفة فاختلف فيه قال في التوضيح : واتفق على إعادة العشاء إذا صلاها قبل الشفق لكونه صلاها قبل وقتها واختلف في إعادة المغرب فقال ابن القاسم يعيدها في الوقت ، وقال ابن حبيب أبدا انتهى .

وظاهره أن العشاء إذا صليت قبل مغيب الشفق تعاد أبدا ، وهو كذلك إلا على ما روي عن أشهب ، والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث