الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فرع طرح من الجامد بحسب ما سرت فيه النجاسة

جزء التالي صفحة
السابق

ص ( ولا يطهر زيت خولط ولحم طبخ وزيتون ملح وبيض صلق بنجس وفخار بغواص )

ش : لما ذكر أن الطعام يتنجس بملاقاة النجاسة فأخذ يبين ما لا يقبل التطهير من الأشياء التي أصابتها النجاسة وقوله بنجس متعلق بصلق ويقدر ضمير فيما قبله ، وتنازع أكثر من ثلاثة عوامل نفاه أبو حيان وابن هشام وذكر الدماميني في شرح التسهيل إثباته عن بعضهم والمصنف يستعمله وقوله زيت لا يريد خصوصية الزيت بل .

وكذا حكم غيره من الأدهان كما قاله ابن الحاجب وعلم أن غير الأدهان من المائعات كاللبن [ ص: 114 ] والمرق أولى بعدم قبول التطهير ; لأن الخلاف إنما هو في الأدهان هل يمكن تطهيرها أم لا ; لأن الأدهان يخالطها الماء ثم ينفصل عنها بخلاف غيرها فإنه يمازجها جميعها وحكى ابن عرفة في تطهير الزيت المخلوط بالنجس أربعة أقوال وقال ابن غازي : أما زيت خلط بنجس ففي تطهيره بطبخه بماء مرتين أو ثلاثا . ثالثها إن كثر .

ورابعها إن تنجس بما ماتت فيه دابة لا بموتها في الزيت ، فالأول لسماع أصبغ من ابن القاسم عن مالك وفتيا ابن اللباد ، والثاني للباجي عن ابن القاسم ، والثالث لأصبغ ، والرابع لابن الماجشون ويحيى بن عمر ، وذكر البرزلي عن اللخمي أنه أفتى بأن النجاسة إن كانت دهنية فلا تقبل التطهير لكن إن كان زمن مسغبة جاز أكله للفقراء والمساكين ، وإن لم يكن مسغبة انتفع به في غير الأكل والبيع ، وإن كانت كالبول ونحوه فإنه لا يقبل التطهير ، وهذا لا ينبغي أن يعد قولا رابعا ، وإنما هو بيان لمحل الخلاف ، فإن النجاسة إذا كانت دهنية فإنه لا يقبل التطهير لممازجتها ، والله أعلم .

وأما قوله يأكله الفقراء والمساكين فلعله مراعاة لمن يقول : إن الطعام لا ينجس بما خالطه إلا إذا غيره وهو قول ضعيف حكاه البرزلي وذكر ابن بشير أن المشهور أن الزيت لا يطهر وبذلك أفتى الصائغ والمازري وذكر ابن عرفة في كيفية التطهير أنه يطبخ بالماء مرتين أو ثلاثا ، وكذلك قال في العتبية وقال في التوضيح : كيفيته على القول به أن يؤخذ إناء فيوضع فيه شيء من الزيت ويوضع عليه ماء أكثر منه وينقب الإناء من أسفله ويسده بيده أو غيرها ثم يمخض الإناء ثم يفتح الإناء فينزل الماء ويبقى الزيت ، يفعل ذلك مرة بعد مرة حتى ينزل الماء صافيا انتهى . وذكر ابن فرحون الصفتين .

وقوله : " ولحم طبخ بنجس " شامل لما نجس ، أو وقعت فيه نجاسة في حال طبخه ، وكذلك غير اللحم من المطبوخات ، وقد حكى ابن عرفة في تطهير اللحم يطبخ بماء نجس ، أو تقع فيه نجاسة ثلاثة أقوال ثالثها إن وقعت بعد طيبه ، الأول لسماع موسى من ابن القاسم ، والثاني لسماع أشهب ، والثالث نقله ابن رشد عن أبي حنيفة واختاره وتبعه ابن زرقون وهو قصور ; لأن عبد الحق والصقلي نقلاه عن السليمانية انتهى .

( قلت ) كلام ابن رشد الذي أشار إليه هو في سماع موسى من كتاب الوضوء وهو الذي يفهم من كلام المصنف فيتعين حمله عليه ، وقول ابن غازي يأبى ذلك اعتماده في التوضيح تشهير ابن بشير عدم الطهورية في هذا الأصل ليس بظاهر ; لأن ابن بشير إنما تكلم في اللحم إذا طبخ بماء نجس وذكر فيه قولين ولم يتكلم على مسألة وقوع النجاسة بعد طيبه بل كلامه يدل على أنه يقبل الطهارة ; لأنه قال إنه خلاف في شهادة وإنه يرجع إلى الحس ، وقد قال ابن بشير في السماع المذكور : اللحم إذا وقعت فيه النجاسة بعد طبخه بمنزلة الجامد من السمن فيؤكل بعد أن يغسل ما تعلق به من المرق والله أعلم .

وقوله : " وزيتون ملح بنجس " بتخفيف اللام وتشديدها أي جعل فيه ملح نجس إما وحده وإما ملح مع ماء نجس ومثله في الجبن والليمون ونحو ذلك قال ابن بشير لما ذكر مسألة الزيت النجس وأن المشهور عدم التطهير ، ومنه الزيتون يملح بماء نجس هل يطهر بعرضه على ماء طاهر قال ابن غازي ، وأما زيتون ملح بماء نجس فخرجه اللخمي على الروايتين في اللحم ورأى إسماعيل طرحه لسقوط فأرة فيه وقال سحنون إن تنجس زيتون قبل طيبه طرح وبعده غسل وأكل انتهى .

وذكر ابن الفرات عن ابن أبي جمرة في صفة تطهير الملح والمطبوخ إذا أصابته النجاسة بعد نضجه وطبخه أنه يغسل أولا بماء حار ثم ثانية بماء بارد ثم ثالثة بحار ثم رابعة ببارد ولم أر هذه الصفة لغيره ، والله أعلم .

وقوله : " وبيض صلق بنجس " يشير به إلى ما وقع في سماع يحيى من كتاب الضحايا في البيض يسلق فيوجد في إحداهن فرخ إن [ ص: 115 ] أكلهن كلهن لا يصلح ; لأن بعضه يسقي بعضا قال ابن رشد هو صحيح وعزا ابن رشد في كتاب الطهارة هذه المسألة لسماع يحيى من كتاب الصيد وليست فيه ، والمسألة من باب اللحم المطبوخ بالنجس وإنما أفردها بالذكر ; لأن الخلاف فيها من جهة قشر البيض هل يمنع من وصول النجاسة أم لا قال ابن رشد بعد كلامه المتقدم ويلاحظ هذا المعنى . الخلاف في البيض الطاهر يسلق مع النجس هل ينجس ذلك الطاهر أم لا ؟ وهو خلاف يرجع إلى الحس ، ووجه آخر هل يمكن أن ينفصل من النجس شيء يدخل في مسام الطاهر فينجسه أم لا ؟ انتهى .

وعزا ابن عرفة القول الثاني للخمي ونصه ابن القاسم وابن وهب لا تؤكل بيضة طبخت مع أخرى فيها فرخ لسقيها إياها اللخمي إثر ذكره روايتي تطهير لحم طبخ بماء نجس ، وعلى أحد قولي مالك تؤكل السليمة وصوبه ; لأن صحيح البيض لا ينفذه مائع انتهى .

واعترض البساطي على المصنف في جمع هذه المسألة مع ما قبلها ; لأن الخلاف فيها هل ينجس أم لا ؟ والخلاف فيما قبلها هل يطهر أم لا ؟ .

( قلت ) وهذا ليس بظاهر ; لأن البيض إذا قلنا : إنه ينجس فإنه لا يقبل التطهير ; لأنه قال في السماع المتقدم لا يصلح أكلهن ولو كان يقبل التطهير لقال يغسل ويؤكل وأيضا فقد قال ابن رشد في شرحها : إنه خلاف قوله في سماع موسى : " إن اللحم يغسل ويؤكل " ، فتأمله . وصرح في المدخل في فصل خروج العالم إلى السوق فإنه لا يطهر .

( تنبيه ) لو ألقيت بيضة في ماء نجس بارد ، أو دم ، أو بول فإنها تغسل وتؤكل قاله ابن رشد في السماع المذكور .

وقوله : " وفخار بغواص " صفة لمحذوف أي ينجس غواص والغواص الكثير النفوذ والدخول في أجزاء الإناء كالخمر والخل النجس والبول والماء المتنجس قاله في التوضيح قال وفهم من تقييده بالغواص أنه لو لم يكن النجس غواصا لما أثر انتهى . وقال ابن هارون وعندي أن الفخار إذا كان مطليا طهر بالمبالغة في غسله ، وإن لم يكن مطليا لم يطهر ونقله ابن فرحون وغيره وقبله وقال الشارح في الكبير واحترز بالفخار من الأشياء المدهونة كالصيني وما في معناه والتي لا تقبل ذلك كالنحاس والزجاج انتهى .

( قلت ) والظاهر أنه لا بد من تقييد المسألة بأن يكون النجس أقام في الإناء مدة يغلب على الظن أن النجاسة سرت في جميع أجزائه فإن أصل المسألة في جرار الخمر هل يمكن تطهيرها أم لا ؟ وأما إذا أصابت نجاسة إناء فخار وأزيلت منه في الحال وغسل فالظاهر أنه يطهر فتأمله ، والله - تعالى - أعلم . قال ابن غازي : وأما فخار بغواص فحكى الباجي في تطهير آنية الخمر يطبخ ما فيها روايتين انتهى .

( تنبيه ) إذا كان الإناء مملوء ماء وأصابت النجاسة ظاهره لم ينجس الماء ويكفي غسل ظاهره ، يؤخذ مما قال ابن رشد في قلة مملوءة أقعدت على عذرة رطبة أنه لا ينجس الماء ; لأن شأنه أن يرسب إلى أسفل انتهى .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث