الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

ص ( وسن إشعار سنمها )

ش : الضمير للإبل ; لأنها هي التي لها أسنمة قال في التوضيح : قال اللخمي : وصاحب الجواهر أطلق في الكتاب أنها تشعر ، وفي كتاب محمد لا تشعر ; لأن ذلك تعذيب وقال ابن عبد السلام : اختلف المذهب في إشعار ما لا سنم له من الإبل والبقر والأقرب عدمه ; لأن الأصل عدم تعذيب الحيوان ، ثم قال ، وأما ما له أسنمة من البقر ، فظاهر المذهب أنها تشعر .

ص ( من الأيسر )

ش : الظاهر أن من بمعنى في كقوله تعالى { يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة } { أروني ماذا خلقوا من الأرض } وقول ابن غازي إنها للبيان بعيد .

ص ( للرقبة )

ش : الظاهر أن اللام بمعنى من ، نحو قولهم سمعت لزيد صراخا ذكره في المغني والمعنى من جهة الرقبة ، فإن الإشعار أن يقطع في أعلى السنم قطعا يشق الجلد ، ويدمي من ناحية الرقبة إلى ناحية الذنب قدر أنملتين في الطول والله أعلم .

ص ( مسميا )

ش : تصوره ظاهر ( فرع ) : قال ابن جماعة في فرض العين وتشعر قياما مستقبلة القبلة في جانبها الأيسر في أعلى الأسنمة قطعا يشق الجلد ، ويدمي من ناحية الرقبة إلى ناحية الذنب في الأسنمة خاصة انتهى . وما ذكره من أنها تشعر قياما غريب ; لأن ذلك غير ممكن والله أعلم .

ص ( وتقليد )

ش : كان الأولى أن يقدم التقليد ; لأن السنة تقديمه في الفعل ; لأنه إذا قدم الإشعار نفرت منه عند التقليد خوف أن يفعل بها ثانيا ما فعل بها أولا ، وكان المصنف اعتمد على ما قدمه في قوله ، ثم تقليد ، ثم إشعار .

ص ( وتجليلها )

ش : الضمير للإبل ، فإنها هي التي يستحب تجليلها قال في التوضيح : [ ص: 190 ] وإنما تجلل البدن دون البقر والغنم قاله في المبسوط وقد يستفاد ذلك من قول المصنف وقلدت البقر فقط ، والله أعلم . والتجليل أن يجعل عليها شيئا من الثياب بقدر وسعه .

ص ( وشقها إن لم ترتفع )

ش : أي ويستحب شق الجلال عن الأسنمة ليظهر الإشعار إلا أن ترتفع في الثمن أي تكون كثيرة فالمستحب أن لا تشق قال في البيان : وأن يؤخر تجليلها إلى عند الغد ، ومن منى إلى عرفة ، ونقله في التوضيح وقول الشارح والمستحب عند مالك شق الجلال عن الأسنمة إلا أن تكون مرتفعة عن الأسنمة تبع فيه التوضيح وهو سبق قلم والله أعلم .

ص ( لا الغنم )

ش : قال ابن الحاج في مناسكه : قال مالك : ولا تقلد الغنم ولا تشعر ولا تساق في الهدي إلا من عرفة ; لأنها تضعف عن قطع المسافة الطويلة انتهى .

ص ( ولم يؤكل من نذر مساكين عين إلخ ) ش قوله من نذر مساكين احترز بقوله مساكين من النذر إذا لم يكن للمساكين بل نذر أن يتقرب بهدي ، ولم يسمه للمساكين ، فإنه داخل في قوله عكس الجميع ، فيؤكل منه قبل المحل وبعده ; لأن المصنف لم يستثنه فيما لا يؤكل منه بعد المحل ، ولا فيما لا يؤكل منه قبل المحل ; لأن هذا حكم النذر المضمون ، وأما المعين ، فيؤكل منه بعد المحل لا قبله كالتطوع قال اللخمي : والمنذور المضمون إذا لم يسمه للمساكين يأكل منه قبل وبعد وإن سماه للمساكين ، وهو مضمون أكل منه قبل ولم يأكل منه بعد ، وإن كان منذورا معينا ، ولم يسمه للمساكين ، أو قلده وأشعره من غير نذر أكل منه بعد ولم يأكل منه قبل انتهى . ونقله في التوضيح ، ونص عليه أيضا صاحب الطراز ولو قال وهدي تطوع ونذر أعين إن عطبا قبله لوفى بذلك والله أعلم .

وقول المصنف إلا نذرا لم يعين أي نذرا للمساكين ، والمعين مثل أن يقول نذر علي أن أهدي هذه البدنة ، أو أهديها للمساكين ، أو هذه نذر للمساكين والمضمون مثل أن يقول علي نذر أن أهدي بدنة ، أو أن أهدي بدنة للمساكين ( فروع الأول ) : قال سند إذا نذره للمساكين ، فلا يأكل منه قال ابن حبيب : بلفظ ، أو بنية أنه للمساكين لا يأكل منه ( الثاني ) : ما أبيح له الأكل منه ، فله أكل جميعه والتصدق بجميعه قال في الطراز : وهو أحسن إلا أنه لا يدع الأكل والصدقة لقوله تعالى { فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر } واختلف الناس فيما يستحب من إطعامه وظاهر المذهب أنه لا حد فيه قال في الطراز : وقال أيضا اختلف في معنى القانع ; لأن القانع في اللغة يقع على من يقنع باليسير فيكون من الصفات ، والقانع السائل الأول من القناعة والثاني من القنوع قال الشماخ

لمال الحر يصلحه فيفنى مفارقه أخف من القنوع

يريد السؤال ، وبه فسر ابن عباس الآية ، وهو ظاهر ; لأنه عطف عليه المعتر ، وهو الذي يعرض بالسؤال [ ص: 191 ] ولا يسأل يقال معتر ومعتري انتهى .

( الثالث ) : إذا كان مع المحصر هدي ونحره في المحل الذي أحصر فيه ، فإنه يكون حكمه حكم ما بلغ محله ، وله الأكل منه قاله سند وسيأتي في الفصل الذي بعد هذا كلامه بلفظه إن شاء الله .

ص ( فتلقى قلائده بدمه )

ش : يعني أن مهديه ينحره ويلقي قلائده بدمه .

( فرع ) : فإن أمكنه ذبحه فتركه حتى مات ضمنه بتفريطه ; لأنه مأمور بذبحه مؤتمن عليه قاله في الطراز .

ص ( كرسوله )

ش : يحتمل أن يكون التشبيه راجعا إلى هدي التطوع إذا أرسل مع شخص ، وعطب قبل محله ، فإن حكم الرسول حكم ربه ، فينحره ، ويلقي قلائده بدمه ، ويخلي بين الناس وبينه ، ويحتمل أن يكون التشبيه راجعا لجميع ما تقدم قال في المدونة : والمبعوث معه الهدي يأكل منه لا من الجزاء والفدية ونذر المساكين ، فلا يأكل منها شيئا إلا أن يكون الرسول مسكينا ، فجائز أن يأكل منه ، وقال في الطراز : فإن بلغ الهدي محله كان حكم الرسول حكم المرسل ، فكل هدي يأكل منه صاحبه إذا بلغ محله ، فنائبه يأكل منه ، وكل هدي لا يأكل منه صاحبه لا يأكل منه نائبه إلا أن يكون بصفة مستحقة ، ثم قال فإن أكل السائق من الهدي إذا عطب قبل محله ، فإن كان واجبا لم يجز ربه ، ونظرت في تضمينه فلا يقبل فيه مجرد قوله لما أكل ، ولو لم يأكل لقبل ، وذلك لموضع التهمة فإن شهد له أحد من رفقته نظرت ، فإن أكل من الهدي لم تجز شهادته لموضع التهمة ; ولأنه يثبت لنفسه أنه ما أكل إلا مباحا إذ هو ممنوع أن يأكل منه إذا نحر لغير خوف إلا أنه لا يضمن ; لأن الرسول يزعم أنه إنما أكل بوجه جائز ، فيضمن السائق ، والحالة هذه ، ولا يرجع على أحد ممن أطعمه ، ويضمن قيمة الهدي وقت نحره لا هديا مكانه ، وإنما يضمن الهدي بهدي ربه فقط وإن كان تطوعا ، فليس على ربه إلا هدي بقيمة ما يرجع به ، وإن كان واجبا ، فعليه هدي بأصل ما وجب عليه ، وإن لم يأكل السائق ، فلا يخلو إما أن يطعم أحدا أم لا ، فإن لم يطعم أحدا ، فلا شيء عليه وإن كان تطوعا فلا شيء على ربه أيضا ، وإن كان واجبا فعليه بدله وأطعم ، فإن كان واجبا ، فلا شيء عليه ولا على ربه وإن أمره بذلك ; لأنه مضمون على ربه وإن كان تطوعا ، فإن أطعم غير مستحق ضمن ذلك ، ولا شيء على ربه إن لم يكن بأمره ، وإن كان بأمره ، فعليه البدل ، وإن أطعم مستحقا ، فلا شيء عليه ، وينظر في ربه فإن أمره بذلك لشخص معين فعليه البدل كما لو كان حاضرا فأطعمه ، وإن لم يأمره بمعين ولكن قال أطعمه للمساكين ، فهو خفيف ; لأن قوله خل بينه وبين الناس كقوله أطعمه للمساكين ، وليس في ذلك تعيين انتهى .

ففهم من كلامه أن حكم الرسول في الأكل وعدمه حكم ربه إلا فيما إذا عطب الواجب قبل محله ، فلا يأكل منه للتهمة أن يكون عطبه بسببه فلو قامت بينة على ذلك ، أو علم أن ربه لا يتهمه ، أو وطن نفسه على الغرم إن اتهمه جاز له الأكل ، والحاصل أن أكله منه لا يمنع فيما بينه وبين الله تعالى ، ولذلك قال : إنه إن أطعم أحدا من الواجب فلا شيء عليه فتأمله والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث