الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

ص ( ولم يفسد بوطء إن لم ينو البقاء )

ش : يشير إلى قوله في المبسوط من حل له التحلل ، فلم يفعل حتى أصاب النساء أنه إن نوى أن يحل ، فلا شيء عليه ، وإن نوى أن يقيم على إحرامه لقابل فسد حجه ، وعليه القضاء انتهى .

قال سند : وهذا يجري على ما سلف ؟ لأن التحلل يقع من غير حلاق وأن الحلاق من سنته ، فإن نوى هذا أنه تحلل ، فلا شيء عليه ، ويحلق بعد ذلك ، ولا دم عليه بخلاف من جامع بعد رميه وإفاضته ، وقبل الحلق ; لأنه قطع بالجماع توالي نسكه وهاهنا سقطت المناسك رأسا ، فسقط حكم تواليها .

( فإن قيل ) بقي قسم ثالث ، وهو ما إذا لم ينو البقاء ولا التحلل ، وكلام المصنف يقتضي أنه لا يفسد حينئذ ، ولا يفهم حكمه من كلام المبسوط ( فالجواب ) والله أعلم أنه إذا لم ينو التحلل ، فقد نوى البقاء ; لأن البقاء لا يحتاج إلى تجديد نية ; لأنه مستمر على إحرامه الأول ما لم ينو التحلل منه ، فتأمله .

ص ( كنسيان الجميع )

ش : هكذا قال في المدونة على اختصار ابن يونس ، ومفهومه أنه لو تعمد ترك الجميع تعددت عليه الهدايا ، وصرح بذلك في التوضيح فقال خليل : ولو قيل إذا نسي الرمي والمبيت بالمزدلفة بالتعدد ما بعد لتعدد الموجبات كما في العمد ، وكأنهم لاحظوا أن الموجب واحد لا سيما ، وهو معذور انتهى . هكذا رأيت في التوضيح هذا الكلام منسوبا للمصنف ، وذكر ابن غازي عن التوضيح أنه نقله عن ابن راشد ولعل ذلك في نسخته من التوضيح ، وظاهر ما في رسم العارية من سماع عيسى من كتاب الحج أن العمد مثل النسيان عند ابن القاسم ، ونصه : وسألته عن الرجل يقف بعرفة ثم يمضي على وجهه إلى بلاده كم عليه من دم قال : لا أرى عليه إلا دما بدنة أو بقرة ابن رشد أجزأه دم واحد لترك الوقوف بالمشعر والرمي والمبيت بمنى قياسا على من فاته الحج ، فإنه يحل ويهدي هديا واحدا إذا حل بعمرة لما فاته من الحج ، وقد فاته عمل الحج كله وقال أشهب : عليه ثلاثة هدايا هدي لترك الجمار ، وهدي لترك المبيت بمنى ، وهدي لترك المزدلفة ، وهو أقيس انتهى .

ونقله ابن عرفة في الكلام على رمي الجمار ، وقال في رسم حلف : أن لا يبيع من سماع ابن القاسم في مريض أفاض بعد رمي جمرة العقبة ، فأقام بمكة ولم يأت منى ، ولم يرم الجمار كلها حتى ذهبت أيام منى قال : أرى أن يهدي بدنة فإن لم يقدر فما استيسر من الهدي شاة ، فإن لم يجد صام هذا ابن رشد مثل قوله في المدونة إن من ترك الجمار لعذر أو نسيان أو عمد حتى ذهبت أيام منى أنه يهدي ، ولم يختلف قوله [ ص: 200 ] في ذلك كما اختلف إذا ترك رمي يوم ، فرماه في الليل ، وفيما بقي منها انتهى ، ولم يتعرض ابن رشد هنا لتعدد الهدي ، وقال في الطراز في باب حكم منى والرمي : لما تكلم على التعجيل ، فإذا غربت الشمس ، وهو بمنى ثم أراد التعجيل قال في المدونة : فإن جهل فتعجل ، فقد أساء ، وعليه الهدي يريد إذا لم يرجع ليبيت بمنى ، وكذلك إذا أصبح عاد لرمي الجمار في اليوم الثالث ، وعليه هدي لترك المبيت ، وإن لم يرجع كان عليه هدي لخطإ التعجيل ، ويجزئه عن ترك الرمي بعده ، ثم ذكر مسألة العتبية الأولى ، وذكر في التوضيح لما تكلم على فرع المتعجل عن ابن راشد أن الدم يتعدد ، وذكره عن الباجي أيضا ، وذكر ابن عرفة كلام الباجي ( والحاصل ) أن في التعدد مع العمد قولين لابن القاسم وأشهب فعند ابن القاسم لا يتعدد ، وعند أشهب يتعدد ، وهو الذي يفهم من كلام المصنف هنا ، وفي مناسكه ، وصرح به في توضيحه والله أعلم .

ص ( وإن حصر عن الإفاضة إلخ )

ش : قال ابن غازي : ما ذكره في المحصور عن الإفاضة تبعه عليه صاحب الشامل ، ولم أر من ذكر أن المحصر عن الإفاضة لا يحل إلا بفعل عمرة بل لا يحل إلا بالإفاضة ، وهو داخل في قوله أولا وإن وقف وحصر عن البيت ، فحجه تم ، ولا يحل إلا بالإفاضة ، فتعين أنه تصحيف ، وإن تواطأت عليه النسخ التي وقفنا عليها وصوابه وإن حصر عن عرفة ، وبهذا يوافق قول اللخمي وغيره إن صد عن عرفة خاصة دخل مكة ، وحل بعمرة ، ويؤيده أنه ذكر في توضيحه ومناسكه أن حصر العدو على ثلاثة أقسام : عن البيت ، وعرفة معا ، وعن البيت فقط ، وعن عرفة فقط ، وبما صورناه يكون قد استوى هنا الثلاثة كما فعل ابن الحاجب وغيره انتهى .

( قلت ) : ما ذكره حسن ، ويمكن أن يقال : عبر المصنف عن الحصر عن الوقوف بالحصر عن الإفاضة لقوله تعالى { فإذا أفضتم من عرفات } لكن في إطلاق الإفاضة على الوقوف بعد ولا يقال إنما أطلق المصنف الإفاضة على الإفاضة من عرفة لا على الوقوف ، ويعني به أن من وقف بعرفة ، وحصر عن الإفاضة منها ، فحكمه حكم من فاته الحج كما قال ابن جزي في آخر الباب الثامن من كتاب الحج لما تكلم على فوات الحج : وفواته بثلاثة أشياء آخرها : فوات أعماله كلها ، والثاني : فوات الوقوف بعرفة يوم عرفة أو ليلة يوم النحر ، وإن أدرك غيرها من المناسك والثالث : من أقام بعرفة حتى طلع الفجر من يوم النحر سواء كان وقف بها ، أو لم يقف انتهى .

وإذا كان ذلك حكم من حصر عن الإفاضة من عرفة علم منه حكم من حصر عن الوقوف بالكلية ; لأنا نقول : هذا الذي ذكره ابن جزي غريب لا يعرف لغيره بل ظاهر نصوص أهل المذهب أن من وقف بعرفة في جزء من ليلة النحر ، فقد أدرك الحج ، ولو طلع عليه الفجر بها ، وكلام صاحب الطراز كالنص في ذلك ، وكذلك كلام اللخمي وابن عبد السلام فيمن ذكر صلاة عند الفجر ، وكان إن اشتغل بها فاته الوقوف ، وقد تقدم التنبيه على ذلك عند قول المصنف وصلى ، ولو فات ، وأيضا فلو قيل بذلك في حق من ترك الخروج من عرفة من غير عذر فلا يقاس عليه من تركه لأجل حصر العدو ، فتأمل والله أعلم .

( تنبيهات الأول ) : هذا القسم أعني المحصر عن الوقوف ، وإن كان حكمه حكم من فاته الحج في كونه لا يحل إلا بفعل عمرة ، فإنه يخالفه في حكم آخر ، وهو أن المحصر بعدو لا قضاء عليه كما صرح به المصنف في مناسكه ، وصرح به غيره ، فإنهم بعد أن ذكروا أقسام المحصر الثلاثة قالوا : ولا قضاء على محصور ، ولا يسقط الفرض وكما يفهم ذلك من كلام سند الآتي في التنبيه الثاني بخلاف من فاته الحج فإن عليه قضاء ما فاته ولو كان تطوعا كما صرح به في النوادر والجلاب وغيرهما .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث