الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

( فرع ) قال في السليمانية : ومن خلق بلا يدين ولا رجلين ولا دبر ولا ذكر ويتغوط ويبول من سرته يغسل مكان القذر ويفعل من فرائض الوضوء وسننه ما يتعلق بوجهه ورأسه خاصة نقله ابن عبد السلام ونقله ابن عرفة بلفظ : ومن لا يد له ولا رجل ولا دبر ولا ذكر وفضلته من سرته فهي كدبره ، وفرض اليد والرجل ساقط فيفهم من قوله : كدبره أنه إذا مسها لا ينتقض وضوءه وهو ظاهر .

ص ( بتخليل أصابعه )

ش : كذا هو في النسخ التي رأيتها بالباء التي للمصاحبة يعني أن الفريضة الثالثة هي غسل يديه مع مرفقيه [ ص: 195 ] مع تخليل أصابعه وكأنه في نسخة البساطي بالواو فقال : مرفوع بالعطف على غسل ويحتمل النصب على المعية انتهى .

( قلت ) والأقرب أن يعطف على قوله بمرفقيه ، وما ذكره المصنف من وجوب تخليل أصابع اليدين هو المشهور قال في التوضيح : ولم يختلف في طلب تخليل أصابع اليدين وإنما اختلف في الطلب هل هو واجب أو ندب ؟ قاله ابن رشد ، والمشهور الوجوب قال في الذخيرة : ظاهر المذهب الوجوب انتهى .

( قلت ) قوله لم يختلف في طلبه فيه نظر لما سيأتي ، وعزا ابن عرفة القول بالوجوب لابن حبيب وبالاستحباب لابن شعبان قال ابن راشد : والأول ينبني على وجوب التدلك والثاني على عدم وجوبه أو لأنها يحتك بعضها ببعض فأغنى ذلك عن التدلك .

( تنبيه ) قال ابن فرحون : حكى ابن الحاجب وابن شاس الوجوب والندب وأما ابن بشير فحكى الوجوب والسقوط وظاهره الإباحة فتكون ثلاثة أقوال ، ويحتمل أن يرجع القول بالسقوط إلى الندب لعدم المنافاة بينهما .

( قلت ) حكى ابن عرفة في التخليل ثلاثة أقوال قال : وتخليل أصابعهما أوجبه ابن حبيب واستحبه ابن شعبان . ابن حارث عن ابن وهب رجع مالك عن إنكاره لوجوبه لما أخبرته بحديث ابن لهيعة { كان صلى الله عليه وسلم يخللهما في وضوئه } انتهى . وقال ابن ناجي : في تخليل أصابع اليدين ثلاثة أقوال : الوجوب والاستحباب والإنكار انتهى . واستظهر ابن عبد السلام القول بالوجوب في أصابع اليدين والرجلين ونصه : والظاهر الوجوب كما هو المختار في أصابع الرجلين انتهى . والله تعالى أعلم فعلم أن قول المصنف في التوضيح لم يختلف في طلب التخليل غير ظاهر ، ومثله قول ابن الفاكهاني لم يختلفوا أنه مأمور به كما اختلفوا في غسل الرجلين ، وفيما ذكره ابن وهب دليل على الاحتجاج بحديث ابن لهيعة قال ابن عرفة في الاحتجاج بابن لهيعة : ثالثها ما سمع منه قبل حرق كتبه ، وقال ابن ناجي : في رجوع مالك إلى الوجوب نظر ; لأن تخليله عليه الصلاة والسلام أعم من الوجوب والندب ، وقال في شرح الرسالة : ورجوع مالك إلى ما قال ابن وهب لمكانته في الحديث وقد قرأ على أربعمائة عالم ومع هذا كان يقول : لولا مالك والليث لضللت . واستدل صاحب الطراز للوجوب بحديث ابن عباس أنه عليه الصلاة والسلام قال { إذا توضأت فخلل بين أصابع يديك ورجليك } رواه الترمذي وأبو داود بأن ما بين الأصابع يجب إيصال الماء إليه فوجب دلكه ، واستدل لنفي الوجوب بأن كل من نقل وضوء النبي صلى الله عليه وسلم في الصحاح لم يذكره فيه ، ولأن الماء يتخلل الأصابع وهي تماس بعضها فيحصل بذلك حقيقة الغسل ونحوه للفاكهاني في شرح الرسالة قال : لا إشكال في وجوب غسل ما بين الأصابع ; لأنه من جملة اليد ، وإنما منشأ الخلاف هل يحتاج إلى تخليلها ليحصل استيعابها أو ذلك حاصل من غير تخليل لاحتكاك بعضها ببعض ؟ .

( تنبيهات الأول ) قال الشيخ زروق في شرح قول الرسالة ويخلل أصابع يديه بعضها ببعض بحيث يدخل أصابع يده اليسرى في خلال اليمنى من ظاهرها لا من باطنها واليمنى في خلال اليسرى كذلك عند غسل كل واحدة ولا يدخلها من باطنها ; لأنه تشبيك والتشبيك منهي عنه ، ولا يتوصل لمقصود دلك ما بين الأصابع مستوفى انتهى .

وقال الجزولي وصفة تخليل أصابع اليدين أن يدخل بعضها في فرج بعض من ظاهر لا من باطن ; لأنه أبلغ بخلاف أصابع الرجلين إنما تخلل من أسفلها ; لأنه أمكن ، ويخلل أصابع يده اليمنى في غسلها وأصابع يده اليسرى في غسلها ، وذكر نحوه الشيخ يوسف بن عمر وقال صاحب الجمع : قال مالك : لا يكره التشبيك إلا في الصلاة فلا يعتبر ما في التعاليق أنه يكره في الوضوء انتهى .

( قلت ) وهذا كله والله تعالى أعلم من جهة الأولى ، وكيفما خلل أجزاه ، [ ص: 196 ] ويؤخذ ذلك من قول الجزولي ويخللها من ظاهرها ; لأن ذلك أبلغ .

( الثاني ) قال الشيخ زروق في شرح الرسالة أيضا : ذكر بعض العلماء التحفظ على البراجم وهي عقود الأنامل من محل اشتراكها ، وعلى الرواجب وهي رءوس الأصابع قائلا : يجمعها ثم يحكها في كفه والتحفظ على باطن الكف أيضا انتهى بالمعنى ، ونحوه للجزولي ونقله عن الغزالي وفي الصحاح البرجمة بالضم واحدة البراجم وهي مفاصل الأصابع التي بين الأشاجع ، والرواجب وهي رءوس السلاميات من ظاهر الكف إذا قبض القابض كفه نشرت وارتفعت انتهى . وقال : الأشاجع أصول الأصابع التي تتصل بعصب ظاهر الكف ، الواحد شجع وناس يزعمون أن أشجع مثل أصبع ، ولم يعرفه أبو الغوث وقال : والراجبة في الأصابع واحدة الرواجب وهي مفاصل الأصابع التي تلي الأنامل ثم البراجم ثم الأشاجع اللاتي يلين الكف ، وفي القاموس الرواجب وهي أصول الأصابع أو بطون مفاصلها أو هي قصب الأصابع أو مفاصلها أو ظاهر السلاميات أو ما بين البراجم من السلاميات ، واحدتها راجبة ورجبة وفسر الأشاجع بما تقدم عن الصحاح وقال : البرجمة بالضم المفصل الظاهر أو الباطن من الأصابع أو رءوس السلاميات ، وقال في الصحاح : السلاميات عظام الأصابع وهي بفتح الميم قاله النووي في باب الإشارات وقال : أرى واحدها سلامى بضم السين وتخفيف اللام والجمع سلاميات قال : وهي المفاصل والأعضاء وهي ثلاثمائة وستون كما ثبت ذلك في صحيح مسلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال النووي في شرح المهذب : البراجم بفتح الباء الموحدة جمع برجمة بضمها وهي العقد المشنجة الجلد في ظهور الأصابع وهي مفاصلها في وسطها بين الرواجب والأشاجع ، والرواجب هي المفاصل التي تلي رءوس الأصابع ، والأشاجع بالشين المعجمة هي المفاصل التي تلي ظهر الكف ، وقال أبو عبيد الرواجب والبراجم جميعا هي مفاصل الأصابع كلها كذا قال صاحب المحكم وآخرون : وهو مراد الحديث انتهى باختصار يعني الحديث الذي رواه أبو داود في الأمر بغسل البراجم وأنها من الفطرة انتهى من شرح المهذب ولم أر من فسر الرواجب بأنها رءوس الأصابع .

( الثالث ) قال في الذخيرة قال بعض العلماء : ينبغي في غسل اليدين والرجلين أن يختم المتطهر أبدا بالمرافق والكعبين مراعاة لظاهر الغاية الواردة في القرآن وإن فعل غير ذلك أجزأه ، لكن الأدب أولى وقد تقدم في الوجه أن السنة في جميع الأعضاء أن يبتدئ بغسل أولها .

ص ( لا إجالة خاتمه )

ش : بالجر وهو معطوف على قوله بتخليل أصابعه أي الفريضة الثانية غسل يديه مع مرفقيه مع تخليل أصابعه لا مع إجالة خاتمه . والمعنى أن إجالة الخاتم أي تحريكه لا تجب في الوضوء يريد ولا في الغسل كما صرح به في النوادر وغيرها ، ونقله في التوضيح وظاهره سواء كان ضيقا أو واسعا وهذا القول رواه ابن القاسم عن مالك في العتبية والمجموعة عن مالك وفي بعض الروايات أنه قد عض في أصبعه قال في النوادر : قال ابن القاسم في العتبية والمجموعة عن مالك : وليس عليه تحريك خاتمه في الوضوء . قال ابن المواز : ولا في الغسل وهو في العتبية في رسم مساجد القبائل من سماع ابن القاسم من كتاب الطهارة . قال : لا أرى على أحد أن يحرك خاتمه قال ابن رشد : ومثله في بعض الروايات لأبي زيد في الذي يكون في أصبعه خاتم قد عض وهو كما قال ; لأنه إن كان سلسا فالماء يصل إلى ما تحته ويغسله ، وإن كان قد عض بأصبعه صار كالجبيرة لما أباح الشارع له من لباسه فلا ينبغي أن يدخل في هذا الاختلاف الذي فيمن لصق بذراعه شيء من العجين انتهى . وقال الباجي : كلام مالك يحتمل تعليلين : أحدهما : أن الخاتم لما كان لباسه عادة مستمرة لم يجب غسل ما تحته كالخف ، والثاني : أن الماء لرقته يصل إلى ما تحته .

قال [ ص: 197 ] ابن فرحون : والتعليلان ضعيفان ( أما الثاني ) فلأن الإجالة مطلوبة لتحصيل الدلك لا لوصول الماء فإنه حينئذ مسح والأصل الغسل . وأما القياس على الخف فباطل ; لأن الرخص لا يقاس عليها ، وعلى صحته فيلزم أن لا يلبسه إلا على طهارة ولم يقل به أحد انتهى .

( قلت ) والظاهر أن يقال : إنه عفي عنه لكون لبسه مطلوبا وليسارة محله ، وفي كلام ابن رشد في المسألة المذكورة تقوية لهذا القول وكذا في كلام غيره فلذلك اقتصر عليه المصنف ، وقال ابن شعبان تجب إجالته مطلقا ; لأن تعميم اليد واجب وذلك لا يحصل إلا بالإباحة ، وقال ابن عبد السلام : إنه الظاهر وقيل : تجب إجالة الضيق دون الواسع قاله ابن حبيب وعبد العزيز بن أبي مسلمة وابن عبد الحكم ووجهه ظاهر ، وعن ابن عبد الحكم أيضا أنه ينزعه . قال ابن بشير : وهو يحتمل الندب والوجوب قال ابن راشد إن أراد الندب فله وجه لتيقن حصول الدلك وإن أراد الوجوب فلا معنى له . قال ابن ناجي : قول ابن بشير محتمل الوجوب والندب يرد بأن لفظ ابن يونس عن ابن عبد الحكم عليه أن ينزعه وظاهره الوجوب ، ولهذا قال : وهو خلاف قول مالك وأصحابه وجعل القابسي الثالث تفسيرا انتهى .

وأكثر شيوخ المذهب على أنه خلاف وحكى ابن فرحون عن الجزولي قولا بعكس الثالث وأنه إن كان ضيقا لا تجب إجالته ، وإن كان واسعا وجبت إجالته وهو غريب .

( تنبيهات الأول ) قال في الطراز : إذا جوزنا المسح عليه وكان ضيقا فينبغي إذا نزعه بعد وضوئه أن يغسل محله وإن لم يغسله لم يجزه كالجبيرة ، إلا إن كان يتيقن إيصال الماء وإصابته لما تحته انتهى . وجزم بذلك في الذخيرة ناقلا عن صاحب الطراز فقال : وإذا جوزنا المسح عليه وكان ضيقا فنزعه بعد وضوئه فإن لم يغسل موضعه لم يجزه إلا أن يتيقن إصابة الماء لما تحته انتهى .

( قلت ) وهذا يفهم من كلام ابن رشد المتقدم فإنه جعله كالجبيرة وعبر عن غسل الخاتم بالمسح ; لأنه لما كان الفرض غسل ما تحته صار كالجبيرة التي حكمها المسح والله تعالى أعلم .

( الثاني ) قال في الطراز هذا حكم خاتم الفضة فإن كان ذهبا لم يجز للرجل لبسه ولا يعفى عن غسل ما تحته ودلكه ; لأنه ممنوع من لبسه فلا تتعلق به رخصة حتى قال سحنون : يعيد لابسه في الصلاة في الوقت انتهى . ونقله صاحب الذخيرة وغير واحد وقبلوه ونحوه ما حكى ابن ناجي في شرح المدونة عن شيخه الشبيبي أنه كان يفتي بعدم الإجالة في خاتم الفضة مطلقا ويخصص ذلك بما إذا لم يقصد بلبسه المعصية فإن قصدها فلا بد من إجالته ونزعه . قال : وما ذكره جار على المشهور أن العاصي لا يترخص بالقصر والفطر ، وقد يقال : لا يختلف فيه هنا انتهى .

وقال في شرح الرسالة : وكان بعض من لقيناه يقول هذا الخلاف إنما هو إذا لم يقصد بلباسه المعصية وأما إن قصد ذلك فالاتفاق على النزع وما ذكره من الاتفاق لا أعرفه ، وأصول المذهب تدل على الخلاف عموما ، ألا ترى أن المسافر العاصي اختلف فيه هل يجوز له القصر وهل يباح له أكل الميتة انتهى .

( قلت ) وما قاله ظاهر لكن ما أفتى به الشبيبي هو الجاري على المشهور وقوله : " لا بد من إجالته أو نزعه " الظاهر أنه بأو فإن أحدهما كاف ويأتي الكلام إن شاء الله على كل من صلى بخاتم الذهب في فصل ستر العورة . والظاهر أن خاتم الحديد والنحاس والرصاص لا ينتهي إلى عدم الإجزاء كما في خاتم الذهب والظاهر أنه يؤمر بنزعه ابتداء لما تقدم من كراهة لبس ذلك والله تعالى أعلم .

ص ( ونقص غيره )

ش : قال البساطي هذه [ ص: 198 ] اللفظة مما تحير الشراح في ضبطها ومعناها وعلى أي شيء معطوفة فمن قائل بالصاد المهملة والقاف من النقصان ، ويجعله مصدرا مضافا لغير معطوفا على معصم أي يجب غسل بقية معصم وبقية نقص غيره قال : وأراد به مسألة السليمانية يعني المتقدمة فيمن خلق بلا يدين ولا رجلين ولا ذكر ولا دبر . قال البساطي : قال هذا القائل ، ودخل في كلامه قوله في التهذيب : ويغسل أقطع الرجلين موضع القطع وبقية الكعبين قالالبساطي : وأقول على هذا التقدير في دخول مسألة السليمانية تحت كلامه نظر لا يخفى . قال البساطي وقال غيره : هو معطوف على إجالة أي ولا غسل عضو منقوص غير المعصم . وهذا كما ترى لا دلالة في الكلام على عضو المحذوف انتهى . أكثره بالمعنى ، وكلام الشارح في شروحه الثلاثة يقتضي أن يكون مضبوطا بالضبط المذكور أعني بالقاف والصاد المهملة ، وأنه مصدر مضاف لغير وأن الضمير للمعصم لكنه جعل فيه احتمالين : أحدهما : أن يكون معطوفا على بقية أي يجب غسل بقية المعصم وغسل نقص غيره أي بقيته ، وظاهر كلامه في الوسط أنه اقتصر على هذا ، والثاني : أنه يكون مبتدأ أو خبره محذوف أي نقص غير المعصم كذلك أي كنقص المعصم يعني أنه كما إذا خلق ناقص المعصم وخلقت كفه بمنكبه سقط غسل المعصم .

كذلك إذا خلق ناقص عضو من الأعضاء غير المعصم سقط غسل ذلك العضو ، ثم ذكر مسألة السليمانية . ذكر هذين الاحتمالين في الكبير لكن بعبارة مختصرة قد يعسر فهمها ، وظاهر كلامه في الصغير أنه أشار إلى هذين الاحتمالين والاحتمال الثاني منهما هو الاحتمال الثاني المتقدم في كلام البساطي ثم قال البساطي إثر كلامه السابق وقال آخر : هو بالضاد المعجمة وقال يشير به إلى قول محمد بن دينار فيمن لصق بذراعه قدر الخيط من العجين لا يصل الماء لما تحته فصلى بذلك لا شيء عليه ، وقال ابن القاسم : عليه الإعادة . قال : فإن كان معطوفا على إجالة فهو اختيار لقول ابن دينار وإن كان معطوفا على بقية فهو اختيار لقول ابن القاسم قال البساطي : وأقول ما معنى النقض في هذه المسألة ولو سلم أن معناه الإزالة فابن دينار وابن القاسم إنما تكلما على ذلك بعد الوقوع ، وكلامه الآن فيما يفعله المتوضئ وعندي أنه معطوف على إجالة وأنه بالضاد المعجمة وأنه يحتمل أن يكون اسما مضافا إلى غير ، ويكون المعنى هكذا ولا تجب إجالة الخاتم ولا نقض غيره أي إزالته مما يشبه كالحلق التي تلبسها الرماة بل يكفي إجالته ، ويحتمل أن يكون فعلا مبنيا للمفعول أي ونقض غيره أي نزع ولكني لم أر ذلك منقولا ولا يبعد على أصول المذهب على الوجهين انتهى . وفي عبارته مسامحة حيث جزم أولا بأنه عنده معطوف على إجالة ثم ذكر الاحتمالين والاحتمال الثاني منهما لا يتأتى مع العطف وإنما تكون جملة مستأنفة كما يفهم من كلامه .

( قلت ) وتحصل لي في ذلك مما وقفت عليه من كلام الشراح احتمالات ثمانية ; لأن لفظ " نقص " إن كان بسكون القاف وبالصاد المهملة ففي ذلك أربعة أوجه : ( الأول ) أن يكون مجرورا معطوفا على بقية أي يجب غسل بقية معصم ويجب غسل نقص غيره من الأعضاء أي بقيته .

( الثاني ) أن يكون مجرورا بالعطف على كف بمنكب وهو كالأول .

( الثالث ) أن يكون مرفوعا على أنه مبتدأ حذف خبره أي ونقص غير المعصم كذلك أي كنقص المعصم وهو في المعنى كما قبله

( الرابع ) أن يكون مجرورا بالعطف على إجالة أي لا تجب إجالة الخاتم ولا غسل عضو منقوص غير المعصم يعني أن العضو إذا نقص من الشخص سقط عنه غسله ، والضمير المضاف إليه غير على هذه الأوجه عائد على المعصم ، وكلام الشارح في شروحه الثلاثة يدور على هذه الأوجه ; لأن قوله في شروحه أي ونقص غير المعصم كهو يحتمل أن يريد به أن بقية غير المعصم كبقية المعصم وأن [ ص: 199 ] يريد به أنه إذا نقص من الشخص عضو غير المعصم فإنه يسقط غسله كما يسقط غسل المعصم إذا لم يخلق ، إلا أنه لم يصرح بالعطف على إجالة ، وإنما حكاه البساطي عن بعضهم واستبعده ، وإن كان لفظ نقض بالضاد المعجمة فإما أن يجعل اسما أو فعلا ، فإن جعل اسما ففيه وجهان : ( أحدهما ) : أن يكون مجرورا بالعطف على بقية أي يجب نقض غير الخاتم من عجين وشمع وغيره .

( الثاني ) : أن يكون مجرورا بالعطف على إجالة أي لا يجب نقض غير الخاتم أيضا مما تقدم ويشير إلى مسألة من لصق بذراعه أو ظفره قدر الخيط من العجين ونحوه وصلى ، فقال ابن دينار : لا شيء عليه وقال ابن القاسم : عليه الإعادة فإن كان معطوفا على بقية فهو اختيار لقول ابن القاسم وإن كان معطوفا على إجالة فهو اختيار لقول ابن دينار هكذا ذكر البساطي عن بعض الشراح .

( قلت ) وفي هذين الوجهين الأخيرين بعد ; لأنه إذا جعل معطوفا على بقية فلا دلالة على قول ابن القاسم ; لأنه يصير المعنى : ويجب غسل بقية معصم وغسل نقض غيره ولا معنى لهذا الكلام وإذا جعل معطوفا على إجالة يصير المعنى لا تجب إجالة الخاتم ولا نقص غيره أي نقض غير الخاتم من الحائلات المانعة من وصول الماء وذلك يقتضي أنه لا يجب إزالته ابتداء وظاهره سواء كان الحائل كثيرا أو يسيرا ، وقول ابن دينار إنما هو في اليسير بعد الوقوع كما سيأتي بيانه والضمير المضاف إليه غير في هذين الوجهين عائد إلى الخاتم وغير في هذه الأوجه الستة مجرورة بالإضافة .

وإن جعلنا اللفظ المذكور فعلا ففيه وجهان أيضا ; لأنه إما مبني للفاعل أو مبني للمفعول فعلى الأول يكون الفاعل ضميرا يعود إلى المتوضئ وغير منصوبة على المفعولية ، وعلى الثاني فغير مرفوعة على النيابة على الفاعل والضمير المضاف إليه غير في هذين الوجهين عائد إلى الخاتم أيضا كالوجهين قبله ، وهذان الوجهان الأخيران ذكرهما ابن غازي وقال : هذا أمثل ما يضبط به وأبعده من التكلف والضمير في غيره للخاتم وهو من صيغ العموم إذ هو اسم جنس أضيف أي ونزع غير الخاتم من كل حائل في يد أو غيرها ، ويندرج فيه ما يجعله الرماة وغيرهم في أصابعهم من عظم ونحوه ، وما يزين به النساء وجوههن وأصابعهن من النقط الذي له جسد وما يكثرن به شعورهن من الخيوط وما يكون في شعر المرأة من حناء أو حنتيت أو غيرهما مما له تجسد أو ما يلصق بالظفر أو بالذراع أو غيرهما من عجين أو زفت أو شمع أو نحوها وكونه لم يذكر من هذه الأشياء معينة في هذا المختصر دليل على صحة هذا الضبط وإرادة هذا العموم أو بعضه ولا سيما الحناء فإنه سكت عن تعيينه مع كونه في المدونة ومختصر ابن الحاجب ومشاهير الكتب ، وما كان هكذا لا يسكت عنه غالبا إلا إذا أدرجه في عموم .

( فإن قلت ) لما تحدث ابن رشد على الخاتم في رسم مساجد القبائل من سماع ابن القاسم ذكر فيمن توضأ وقد لصق بظفره أو بذراعه الشيء اليسير من العجين أو القير أو الزفت قولين وقال : الأظهر منهما تخفيف ذلك على ما قاله أبو زيد بن أبي أمية في بعض روايات العتبية ومحمد بن دينار في المدونة خلاف قول ابن القاسم في المدونة وقول أشهب في بعض روايات العتبية . .

( قلت ) لا خفاء أن هذا في اليسير بعد الوقوع وأما ابتداء فلا بد من إزالته ، وكون ابن رشد ذكر هذا الفرع عند الكلام على الخاتم مما يؤيد ما حملنا عليه لفظ المؤلف انتهى .

( قلت ) لا خفاء أن ما ذكره هو أحسن ما يحمل عليه كلام المصنف وفي كلام البساطي إشارة إلى ذلك ، وأما كون كلام المصنف مخالفا لما استظهره ابن رشد فلا حاجة إلى الاعتذار عنه ; لأنه قد صرح ابن رشد بأن ما استظهره خلاف قول ابن القاسم في المدونة وقد صرح صاحب الطراز بأن قول ابن القاسم هو الصحيح المشهور ، وقال أيضا : إنه المذهب وقد صرح غير واحد بأنه المشهور [ ص: 200 ] قال في الطراز في باب ترتيب الوضوء وموالاته : أما حكم اللمعة فالصحيح المشهور من المذهب وجوب الإيعاب وأنه إن ترك لمعة من مفروضاته لم يجزه وهو قول الشافعي وحكى الباجي عن محمد بن دينار فيمن لصق بذراعيه قدر الخيط من العجين وغيره فلا يصل الماء إلى ما تحته فيصلي بذلك لا شيء عليه . قال وقال ابن القاسم : عليه الإعادة . ووجه المذهب قوله تعالى { فاغسلوا وجوهكم } وهذا لم يغسل وجهه وإنما غسل وجهه إلا لمعة وقوله صلى الله عليه وسلم { أسبغوا الوضوء } وقوله لمن ترك قدر ظفر على رجله { أعد الوضوء والصلاة } ووجه القول الثاني أن اسم الغسل يثبت بدون ذلك ; لأنه لو سقط من الرأس في مسحه هذا القدر لأجزاه ، فكذلك الوجه فإن الكل من أعضاء الطهارة واغتفار ذلك القدر بين الأصابع والخاتم انتهى . وما ذكره في ترك اليسير من المسح على خلاف المشهور كما سيأتي وكذا ما ذكره فيما بين الأصابع من عدم وجوب تخليل الأصابع ، وقال ابن ناجي في شرح الرسالة واختلف المذهب إذا كانت لمعة يسيرة كالخيط الرقيق من العجين والمشهور اغتفاره ذكره في باب جامع في الصلاة ، وقال في شرح المدونة : إن الفتوى عندهم به وصرح البرزلي أيضا بأنه المشهور وسيأتي لفظه .

( تنبيه ) قول ابن غازي يندرج في قول المصنف ونقض غيره ما يجعله الرماة وغيرهم في أصابعهم من عظم ونحوه يريد - والله تعالى أعلم - إذا كان ذلك ضيقا يمنع من وصول الماء إلى ما تحته ، وأما إن كان واسعا يدخل الماء تحته فتكفي إجالته ، وهذا يؤخذ من كلام ابن غازي فإنه إنما فرض المسألة فيما هو حائل فقال : أي ونقض غير الخاتم من كل حائل في يد أو غيرها فتأمله والله أعلم .

( فرع ) يؤيد ما تقدم قول البرزلي في أوائل مسائل الطهارة عن السيوري يزال القذي من أشفار العين إذا لم يشق جدا ، قال البرزلي : فإن صلى به وكان يسيرا مثل خيط العجين والمداد فيه قولان المشهور فيه الإعادة وأحفظ لابن دينار أنه مغتفر انتهى .

( فرع ) نقل البرزلي أيضا عن بعض المتأخرين فيمن صلى ثم وجد في عينه عمشا أنه قال : صلاته صحيحة إن شاء الله تعالى إن دلك عينيه بيديه في وضوئه ، ويحتمل أنها صارت بعد الصلاة انتهى . ذكره في موضعين .

( قلت ) والظاهر أن هذا ليس خاصا بالقذى ، بل كل حائل حكمه كذلك وإذا وجد بعد الوضوء وأمكن أن يكون طرأ بعد الوضوء فإنه يحمل على أنه طرأ بعد الوضوء وهذا جار على المشهور فيمن رأى في ثوبه منيا فإنه إنما يعيد من آخر نومة نامها ، والقذى مقصور وأشفار العين تقدم الكلام عليها .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث