الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

ص ( وسواك وإن بأصبع ) ش يعني أن من فضائل الوضوء السواك والسواك بكسر السين المهملة يطلق على الفعل وعلى العود الذي يتسوك به وهو مذكر ، وقال الليث : إن العرب تؤنثه أيضا ، قال الأزهري : هذا من عدد الليث أي أغاليطه القبيحة وذكر صاحب المحكم أنه يذكر ويؤنث قاله النووي في شرح مسلم قال : والسواك مصدر ساك فمه يسوكه سوكا ، فإن قلت استاك لم تذكر الفم ، وجمع السواك سوك بضمتين ككتاب وكتب ، وذكر صاحب المحكم أنه يجوز سؤك بالهمز [ ص: 264 ] ثم قيل : إن السواك مأخوذ من ساك إذا دلك وقيل : من قولهم جاءت الإبل تساوك أي تتمايل هزالا ، والسواك في اصطلاح العلماء استعمال عود أو نحوه في الأسنان لتذهب الصفرة وغيرها عنها والله تعالى أعلم . والكلام في حكمه ، ووقته ، وآلته ، وكيفيته . أما حكمه فالمعروف في المذهب أنه مستحب قال ابن عرفة : والأظهر أنه سنة لدلالة الأحاديث على مثابرته صلى الله عليه وسلم وإظهاره والأمر به انتهى . كذا رأيته في نسختين من ابن عرفة على مثابرته صلى الله عليه وسلم ، ولعله سقط منه لفظة عليه ، والمثابرة بالثاء المثلثة والباء الموحدة المواظبة ، ولا شك أن الأحاديث الواردة في الأمر به والمواظبة عليه كثيرة منها حديث أبي هريرة رضي الله عنه { لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة } متفق عليه ومجمع على صحة إسناده رواه البخاري من حديث مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة في كتاب الصلاة ، ورواه مسلم في كتاب الطهارة من حديث سفيان بن عيينة عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة ، ورواه أبو داود والنسائي في الطهارة وابن ماجه في الصلاة .

قال النووي : وغلط بعض الأئمة الكبار فزعم أن البخاري لم يخرجه وهو خطأ منه ، وليس هذا الحديث في الموطإ من هذا الوجه بهذا اللفظ بل هو من حديث ابن شهاب عن حميد عن أبي هريرة أنه قال : { لولا أن يشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء } ولم يصرح برفعه . قال ابن عبد البر : وحكمه الرفع وقد رواه الشافعي عن مالك مرفوعا وفي الموطإ من حديث أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة { لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك } ذكره قبل أبواب الأذان . قال الباجي : قوله { لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك } على ما علمتم من إشفاقه صلى الله عليه وسلم على أمته ورفقه بهم وحرصه على التخفيف عنهم ، والمراد بالأمر هنا أمر الوجوب واللزوم دون الندب فهو ندب صلى الله عليه وسلم إلى السواك وليس في الندب إليه مشقة ; لأنه إعلام بفضيلته واستدعاء لفعله لما فيه من جزيل الثواب ، وقال من حديث ابن شهاب قوله : { مع كل وضوء } يقتضي أن الأمر بالسواك مع كل وضوء امتنع لأجل المشقة فهذا يثبت بهذا الحديث ويثبت بحديث الأعرج الامتناع عن الأمر به في الجملة لأجل المشقة انتهى . وقال في الإكمال : لا خلاف أنه مشروع عند الوضوء والصلاة مستحب فيهما وأنه غير واجب لنصه أنه لم يأمر به إلا ما ذكر عن داود أنه واجب بظاهر قوله عليه الصلاة والسلام { عليكم بالسواك } وقوله عليه الصلاة والسلام { استاكوا } وهذا الحديث يرد عليه ويفسر ما احتج به ، وقال النووي ثم إن السواك سنة ليس بواجب في حال من الأحوال لا في الصلاة ولا في غيرها بإجماع من يعتد به في الإجماع وقد حكى الشيخ أبو حامد عن داود أنه أوجبه للصلاة ، وقال الماوردي هو عنده واجب ولو تركه لم تبطل صلاته .

وحكي عن إسحاق أنه قال : إنه واجب وإن تركه عمدا بطلت صلاته . قال : وقد أنكر أصحابنا المتأخرون على الشيخ أبي حامد وغيره نقل الوجوب عن داود وقالوا : إن مذهبه أنه سنة كالجماعة ولو صح إيجابه عن داود لم يضر مخالفته في انعقاد الإجماع على المختار الذي عليه المحققون ، وأما إسحاق فلم يصح هذا الحكم عنه انتهى . ثم قال : والسواك مستحب في جميع الأوقات ولكنه في خمسة أوقات أشد استحبابا أحدها عند الصلاة سواء كان متطهرا بماء أو بتراب أو غير متطهر كمن لم يجد ماء ولا ترابا ، الثاني عند الوضوء ، الثالث عند قراءة القرآن ، الرابع عند الاستيقاظ من النوم ، الخامس عند تغير الفم ، وتغيره يكون بأشياء : منها ترك الأكل والشرب ، ومنها أكل ما له رائحة كريهة ، ومنها طول السكوت ، ومنها كثرة الكلام انتهى . وقال في الذخيرة : وأما وقته فقال في الطراز : يستاك قبل الوضوء ويتمضمض بعده ليخرج الماء ما ينثره السواك ، ولا يختص السواك بهذه الحالة بل [ ص: 265 ] في الحالات التي يتغير فيها الفم كالقيام من النوم أو لتغير الفم لمرض أو جوع أو صمت كثير أو مأكول مغير . قال : وأما آلته فهي عيدان الأشجار ; لأنه سنة النبي صلى الله عليه وسلم وسنة السلف الصالحين أو بأصبعه إن لم يجد ، ويفعل ذلك مع المضمضة ; لأنه يخفف القلح والقلح صفرة الأسنان .

فإن استاك بأصبع حرشاء من غير ماء فحكى صاحب الطراز فيه قولين للعلماء ، ويتجنب من السواك ما فيه أذى للفم كالقصب فإنه يجرح اللثة ويفسدها وكالريحان ونحوه مما يقول الأطباء فيه فساد ، وقد نص على ذلك جماعة من العلماء انتهى . ولفظ الطراز : يستاك قبل وضوئه حتى إذا تمضمض بعده أخرج الماء ما ينثره السواك ، وفي المجموعة : ولا بأس بالاستياك بعد الوضوء ، كأنه رأى أنه لا يختص بالوضوء انتهى . ونقله الشارح في الكبير ثم قال سند : فمن لا يستاك بعود ومر أصبعه على أسنانه في مضمضة قام ذلك مقام السواك الخفيف ; لأنه يؤثر زيادة على محض التمضمض في التنظف . قال ابن عرفة : وهو باليمنى أولى . وقال : روى ابن العربي عن مالك أنه يكون بقضب الشجر . قال : وأفضلها الأراك قال : وضعف كراهية بعضهم بذي صبغ للتشبه بالنساء لجواز الاكتحال وفيه التشبه بهن . قال : وفي رده نظر ; لأن مالكا كره الاكتحال للتشبه بهن . قال : وفي إجزاء غاسول تمضمض به عنه قولا ابن العربي وبعض المتأخرين ، وكرهه ابن حبيب بعود الرمان والريحان قال : وفي سماع ابن القاسم من لم يجد سواكا فأصبعه يجزئ زاد الأبي فإن لم يجد واستاك بها فلا يدخلها الإناء خوف إضافة الماء ، وهذا يدل على أنه يستاك باليمنى وكرهه بعضهم بالشمال ; لأنها مست الأذى وقال الشيخ زروق في شرح قول الرسالة : وإن استاك بأصبعه فحسن يعني مع المضمضة برفق ليكون ذلك كالدلك ، وقد روي بأصبعيه بالإفراد يعني السبابة ، وبالتثنية يعني مع الإبهام وكل صحيح وهو باليمنى وقيل : باليسرى . وليتق في ذلك أن يكون بقوة ; لأنه يزيد في البلغم ويضيف الماء بما ينقلع منها وربما أجرى دما أو أثار رائحة كريهة .

وفي سماع أشهب استحباب غسلها مما عسى أن يكون بها خلافا لابن عبد الحكم فإن أدخلها قبل غسلها فقال مالك : لا بأس به واستخفه ليسارة ما عليها ذكره الشبيبي وغيره انتهى من الشيخ زروق وقال في التوضيح في قول ابن الحاجب ولو بأصبعه : يعني أنه بغير الأصبع أفضل ولكنه يجزئ بالأصبع وما ذكره من أرجحية غير الأصبع فالأمر عليه عند أهل المذهب ، وظاهر كلام أبي محمد أن الأصبع كغيره انتهى كلام التوضيح قال ابن عرفة . اللخمي : والأخضر للمفطر أولى وظاهر التلقين هما له سواء انتهى . قال في التوضيح : وفضل الأخضر لكونه أبلغ في الإنقاء . قال ابن حبيب : ويكره بعود الرمان والريحان انتهى .

وقال في المغني : وأفضل ما يستاك به عود الأراك وكونه بيده اليمنى وأن يكون إبهامه تحت العود والسبابة فوق والثلاثة الباقية من أسفل انتهى . وهذا بعيد فانظره ، وقال النووي ويستحب أن يستاك بعود من أراك ، وبأي شيء استاك مما يزيل التغير حصل الاستياك كالخرقة الخشنة والسعد والأشنان ، وأما الأصبع فإن كانت لينة لم يحصل السواك وإن كانت خشنة حصل بها السواك . قال : والمستحب أن يستاك بعود متوسط لا شديد اليبس يجرح ولا رطب لا يزيل ، ويستحب أن يستاك عرضا ولا يستاك طولا لئلا يدمي لحم أسنانه فإن خالف واستاك طولا حصل السواك مع الكراهة ، ويستحب أيضا أن يمر السواك على أطراف أسنانه وكراسي أضراسه وسقف حلقه إمرارا لطيفا ، ويستحب أن يبدأ في سواكه بالجانب الأيمن من فمه ولا بأس باستعمال سواك غيره بإذنه ، ويستحب أن يعود الصبي السواك ليعتاده انتهى .

وقالوا في الذخيرة وأما كيفيته فيروى عنه عليه الصلاة والسلام [ ص: 266 ] { واستاكوا عرضا وادهنوا غبا } أي يوما بعد يوم { واكتحلوا وترا } فالسواك عرضا أسلم للثة من التقلع والادهان إذا كثر يفسد الشعر ، ثم قال : والسواك وإن كان معقول المعنى فعندي ما عرا عن شائبة تعبد من جهة أن الأسنان لو استعمل المغسولات لجلائه عوضا عن العيدان لم يأت بالسنة انتهى .

قال في المدخل : وإذا أراد أن يستاك بسواكه غسله إلا أن يكون عند فراغه من السواك الأول غسله انتهى . والأطيب للنفس غسله مطلقا إلا أن يكون بين ثيابه أو بموضع تطيب به نفسه والله تعالى أعلم .

( تنبيه ) ورد في صحيح مسلم { عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها سئلت بأي شيء يبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل بيته فقالت بالسواك } قال في الإكمال : معناه تكراره لذلك ومثابرته عليه وأنه كان لا يقتصر فيه في نهاره وليله على المرة الواحدة بل على المرار المكررة ، وخص بذلك دخوله بيته ; لأنه مما لا يفعله ذوو المروءة بحضرة الجماعة ولا يجب عمله في المسجد ولا في المجالس الحفلة انتهى . ورد الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد هذا المعنى بحديث أبي موسى رضي الله عنه قال { أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يستاك وطرف السواك على لسانه يقول أع أع والسواك في فيه كأنه يتهوع } وقال : إن بعضهم ترجم على هذا الحديث باستياك الإمام بحضرة رعيته ورجح هذا المعنى ، وأن السواك من باب العبادات والقرب فلا يطلب إخفاؤه والله أعلم ، وقوله : وإن بأصبع ظاهره سواء كان السواك بالأصبع في مضمضة أو كان من غير ماء ، فالأول قال سند يقوم مقام السواك الخفيف ; لأنه يؤثر زيادة على محض المضمضة في التنظيف انتهى . والثاني قال سند ولابن الصباغ فيه خلاف ، وقال بعض أهل العراق : ذلك سواك ، وأنكره غيره وقال ليس الأصبع بأن يكون سواكا للسن بالأولى من أن يكون السن سواكا للأصبع انتهى .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث