الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

وكذلك اختلفوا في دخول الكنيف بالخاتم فيه ذكر الله تعالى ، انتهى . فلم يحك عن مالك إلا الجواز وقال في المدخل في فصل قدوم المريد من السفر ولأن الشارع لم يمنع من ذكر الله تعالى في حال من الأحوال إلا في موضع الخلاء فإنه يكره ولا بأس بذكر الله هناك للارتياع وما يشبهه وليس بمكروه ، وقال الجزولي في شرح الرسالة : هل يجوز نقش اسم الله تعالى في الخاتم ؟ والمشهور الجواز وقيل : لا يجوز ، والأول هو الصحيح ، واختلف هل يستنجي به في يده ؟ قولان قيل : يجوز ، وهذه قولة عن مالك ، وأباح ذلك في العتبية ، وكذلك يكره أن يدخل بيت الخلاء بخاتم فيه اسم الله تعالى أو يصر الدراهم في خرقة منجوسة والخلاف في هذا كله . انتهى ، وقال في الطراز لما تكلم على آداب الاستنجاء وجوز مالك أن يدخل الخلاء ومعه الدينار والدرهم وإن كان مكتوبا عليه اسم الله تعالى وقال عنه ابن القاسم في العتبية : إنه يستخف في الخاتم الاستنجاء به ، قال ولو نزعه كان أحب إلي وفيه سعة ولم يكن من مضى يتحفظون من هذا ، قال ابن القاسم : وأنا أستنجي به وفيه ذكر الله تعالى ، قال ابن حبيب : أكره له ذلك وليحوله في يمينه ، وهذا حسن وقد كره مالك أن يعامل أهل الذمة بالدنانير والدراهم التي فيها اسم الله تعالى ، وفي الترمذي عن أنس { أنه عليه الصلاة والسلام [ ص: 273 ] كان إذا دخل الخلاء وضع خاتمه } . انتهى .

ونقله في الذخيرة وفي رسم الشريكين من سماع ابن القاسم من كتاب الطهارة وسألت مالكا عن لبس الخاتم فيه ذكر الله تعالى يلبس في الشمال وهل يستنجى به ؟ قال مالك أرجو أن يكون خفيفا قال ابن رشد قوله : أرجو أن يكون خفيفا يدل على أنه عنده مكروه وإن نزعه أحسن ، وكذلك فيما يأتي في رسم مساجد القبائل من هذا السماع وفي رسم الوضوء والجهاد من سماع أشهب ومثله لابن حبيب في الواضحة ووجه الكراهية فيه بين ; لأن ما كتب فيه اسم الله تعالى من الحروز يجعل له خرقة ، وقد قال مالك رحمه الله تعالى في كتاب التجارة إلى أرض الحرب : إني لأعظم أن يعمد إلى دراهم فيها ذكر الله تعالى فيعطاها نجسا وأعظم ذلك إعظاما شديدا وكرهه ، وقول ابن القاسم في رسم مساجد القبائل : وأنا أستنجي بخاتمي وفيه ذكر الله تعالى ليس بحسن من فعله ويحتمل أن يكون إنما فعله ; لأنه عض بأصبعه فيشق عليه تحويله إلى اليد الأخرى كلما دخل الخلاء واحتاج إلى الاستنجاء فيكون إنما تسامح فيه لهذا المعنى وهو أشبه بورعه وفضله ، انتهى . والذي في رسم مساجد القبائل قيل له : أستنجي به وفيه ذكر الله تعالى ؟ فقال : ذلك عندي خفيف ولو نزعه لكان أحسن وفي هذا سعة وما كان من مضى يتحفظ في مثل هذا ولا يسأل عنه قال ابن القاسم وأنا أستنجي بخاتمي وفيه ذكر الله تعالى قال ابن رشد قد مضى الكلام عليه في رسم الشريكين وقال في أواخر رسم الوضوء والجهاد من سماع أشهب : سئل مالك عن الخاتم فيه ذكر الله تعالى منقوش عن الاستنجاء فقال : إن نزعه فحسن وما سمعت أحدا انتزع خاتمه عند الاستنجاء فقيل له : فإن استنجى وهو في يديه ؟ فقال : لا بأس ، قال ابن رشد : قد مضى الكلام عليه في رسم الشريكين وفي آخر سماع سحنون من كتاب الصلاة .

وسئل ابن القاسم عن الرجل يعطس وهو يبول أو على حاجة يقول الحمد لله قال نعم قال ابن رشد قد روي عن ابن عباس أنه يكره ذكر الله على حالتين على خلائه وهو يواقع أهله والدليل لقول ابن القاسم ما روي من جهة الأثر { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل الخلاء قال : أعوذ بك من الخبث والخبائث } وما روي عن عائشة قالت : { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الله في أحيانه } ومن طريق النظر إن ذكر الله يصعد إلى الله فلا يتعلق به من دناءة الموضع شيء قال الله تعالى : { إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه } فلا ينبغي أن يمنع من ذكر الله تعالى على كل حال من الأحوال إلا بنص ليس فيه احتمال ، ومن ذهب إلى ما روي عن ابن عباس تأول قوله إذا دخل الخلاء على معنى إذا أراد وأطلق أن ذلك موجود في بعض الآثار وإن ثبت ذلك فأكثر ما فيه ارتفاع النص في جواز ذكر الله تعالى على تلك الحال لا المنع من ذلك وإذا لم يثبت المنع فيه وجب أن يبقى على الأصل في جواز الذكر عموما وما روي من { أنه صلى الله عليه وسلم سلم عليه رجل وهو يبول ، فقال : إذا رأيتني على هذه الحالة فلا تسلم علي فإنك إن فعلت لم أرد عليك } لا دليل فيه على أن ذكر الله تعالى لا يجوز على تلك الحال .

وقد يحتمل عدم رد السلام عليه في تلك الحال بعد أن نهاه أدبا له على مخالفته لكونه على تلك الحال أو لكونه على غير طهارة على ما كان في أول الإسلام أنه لا يذكر الله تعالى إلا على طهارة حتى نسخ ذلك . انتهى ، وقال في نوازله في كتاب الجامع ، وإذا كان في خاتمه بسم الله فالأحسن أن يحوله عند الاستنجاء على يمينه فإن لم يفعل فالأمر واسع ، انتهى . وقال في الطراز : لما عد الآداب ويستحب أن لا يكلم أحدا حال جلوسه ولا يرد على من سلم عليه ; لما روي { أنه عليه الصلاة والسلام مر عليه رجل وهو يبول فسلم عليه فلم يرد عليه } رواه الترمذي وأبو داود وهذا يقتضي أن لا يشمت عاطسا ولا يحمد [ ص: 274 ] إن عطس ولا يحاكي مؤذنا ، ونقله عنه في الذخيرة وذكر في آخر الفروق أنه يكره الدعاء في مواضع النجاسات والقاذورات ، انتهى . وقال في الجواهر لما عد الآداب وأن يترك التشاغل بالحديث وإنشاد الشعر عند قضاء الحاجة وأحرى أن لا تجوز القراءة ، وقال في المدخل : لما عد الخصال المطلوبة الثانية والعشرون لا يسلم على أحد ولا يسلم عليه أحد فإن سلم فلا يرد عليه وقال في العمدة لابن عسكر : ومن أراد ذلك يعني قضاء الحاجة في الخلاء فلينزع ما عليه اسم الله تعالى ونحوه في الإرشاد له ، ونقل الشارح في شرح قول المصنف وبكنيف نحى ذكر الله أن في الاستذكار نحوه وأنه لا فرق بين كونه مكتوبا في رقاع أو منقوشا في خاتم ونحوه .

وقال البرزلي في مسائل الجهاد في أثناء كلامه وأما قراءة القرآن أو الذكر في المواضع الدنسة بنجاسة أو قذارة فينبغي أن ينزه ذكر الله تعالى عن ذلك ومن أجاز دخول الخلاء مستصحبا معه ما فيه ذكر الله أو أن يذكر الله تعالى فيه أو يجيز الاستنجاء بالخاتم الذي فيه ذكر الله تعالى لقوله تعالى { إليه يصعد الكلم الطيب } فلا يبعد جوازه انتهى .

( قلت ) فهذا ما وقفت عليه من النقول في هذه المسألة ولا بد من تلخيصه وتحصيله على حسب ما فهمته ليقرب للفهم واعلم أنه لا ينبغي أن يختلف في استحباب ترك الذكر والقراءة من غير ضرورة في ذلك الموضع ولا في استحباب ترك الدخول إليه بكل ما فيه ذكر الله ، وأن الجواز إذا أطلق في ذلك المعنى أنه ليس فيه كراهة شديدة لا أنه مستوي الطرفين أعني فعله وتركه ; لأنه سيأتي أن السكوت مستحب عن كل كلام إذا علم ذلك فيتحصل في الذكر في ذلك الموضع والقراءة فيه ، والدخول إليه بما فيه ذكر أو شيء من القرآن قولان بالجواز والمنع ، أما الجواز فهو الذي يفهم من كلام ابن رشد في سماع سحنون ومن اعتذاره عن ابن القاسم في رسم الشريكين بأنه يشق عليه تحويله إلى اليد اليمنى كلما دخل الخلاء ومن كلام عياض في الإكمال ومن كلام صاحب الطراز ومن كلام البرزلي .

وأما المنع فهو الذي يفهم من كلام المصنف ومن وافقه ; لأنه المشهور وإذا قلنا به فهل معناه الكراهة أو التحريم ؟ أما الذكر فيه والدخول إليه بما فيه ذكر أو قرآن فالذي يفهم من كلام ابن رشد وعياض وصاحب الطراز أن المنع عند من يقول به إنما معناه الكراهة وهو صريح كلام الجزولي وصاحب المدخل والذي يتبادر للفهم من كلام ابن عبد السلام والمصنف في التوضيح والشارح أن المنع على التحريم وهو غير ظاهر ، إذ ليس في كلام أحد من المتقدمين ما يوافقه وهم لم يصرحوا بالتحريم فيتعين حمل كلامهم على الكراهة ليوافق كلام المتقدمين وأما قراءة القرآن فقد صرح في الجواهر بعدم جوازها في ذلك الموضع وهو الظاهر وقد كرهوا القراءة في الطريق ليتعين حمل المنع على ظاهره ولا شك أن الذكر هنا أشد كراهة من إدخال ما فيه ذكر وهذا حيث لا تدعو الضرورة إلى ذلك ، وأما إذا دعت الضرورة إلى ذلك فقد تقدم في كلام صاحب المدخل أنه يجوز الذكر هناك للارتياع من غير كراهة وعلى هذا فمن كان معه حرز وهو يخاف من مفارقته إياه فيجوز له أن يستصحبه معه من غير كراهة لا سيما إن كان محروزا عليه ، وهذا ظاهر فإنهم أجازوا حمله للمحدث وللجنب وهما ممنوعان من مس القرآن وحمله ، وأما من لا يخاف على نفسه فيكره إدخاله معه اللهم إلا أن يخشى عليه الضياع فيجوز .

( تنبيه ) قال ابن الجوزي فيما علقه على كتابه الحصن الحصين : الذكر عند نفس قضاء الحاجة ونفس الجماع لا يكره بالقلب بالإجماع وأما الذكر باللسان حالته فليس مما شرع لنا ولا ندبنا إليه ولا نقل عن أحد من الصحابة بل يكفي في هذه الحالة الحياء والمراقبة وذكر نعم الله تعالى في إخراج هذا القذر المؤذي الذي لو لم يخرج لقتل صاحبه وهو من أعظم الذكر ولو لم يقل باللسان انتهى .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث