الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في بيان حكم الحيض والنفاس

جزء التالي صفحة
السابق

ص ( وإن تقطع طهر لفقت أيام الدم فقط على تفصيلها ثم هي مستحاضة وتغتسل كلما انقطع وتصوم وتصلي وتوطأ ) .

ش تقدم أن اليوم الذي ترى فيه الدم ولو دفعة واحدة تحسبه يوم دم [ ص: 370 ] وأنها تغتسل كلما انقطع عنها الدم وتصلي وتوطأ وتصوم واليوم الذي لا ترى فيه الدم ولا تقضيه ، والله أعلم ، وإنما نبه المصنف على الصوم والوطء فقط لما تقدم أن الرجراجي استشكل صحة الصوم وتقدمت نصوص المذهب في ذلك ولقول صاحب الإرشاد لا توطأ وتقدم أنه غير معروف في المذهب .

ص ( والمميز بعد طهر ثم حيض )

ش : في العبادة اتفاقا وفي العدة على المشهور .

ص ( ولا تستظهر على الأصح )

ش : هو قول مالك وابن القاسم وأصبغ ومقابله لابن الماجشون هكذا ذكر في التوضيح وقال ابن فرحون في شرحه قال في التوضيح : القائل بعدم الاستظهار ابن الماجشون واعترض عليه ذلك ولعل ذلك تصحيف في نسخته من التوضيح والموجود في التوضيح ما ذكرنا .

( فرع ) قال ابن جماعة في فرض العين : فإذا انقطعت الاستحاضة استأنفت طهرا تاما ، ولا تلفق الاستحاضة مع الطهرين ، انتهى .

يريد إلا إذا ميزت الدم كما سيأتي وقال ابن عرفة : ومنقطع دم الاستحاضة بطهر غير تام كمتصله ، انتهى .

ونقل ذلك ابن فرحون عن ابن راشد في شرح قول ابن الحاجب ومتى انقطع دمها استأنفت طهرا تاما ما لم تميز فقال : يريد إذا انقطع دم الاستحاضة ثم عاودها الدم نظرت ، فإن مضى بين انقطاعه وعودته مقدار طهر تام على الخلاف المتقدم يعني في مقدار الطهر فالثاني حيض مؤتنف وإلا ضم لما قبله وكان دم استحاضة إلا إن تميز أنه دم حيض فيحكم لها بابتداء حيضة ، انتهى كلام ابن رشد .

ولا بد أن يكون التمييز بعد طهر تام لكن تلفق فيه أيام الاستحاضة إلى أيام النقاء كما يفهم ذلك من بقية كلام ابن فرحون فانظره وهو ظاهر ، والله تعالى أعلم . وحمل المصنف في التوضيح كلام ابن الحاجب هذا على أن المراد به إذا ميزت المستحاضة الدم وتكلف في توجيهه تكلفا كبيرا وهو تابع لابن عبد السلام .

ص ( والطهر بجفوف ، أو قصة )

ش : قال في المدونة : والجفوف أن تدخل الخرقة فتخرجها جافة ، قال في التوضيح أي : ليس عليها شيء من الدم .

( قلت ) يريد ولا من الصفرة والكدرة ولا يريد أنها جافة من الرطوبة بالكلية بل المراد أن تكون جافة من الدم والصفرة والكدرة ; لأن فرج المرأة لا يخلو عن الرطوبة غالبا ، والقصة ما يشبه ماء الجير من القص وهو الجير ، وقيل : يشبه ماء العجين ، وقيل : شيء كالخيط الأبيض وروى ابن القاسم شبه البول وروى [ ص: 371 ] على شبه المني قال ابن ناجي ، قال ابن هارون : ويحتمل عندي أن يختلف باعتبار النساء واعتبار أسنانهن وباختلاف الفصول والبلدان وقال في الطراز : يجوز أن يكون ذلك يختلف إلا أن الذي يذكره بعض النساء أنه شبه المني .

ص ( وهي أبلغ لمعتادتها )

ش : كلامه - رحمه الله تعالى - يقتضي أن من لم تكن معتادة بالقصة فلا تكون أبلغ في حقها والمنقول عن ابن القاسم رحمه الله أن القصة أبلغ من الجفوف من غير تقييد وعن ابن عبد الحكم أن الجفوف أبلغ من غير تقييد فمن كانت معتادة بهما تنتظر القصة عند ابن القاسم والجفوف عند ابن عبد الحكم ، ومن كانت معتادة بأحدهما ورأت عادتها طهرت به اتفاقا ، وإن رأت خلاف عادتها ، فإن كانت معتادة بالأبلغ ورأت غيره انتظرت عادتها ، وإن كانت معتادة بالأضعف ورأت الأبلغ طهرت فمعتادة القصة إذا رأت الجفوف انتظرت القصة عند ابن القاسم ، ولا تنتظرها عند ابن عبد الحكم ومعتادة الجفوف إذا رأت القصة لا تنتظر الجفوف عند ابن القاسم وتنتظره عند ابن عبد الحكم نص على ذلك اللخمي والمازري وصاحب الجواهر قال اللخمي في تبصرته : قيل : الجفوف أبرأ من القصة فتبرأ به من عادتها القصة ، ولا تبرأ بالقصة من عادتها الجفوف وقيل عكس ذلك أن القصة أبرأ وهو أحسن ، وقال المازري : ذهب ابن القاسم إلى أن القصة أبلغ فتطهر معتادة الجفوف عنده بالقصة ; لأنها وجدت ما هو أبلغ ، ولا تطهر معتادة القصة بالجفوف ; لأنها تترك عادتها لما هو أضعف وقال ابن عبد الحكم بعكس هذا فتطهر معتادة القصة به ، ولا تطهر معتادته بالقصة وقال في الجواهر : روى ابن القاسم أن القصة أبلغ من الجفوف وقال ابن عبد الحكم : الجفوف أبلغ وثمرته حكم من رأت غير عادتها منهما فالمعتادة الجفوف لا تنتظره على رواية ابن القاسم ومعتادة القصة تنتظرها وتنتظره معتادة عند ابن عبد الحكم ولا تنتظرها معتادتها ، انتهى .

إذا علم ذلك فكلام المصنف يفهم منه أن من كانت معتادة بهما انتظرت القصة ، وكذلك من كانت معتادة بالقصة فقط تنتظرها إذا رأت الجفوف ، وأما من كانت معتادة بالجفوف ورأت القصة فلا يفهم من كلامه حكمها بل يفهم من كلامه أن القصة ليست في حقها أبلغ ويحتمل أن يقال : تكتفي بما رأته ، أو تنتظر علامتها ، وقد علمت أن المنصوص أنها تطهر بذلك وهو ظاهر ; لأن القصة أبلغ .

( تنبيه ) وقع في كلام ابن فرحون في شرح ابن الحاجب ما نصه : لم يختلف ابن القاسم وابن عبد الحكم فيما إذا كانت عادتها إحدى العلامتين القصة أو الجفوف ثم رأت الأخرى أنها لا تغتسل وتنتظر عادتها ، انتهى .

وهو يوافق ظاهر كلام المصنف على أحد الاحتمالين ، وقد علمت أن المنصوص خلاف ذلك ، والله أعلم .

( فرع ) ويستحب للحائض والنفساء والمستحاضة أن يطيبن فروجهن إذا طهرن ، قاله في أواخر كتاب الحيض من الطراز وذكره في المدخل وبين كيفية ذلك وتقدم التنبيه على ذلك في الغسل .

ص ( وفي المبتدئة تردد )

ش : أشار به لتردد المتأخرين في النقل عن ابن القاسم فنقل الباجي وابن شاس وغيرهما عن ابن القاسم أن المبتدئة لا تطهر إلا بالجفوف قال في التوضيح : صرح ابن شاس بأنها إذا رأت القصة تنتظر الجفوف ، وفي المنتقى نحوه فإنه قال : وأما المبتدئة فقال ابن القاسم وابن الماجشون : ولا تطهر إلا بالجفوف ، وهذا نزوع إلى قول ابن عبد الحكم وفي النكت نحوه ، انتهى كلام التوضيح .

( قلت ) ولم أر في الجواهر التصريح بأنها إذا رأت القصة تنتظر الجفوف ، وإنما رأيت فيها نحو عبارة المنتقى ثم قال في التوضيح : وقال المازري : وافق ابن القاسم على أن المبتدئة إذا رأت الجفوف طهرت ، ولم يقل إذا رأت القصة تنتظر الجفوف فتأمله ثم حكى تعقب الباجي ورده بأن خروج المعتادة عن عادتها ريبة بخلاف [ ص: 372 ] المبتدأة فإنها لم تتقرر في حقها عادة فإذا رأت الجفوف أولا فهو علامة والأصل عدم القصة في حقها فلا معنى للتأخير لأجل أمر مشكوك وما قاله المازري واضح إن كانت صورة المسألة كما ذكر أنها رأت الجفوف ، ولم تر القصة ، وأما إن كان الأمر على ما نقل الباجي وابن الحاجب من أنها رأت القصة وتنتظر الجفوف فإيراد الباجي صحيح فتأمله ، انتهى كلام التوضيح وللأبي نحوه .

( قلت ) وكأنهما لم يتفقا على غير كلام المازري ونقلاه بالمعنى وأسقطا منه بعد قوله خروجها عن عادتها ريبة ما نصه : فلا تنتقل عن عادتها إلى ما هو أضعف فإذا وجدت ما هو أقوى وجب إطراح عادتها ، انتهى .

ولفظ الرواية في النوادر كما ذكر الباجي وكذا ذكرها ابن يونس وصاحب الطراز لكن قال في المقدمات : حكى ابن حبيب عن ابن القاسم ومطرف في المبتدأة أن لا تغتسل حتى ترى الجفوف ثم تعمل على ما يظهر من أمرها ونقل عبد الوهاب في الشرح عنهما أنها إذا رأت الجفوف تطهر به ثم تراعي بعد ما يظهر من أمرها من جفوف أو قصة وقال : إن هذا هو القياس ; لأنهما جميعا علامتان فأيهما وجدت قامت مقام الأخرى ونقله أصح في المعنى وأبين في النظر مما حكى ابن حبيب عنهما ; لأنه كلام متناقض في ظاهره ، انتهى .

وما ذكره عن عبد الوهاب في الشرح يعني به شرح الرسالة وأغفل ابن عرفة كلام عبد الوهاب وكلام ابن رشد ، ولم يذكر كلام المازري جميعه إذا علم ذلك فمعنى قول المصنف وفي المبتدأة تردد أي : هل تكتفي بإحدى العلامتين كما ذكره عبد الوهاب وابن رشد والمازري ، أو تنتظر الجفوف كما ذكر الباجي وغيره ؟ وقد علمت أن ما ذكره عبد الوهاب أصح كيف ، وقد تقدم عن ابن القاسم أن معتادة الجفوف إذا رأت القصة اكتفت بها ، ولا تنتظر الجفوف مع أنها معتادة به فتأمله ، والله تعالى أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث