الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

ص ( وهو مثنى )

ش : قال الشارح : أي مثنى التكبير لا مربع التكبير كما يقوله المخالف انتهى .

( قلت ) وظاهر كلام المصنف أنه راجع لجميع جمل الأذان كما قال في الإقامة : مفردة بدليل قوله : ولو " الصلاة خير من النوم " ، وعلى هذا فكان حقه أن يستثني الجملة الأخيرة أعني قوله في آخر الأذان : لا إله إلا الله ، كما قال ابن عرفة مثنى الجمل إلا الجملة الأخيرة انتهى . وقول المصنف : " مثنى " بضم الميم وفتح الثاء المثلثة والنون المشددة من التثنية وليس مفتوح الميم ساكن الثاء ; لأن ذلك معدول من اثنين اثنين فيقتضي أن جمله مربعة ، وهو خلاف المراد ، وتعبيرنا بالجمل أولى من تعبير بعضهم بالكلمات ، قال في الذخيرة : الأذان سبع عشرة جملة ، وقول الأصحاب سبع عشرة كلمة مجاز عبروا بالكلمة عن الكلام ، وإلا فكلماته ثمان وستون كلمة انتهى .

( قلت ) هذا في غير أذان الصبح ويزيد أذان الصبح ثمان كلمات والله تعالى أعلم ، ( فرع ) قال ابن عرفة والمازري لو أوتر الأذان لم يجزه انتهى .

( قلت ) وهو مأخوذ من المدونة قال فيها ، وإن أذن فأخطأ فأقام ساهيا ابتدأ الأذان انتهى . ثم قال ابن عرفة : ولو أراد الأذان فأقام لم يجزه ، وفي العكس قولا مالك وأصبغ انتهى . ونقل قبله عن المازري أنه قال : لو شفع الإقامة غلطا ، فقال بعض أصحابنا يجزئ والمشهور لا يجزئ وعن ابن يونس الأول : لأصبغ انتهى . وقال ابن ناجي في شرح الرسالة ولو أراد أن يؤذن فأقام فإنه لا يجزئه باتفاق انتهى . ولفظ المازري ، قال بعض أصحابنا لو : شفع الإقامة غلطا لأجزأه مراعاة للخلاف ، والمشهور أنه لا يجزئه كما لو أوتر الأذان ، وإن كان الأذان لم يختلفوا في أنه لا يوتر .

( تنبيه ) ، قال صاحب الطراز في شرح مسألة المدونة السابقة : النية معتبرة في الأذان فإن أراد أن يؤذن فغلط فأقام لم يكن ذلك أذانا من حيث الصفة ، ولا ينبغي أن يعتد به إقامة ; لأنه لم يقصد به الإقامة ، وإن أراد أن يقيم فأذن لم يكن ذلك إقامة من حيث الصفة ، ولا ينبغي أن يصلي بغير إقامة ، وقال قبله من أخذ في ذكر الله بالتكبير ثم بدا له عقب ما كبر أن يؤذن فإنه يبتدئ الأذان ، ولم يقل أحد إنه يبنى على تكبيره الذي من غير قصد أذان فبان بذلك أن النية معتبرة فيه انتهى . وقال في الذخيرة : قال في الجلاب : إن أراد الأذان فأقام أو الإقامة فأذن أعاد حتى يكون على نية لفعله فيحتمل أن يريد نية [ ص: 425 ] التقرب ; لأنه قربة من القربات وقد صرح بذلك الأبهري في شرح مختصر ابن عبد الحكم واحتج بأنه قربة فتجب فيه النية ; لقوله عليه الصلاة والسلام : { إنما الأعمال بالنيات } وكذلك صاحب تهذيب الطالب ويحتمل أن يريد نية الفعل ، وهي أعم من نية التقرب لوجودها في المحرمات والمباحات بدون نية التقرب ، وكذلك يقول بعض الشراح يعيد حتى يكون على صواب من فعله ، والأول هو الأظهر من قول الأصحاب ، وقال أبو الطاهر : وقيل : إن أراد الأذان فأقام لا يعيد مراعاة للقول بأنها مثنى ، وهذا مما يؤيد عدم اشتراط نية التقرب فإنه صحح الإقامة مع أنه لم يقصد التقرب بها انتهى .

( فرع ) فإن نسي شيئا من أذانه ، قال في الطراز إن ذكر ذلك بالقرب أعاد من موضع نسي إن كان ترك جل أذانه ، وإن كان مثل : " حي على الصلاة " مرة فلا يعد شيئا ، وإن تباعد لم يعد قل أو كثر ، قاله ابن القاسم وأصبغ ثم قال : لكن ينبغي إن كان ما ترك كثيرا أعاد الأذان ، وإن كان يسيرا أجزأه انتهى . ونقله المازري في شرح التلقين ، ونقله في الذخيرة عنه ، ونقل ابن ناجي في شرح المدونة كلام ابن القاسم وأصبغ عن المجموعة ، ونقل ابن عرفة بعضه ولعل الباقي سقط من نسخة من ابن عرفة .

( فرع ) قال في الذخيرة : قال في الجواهر : إن نكس ابتدأ انتهى . وقال أشهب في المجموعة إن بدأ " بأن محمدا رسول الله " قبل " أشهد أن لا إله إلا الله " فليقل بعد ذلك : أشهد أن محمدا رسول الله ويجزئه انتهى . من ابن ناجي على المدونة ، وقال الفاكهاني في شرح الرسالة من صفات الأذان أن لا ينكسه فإن فعل ابتدأ إذ لا يحصل المقصود منه إلا بترتيبه ولأنه عبادة شرعت على وجه فلا تغير انتهى . وقال المازري في شرح التلقين ، قال بعض أصحابنا : لو قدم الشهادة بالرسالة على الشهادة بالتوحيد أعاد الشهادة بالرسالة فكأنه قيل : إن ما قدم في غير موضعه كالعدم فلا يمنع الاتصال ويعاد لتحصيل الترتيب .

ص ( ولو الصلاة خير من النوم )

ش : يعني أنه يثنيها ، وهذا مذهب المدونة وهو المشهور ومقابله لابن وهب يفردها ، قال في التوضيح والمشهور قولها لمن يؤذن في نفسه انتهى . يشير إلى قول مالك في مختصر ابن شعبان فيمن كان في ضيعة متحيزا عن الناس فترك ذلك أرجو أن يكون في سعة ، وحمله اللخمي على الخلاف ، قال : وهذا القول أحسن ; لأنه إنما يزيد ذلك في الأذان لإمكان أن يسمعه من كان في مضجعه فينشط للصلاة وأما من كان وحده أو معه من ليس بنائم فلا معنى لذلك انتهى . ورده صاحب الطراز ، وقال : هذا فاسد ، فإن الأذان يتبع على ما شرع ألا تراه يقول : حي على الصلاة ، وإن كان وحده وكان ينبغي له أن يستحسن ترك ذلك أيضا ، ولا قائل به ، ثم قال ومجمل ما في المختصر على أنه لا يبطل الأذان بترك ذلك لا أنه ينبغي له تركه انتهى . وهو ظاهر .

( تنبيه ) واختلف في حين مشروعية هذا اللفظ ففي الموطإ { أن المؤذن جاء يؤذن عمر بن الخطاب للصلاة فوجده نائما ، فقال : الصلاة خير من النوم ، فقال له : اجعلها في نداء الصبح ، وقيل : أمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم } رواه أبو داود والنسائي في حديث أبي محذورة قاله في الطراز واقتصر في التوضيح على الثاني ، فقال : واعلم أن قول المؤذن : { الصلاة خير من النوم } صادر عنه عليه الصلاة والسلام ذكره صاحب الاستذكار وغيره ، وقول عمر : اجعلها في نداء الصبح إنكار على المؤذن أن يجعل شيئا من ألفاظ الأذان في غير محله كما ذكر مالك التلبية في غير الحج انتهى . والله أعلم .

ص ( مرجع الشهادتين )

ش : يعني أن من صفة الأذان أن يكون مرجع الشهادتين ، قال في الذخيرة وخالف في ذلك أبو حنيفة محتجا بأن سببه إغاظة المشركين بالشهادتين أو أمره عليه الصلاة والسلام أبا محذورة بالإعادة للتعليم أو أنه كان شديد البغض له عليه الصلاة والسلام فلما أسلم وأخذ في الأذان [ ص: 426 ] ووصل الشهادتين أخفى صوته حياء من قومه فدعاه عليه الصلاة والسلام وعرك أذنه وأمره بالترجيع وقد انتفى السبب وجوابه أن الحكم قد ينتفي سببه ويبقى كالرمل في الحج انتهى . وظاهر كلام المصنف أنه مطلوب ولو تعدد المؤذنون وهذا هو المعروف ، وحكى اللخمي عن مالك قولا أنهم إذا كثروا يرجع الأول خاصة ، وأخذه من قول مالك في سماع أشهب ما أرى كان الأذان إلا على صفة واحدة يثني كلهم فلما كثر المؤذنون خففوا عن أنفسهم فصار لا يثني منهم إلا الأول ، قال صاحب الطراز : وهذا غلط ; لأنه قد نص على أن ذلك مما ابتدع ، لقوله : فلما كثروا خففوا على أنفسهم أي ليس هذا من الأمر القديم ومالك رحمه الله تعالى حكى ما رأى وليس في ذلك أنه ارتضاه حتى يجعل قولا له فضلا أن يجعل تركا لقول قد عرف منه انتهى . بالمعنى مختصرا ، وقال ابن عرفة وابن رشد : مذهب مالك الترجيع . وذكر عياض : التخيير فيه لأحمد لاختلاف الأحاديث المجهول آخرها ، قال وذكر نحوه في هذا الأصل عن مالك ، وما ذكره عن عياض هو في الإكمال فإن ترك الترجيع فيجري على ما تقدم إن ذكر ذلك بالقرب أعاده وما بعده ، وإن طال صح أذانه ولم يعد شيئا ، والله أعلم .

( تنبيه ) الذي يظهر من كلام أصحابنا أن الترجيع اسم للعود إلى الشهادتين ، وكلام ابن الحاجب صريح في ذلك ، وكذلك قال الأبي وغيره ، وللشافعية في ذلك خلاف فقيل : أنه اسم للعود وقيل : لما يأتي به أولا وفسره بعضهم بأنه اسم للمجموع ، وهو ظاهر والله أعلم .

( بأرفع من صوته أولا )

ش : يحتمل أن يريد بأرفع من صوته في الترجيع فقط فيكون التكبير في أول الأذان مرفوعا ويحتمل أن يكون يريد بأرفع من صوته في أول الأذان فيكون التكبير في أول الأذان بغير رفع وكلا الوجهين روي عن مالك ، وتؤولت عليه المدونة ، والأول هو المشهور كما صرح بذلك القاضي عياض وابن الحاجب والأبي وغيرهم ، وقال ابن بشير : أنه الصحيح ، وقال في التوضيح : إن الثاني هو ظاهر المدونة والرسالة والجلاب والتلقين انتهى . ولم يرتض صاحب الطراز أن ذلك ظاهر المدونة واقتصر في الشامل على الأول .

( تنبيه ) اتفق على رفع الصوت بالتكبير في آخر الأذان ، قاله في التوضيح ( تنبيه ) قال في الطراز قال في المدونة ويكون صوته في ترجيع الشهادتين أرفع من الأول يقتضي أنه كان له أول مرة صوت يسمع ، وأنه لا يخفيهما ، وهو صحيح فإنه إنما شرع على وجه الأذان ، وهو الإعلام فلا بد أن يكون على وجه يحصل به الإعلام انتهى ، وقال في التنبيهات : والكل متفقون على أنه ليس بخفض لا يقع به إعلام وإنما هو رفع دون رفع انتهى ، وقال المازري ربما غلط بعض العوام من المؤذنين فيخفي صوته حتى لا يسمع وهذا غلط .

ص ( مجزوم )

ش : كلام المصنف رحمه الله يقتضي أن هذا من الأوصاف الواجبة في الأذان ، وأنه لا يصح بدونه وليس كذلك ، قال ابن عرفة عن المازري : اختار شيوخ صقلية جزم الأذان ، وشيوخ القرويين إعرابه ، والجميع جائز انتهى . ونقله غيره ، وقال في الذخيرة قال في الجواهر : ويجزم آخر كل جملة من الأذان ، ولا يصلها بما بعدها ، ويدمج الإقامة للعمل في ذلك انتهى . وقال في التوضيح : الإقامة معربة ، وقاله غيره وقال ابن فرحون : الإقامة معربة إذا وصل كلمة بكلمة فإن وقف وقف على السكون وأما الأذان فإنه على الوقف ، وقال ابن يونس قال اللخمي : الأذان والتكبير كله جزم ، وقال غيره : وعوام الناس يضمون الراء من " الله أكبر " الأول ، والصواب جزمها ; لأن الأذان سمع موقوفا ، ومن أعرب " الله أكبر " لزمه أن يعرب " الصلاة " " والفلاح " بالخفض انتهى ، ونقله ابن عطاء الله بلفظ لأن الأذان موقوفا سمع إلخ ثم قال ابن أبي زمنين : الأذان موقوف ، ومن حركه فإنما يحرك الراء بالفتح ، قال عياض في المشارق : ويجوز في الراء من " أكبر " [ ص: 427 ] الأول السكون والتحريك بالفتح ، وفي الثاني السكون لا غير ، قال ابن الأنباري وبعض العوام يضمون الراء الأولى ، وإنما هي ساكنة ويجوز تحريكها بالفتح ، وأما الثانية فيجوز فيها الجزم والتحريك بالضم انتهى .

( قلت ) التحريك بالفتح غير ظاهر ; لأنه يحتاج إلى تكلف ، وهو أن يقال : إنه وصل بنية الوقف ثم اختلف فقيل : هي حركة التقاء الساكنين وإنما لم يكسروا حفظا لتفخيم اللام ، وقيل : حركة همزة الوصل نقلت إلى الراء ، قال ابن هشام في المغني : وهذا خروج عن الظاهر من غير داع وليس لهمزة الوصل ثبوت في الدرج فتثبت حركتها ، والله تعالى أعلم .

( تنبيه ) ظاهر ما تقدم أن الخلاف في جمل الأذان كلها ونقل ابن فرحون عن ابن راشد أن الخلاف إنما هو في التكبيرتين الأوليين وأما غيرهما من ألفاظ الأذان فلم ينقل عن أحد من السلف والخلف أنه نطق به إلا موقوفا .

ص ( بلا فصل ولو بإشارة لكلام )

ش : يعني أن الفصل بين كلماته يخرجه عن نظامه فلا يفصل بينهما بكلام ولا سلام ، ولا رده ولو بإشارة لرد سلام أو غيره ولا بغير ذلك ، قال في المدونة ولا يتكلم في أذانه ولا في تلبيته ولا يرده على من سلم عليهما ، قال سند : أما كلامه فمكروه لا يختلف فيه انتهى . وقال في العمدة ويمنع الأكل ، والشرب ، والكلام ورد السلام انتهى . وقال الشيخ زروق في شرح الإرشاد وأما اشتغاله بأمر عادي من أكل أو كلام فلا يجوز ابتداء .

( فرع ) فإن اضطر للكلام مثل أن يخاف على صبي أو دابة أو أعمى أن يقع في بئر ، فإنه يتكلم ويبني ، قاله في المجموعة ، قال ابن ناجي في شرح المدونة ما لم يطل فإن طال ابتدأ ولو كان لحفظ آدمي ، نص عليه اللخمي انتهى .

( فرع ) ، قال في الطراز إذا قلنا لا يرد بإشارة ولا غيرها فإنه يرد بعد فراغه ونظير ذلك المسبوق إذا أتم صلاته يرد على الإمام ، وإن لم يكن حاضرا انتهى .

( قلت ) يفهم من كلامه أن المؤذن يرد أيضا ولو لم يكن الذي سلم عليه حاضرا والله تعالى أعلم ، وقال ابن عرفة ولا يتكلم فيه ولا يرد سلاما ويرد بعده انتهى . ونحوه في الشامل .

( فرع ) قال ابن عرفة وسمع موسى ابن القاسم : إن رعف مقيم أو أحدث قطع وأقام غيره ، وإن رعف مؤذن تمادى فإن قطع وغسل الدم ابتدأ ، اللخمي إن قرب يبني انتهى . وكلام اللخمي تقييد لما قبله كما صرح به ابن ناجي ، وإن أراد غيره أن يبني على أذانه فلا يفعل وليبتدئ انتهى .

( فرع ) قال في الطراز فإن أغمي عليه في بعض الأذان أو جن ثم أفاق بنى فيما قرب ، وقاله أشهب في الإقامة انتهى . وكلام أشهب في الإقامة نقله ابن عرفة باختصار ، ونصه : " أشهب إن رعف مقيم أو أحدث أو مات أو أغمي عليه ابتدأ فإن بنى هو أو غيره أجزأ الشيخ يريد توضأ بعد إفاقته ، وصحح إقامة المحدث ، وتعقبه التونسي بأن وضوءه طول وإقامة المحدث لا تجوز انتهى . ونقله ابن ناجي ، وقال قبله : وإن رعف أو أحدث في الإقامة فليقطع ويقم غيره انتهى . والله تعالى أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث