الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

ألا تقاتلون تحريض على القتال لأن الاستفهام فيه للإنكار، والاستفهام الإنكاري في معنى النفي وقد دخل النفي، ونفي النفي إثبات ، وحيث كان الترك مستقبحا منكرا أفاد بطريق برهاني أن إيجاده أمر مطلوب مرغوب فيه فيفيد الحث والتحريض عليه ، وقد يقال : وجه التحريض على القتال أنهم حملوا على الإقرار بانتفائه كأنه أمر لا يمكن أن يعترف به طائعا لكمال شناعته فيلجئون إلى ذلك ولا يقدرون على الإقرار به فيختارون القتال فيقاتلون قوما نكثوا أيمانهم التي حلفوها عند المعاهدة لكم [ ص: 61 ] على أن لا يعاونوا عليكم فعاونوا حلفاءهم بني بكر على خلفاء رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم خزاعة ، والمراد بهم قريش وهموا بإخراج الرسول من مكة مسقط رأسه عليه الصلاة والسلام حين تشاوروا بدار الندوة حسبما ذكر في قوله تعالى : وإذ يمكر بك الذين كفروا وقال الجبائي : هم اليهود الذين نقضوا العهد وخرجوا مع الأحزاب وهموا بإخراج الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم من المدينة ، ولا يخفى أنه يأباه السياق وعدم القرينة عليه ، والأول هو المروي عن مجاهد ، والسدي ، وغيرهما ، واعترض بأن ما وقع في دار الندوة هو الهم بالإخراج أو الحبس أو القتل والذي استقر رأيهم عليه هو القتل لا الإخراج فما وجه التخصيص ؟

وأجيب بأن التخصيص لأنه الذي وقع في الخارج ما يضاهيه مما ترتب على همهم وإن لم يكن بفعل منهم بل من الله تعالى لحكمة وما عداه لغو فخص بالذكر لأنه المقتضي للتحريض لا غيره مما لم يظهر له أثر .

وقيل : إنه سبحانه اقتصر على الأدنى ليعلم غيره بطريق أولى ، ولا يرد عليه أنه ليس بأدنى من الحبس كما توهم لأن بقاءه عليه الصلاة والسلام في يد عدوه المقتضي للتبريح بالتهديد ونحوه أشد منه بلا شبهة وهم بدءوكم بالمقاتلة أول مرة وذلك يوم بدر وقد قالوا بعد أن بلغهم سلامة العير : لا ننصرف حتى نستأصل محمدا صلى الله تعالى عليه وسلم ومن معه ، وقال الزجاج : بدءوا بقتال خزاعة حلفاء النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وإليه ذهب الأكثرون ، واختار جمع الأول لسلامته من التكرار ، وقد ذكر سبحانه ثلاثة أمور كل منها يوجب مقاتلتهم لو انفرد، فكيف بها حال الاجتماع، ففي ذلك من الحث على القتال ما فيه ثم زاد ذلك بقوله سبحانه : ( أتخشونهم ) وقد أقيم فيه السبب والعلة مقام المسبب والمعلول ، والمراد أتتركون قتالهم خشية أن ينالكم مكروه منهم فالله أحق أن تخشوه بمخالفة أمره وترك قتال عدوه ، والاسم الجليل مبتدأ و ( أحق ) خبره و أن تخشوه بدل من الجلالة بدل اشتمال أو بتقدير حرف جر أي بأن تخشوه فمحله النصب أو الجر بعد الحذف على الخلاف ، وقيل : إن أن تخشوه مبتدأ خبره ( أحق ) والجملة خبر الاسم الجليل ، أي خشية الله تعالى أحق أو الله أحق من غيره بالخشية أو الله حشيته أحق ، وخير الأمور عندي أوسطها إن كنتم مؤمنين فإن مقتضى إيمان المؤمن الذي يتحقق أنه لا ضار ولا نافع إلا الله تعالى ولا يقدر أحد على مضرة ونفع إلا بمشيئته أن لا يخاف إلا من الله تعالى ، ومن خاف الله تعالى خاف منه كل شيء ، وفي هذا من التشديد ما لا يخفى .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث