الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 137 ] (البحث الثاني): أنه استدل بما في القصة على جواز النسخ قبل الفعل، وهو مذهب كثير من الأصوليين، وخالف فيه المعتزلة والصيرفي، ووجه الاستدلال على ما قرره بعض الأجلة أن إبراهيم - عليه السلام - أمر بذبح ولده بدليل قوله: افعل ما تؤمر ولأنه - عليه السلام - أقدم على الذبح، وترويع الولد، ولو لم يكن مأمورا به لكان ذلك ممتنعا شرعا، وعادة، ونسخ عنه قبل الفعل، لأنه لم يفعل، ولو كان ترك الفعل مع حضور الوقت لكان عاصيا.

واعترض عليه بأنا لا نسلم أنه لو لم يفعل وقد حضر الوقت لكان عاصيا لجواز أن يكون الوقت موسعا، فيحصل التمكن، فلا يعصي بالتأخير ثم ينسخ. وأجيب أما أولا فبأنه لو كان موسعا لكان الوجوب متعلقا بالمستقبل، لأن الأمر باق عليه قطعا، فإذا نسخ فقد نسخ تعلق الوجوب بالمستقبل، وهو المانع من النسخ عندهم، فإنهم يقولون: إذا تعلق الوجوب بالمستقبل مع بقاء الأمر عليه، امتنع رفع ذلك التعلق بالنهي عنه، وإلا لزم توارد الأمر والنهي على شيء واحد، وهو محال، فإذا جوزوا النسخ في الواجب الموسع في وقته قبل فعله مع أن الوجوب فيه تعلق بالمستقبل، والأمر باق عليه، فقد اعترفوا بجواز ما منعوه، وهو المطلوب، وأما ثانيا، فبأنه لو كان موسعا لأخر الفعل ولم يقدم على الذبح، وترويع الولد عادة، إما رجاء أن ينسخ عنه، وإما رجاء أن يموت فيسقط عنه لعظم الأمر، ومثله مما يؤخر عادة. وتعقب هذا بأن عادة الأنبياء - عليهم السلام - المبادرة إلى امتثال أمر الله تعالى على خلاف عادة أكثر الناس، ولا تستبعد منهم خوارق العادات، وإبراهيم من أجلهم قدرا، سلمنا أن العادة ولو بالنسبة إلى الأنبياء تقتضي التأخير، لكن من أين علم أنه - عليه السلام - لم يؤخر إلى آخر الوقت اتباعا للعادة، فالمعول عليه الجواب الأول، وبه يتم الاستدلال، وربما دفعوه بوجوه أخر، منها أنه لم يؤمر بشيء وإنما توهم ذلك توهما بإراءة الرؤيا، ولو سلم فلم يؤمر بالذبح، إنما أمر بمقدماته من إخراج الولد، وأخذه المدية، وتله للجبين، وتعقب هذا بأنه ليس بشيء لما مر من قوله: افعل ما تؤمر وإقدامه على الذبح والترويع المحرم، لولا الأمر، كيف، ويدل على خلافه قوله تعالى: إن هذا لهو البلاء المبين وقوله سبحانه: وفديناه بذبح عظيم ، ولولا الأمر لما كان بلاء مبينا، ولما احتاج إلى الفداء، وكون الفداء عن ظنه أنه مأمور بالذبح لا يخفى حاله، وعلى أصل المعتزلة هو توريط لإبراهيم - عليه السلام - في الجهل بما يظهر أنه أمر، وليس بأمر، وذلك غير جائز، ومن لا يجوز الظن الفاسد على الأنبياء - عليهم السلام - فهذا عنده أدنى من لا شيء، ومنها أنا لا نسلم أنه لم يذبح بل روي أنه ذبح، وكان كلما قطع شيئا يلتحم عقيب القطع، وأنه خلق صفيحة نحاس، أو حديد تمنع الذبح، وتعقب بأن هذا لا يسمع، أما أولا، فلأنه خلاف العادة، والظاهر، ولم ينقل نقلا معتبرا. وأجيب بأن الرواية سند للمنع والضعف لا ينافيه، والاحتمال كاف في المقام، ولا ريب في جوازه، كإرسال الكبش من الجنة، وأما ثانيا فلأنه لو ذبح لما احتيج إلى الفداء، وكونه لأن الإزهاق لم يحصل ليس بشيء، ولو منع الذبح بالصفيحة مع الأمر به، لكان تكليفا بالمحال، وهم لا يجوزونه، ثم قد نسخ عنه، وإلا لأثم بتركه، فيكون نسخا قبل التمكن، فهو لنا لا علينا. ومن السادة الحنفية من قال: ما نحن فيه ليس من النسخ، لأنه رفع الحكم لا إلى بدل، وهنا له بدل قائم مقامه كالفدية للصوم في حق الشيخ الفاني، فعلم أنه لم يرفع حكم المأمور به. وفي التلويح فإن قيل: هب أن الخلف قام مقام الأصل لكنه استلزم حرمة الأصل أي ذبحه، وتحريم الشيء بعد وجوبه نسخ لا محالة لرفع حكمه، قيل: لا نسلم كونه نسخا، وإنما يلزم لو كان حكما شرعيا وهو [ ص: 138 ] ممنوع، فإن حرمة ذبح الولد ثابتة في الأصل، فزالت بالوجوب، ثم عادت بقيام الشاة مقام الولد، فلا تكون حكما شرعيا حتى يكون ثبوتها نسخا للوجوب انتهى، وتعقب بأن هذا بناء على ما تقرر من أن رفع الإباحة الأصلية ليس نسخا، أما على أنه نسخ كما التزمه بعض الحنفية إذ لا إباحة، ولا تحريم إلا بشرع، كما قرروه يكون رفع الحرمة الأصلية نسخا، وإذا كان رفعها نسخا أيضا يبقى الإيراد المذكور من غير جواب على ما قرر في شرح التحرير، هذا، وتمام الكلام في حجة الفريقين مفصل في أصول الفقه، وهذا المقدار كاف لغرض المفسر.

(البحث الثالث) أنه استدل أبو حنيفة بالقصة على أن لو نذر أن يذبح ولده فعليه شاة، ووافقه في ذلك محمد، ونقله الإمام القرطبي عن مالك. وفي تنوير الأبصار وشرحه الدر المختار: نذر أن يذبح ولده فعليه شاة لقصة الخليل - عليه السلام - وألغاه الثاني، والشافعي كنذره قتله، ونقل الجصاص أن نذر القتل كنذر الذبح، واعترض على الإمام بأنه نذر معصية، وجاء: (لا نذر في معصية الله تعالى)، وقال هو: إن ذلك في شرع إبراهيم - عليه السلام - عبارة عن ذبح شاة، ولم يثبت نسخه، فليس معصية، وقال بعض الشافعية: ليس في النظم الجليل ما يدل على أنه كان نذرا من إبراهيم - عليه السلام - حتى يستدل به. وأجيب بأنه ورد في التفسير المأثور أنه نذر ذلك، وهو في حكم النص، ولذا قيل له لما بلغ معه السعي: أوف بنذرك، وبأنه إذا قامت الشاة مقام ما أوجبه الله تعالى عليه علم قيامها مقام ما يوجبه على نفسه بالطريق الأولى، فيكون ثابتا بدلالة النص، والإنصاف أن مدرك الشافعي وأبي يوسف عليهما الرحمة أظهر وأقوى من مدرك الإمام الأعظم رضي الله تعالى عنه في هذه المسألة فتأمل.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث