الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله استئناف سيق للحض على الجهاد واللوم على تركه خشية القتل مع قطع عذر المنهزمين خشية ذلك بالكلية ، ويجوز أن يكون تسلية عما لحق الناس بموت النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، وإشارة إلى أنه عليه السلام كغيره لا يموت إلا بإذن الله تعالى فلا عذر لأحد بترك دينه بعد موته .

والمراد بالنفس الجنس وتخصيصها بالنبي عليه الصلاة والسلام كما روي عن ابن إسحاق ليس بشيء ، والموت هنا أعم من الموت حتف الأنف ، والموت بالقتل كما سنحققه ، و (كان) ناقصة اسمها (أن تموت) (ولنفس) متعلق بمحذوف وقع خبرا لها ، والاستثناء مفرغ من أعم الأسباب .

وذهب أبو البقاء إلى أن بإذن الله خبر كان ، و (لنفس) متعلق بها واللام للتبيين ، ونقل عن بعضهم أن الجار متعلق بمحذوف تقديره الموت لنفس ، و (أن تموت) تبيين للمحذوف ، وحكي عن الزجاج وبعض عن الأخفش أن التقدير : وما كان نفس لتموت ، ثم قدمت اللام ، وكل هذه الأقوال أوهن من الوهن لا سيما الأخير ، والمعنى ما كان الموت حاصلا لنفس من النفوس مطلقا بسبب من الأسباب إلا بمشيئة الله تعالى وتيسيره ، والإذن مجاز عن ذلك لكونه من لوازمه ، وظاهر التركيب يدل على أن الموت من الأفعال التي يقدم عليها اختيارا فقد شاع ما كان لزيد أن يفعل كذا فيما إذا كان ذلك الفعل اختياريا ، لكن الظاهر هنا متروك بأن يجعل ذلك من باب التمثيل بأن صور الموت بالنسبة إلى النفوس بصورة الفعل الاختياري الذي لا يقدم عليه إلا بالإذن .

والمراد عدم القدرة عليه أو بتنزيل إقدام النفوس على مباديه كالقتال مثلا منزلة الإقدام عليه نفسه للمبالغة في تحقيق المرام ، فإن موتها لما استحال وقوعه عند إقدامها عليه أو على مباديه وسعيها في إيقاعه ، فلأن يستحيل عند عدم ذلك أولى وأظهر ، ويجوز على هذا أن يبقى الإذن على حقيقته ومفعوله مقدر للعلم به ، والمراد [ ص: 76 ] بإذنه تعالى إذنه لملك الموت فإنه الذي يقبض روح كل ذي روح بشرا كان أو لا شهيدا كان أو غير شهيد برا أو بحرا حتى قيل : إنه يقبض روح نفسه ، واستثنى بعضهم أرواح شهداء البحر فإن الله تعالى هو الذي يقبضها بلا واسطة ، واستدل بحديث جويبر وهو ضعيف جدا ، وفيه من طريق الضحاك انقطاع ، وذهب المعتزلة إلى أن ملك الموت إنما يقبض أرواح الثقلين دون غيرهم ، وقال بعض المبتدعة : إنه يقبض الجميع سوى أرواح البهائم فإن أعوانه هم الذين يقبضونها ، ولا تعارض بين الله يتوفى الأنفس حين موتها ، و يتوفاكم ملك الموت ، و توفته رسلنا لأن إسناد ذلك له تعالى بطريق الخلق والإيجاد الحقيقي ، وإلى الملك لأنه المباشر له ، وإلى الرسل لأنهم أعوانه المعالجون للنزع من العصب والعظم واللحم والعروق (كتابا) مصدر مؤكد لعامله المستفاد من الجملة السابقة والمعنى كتب ذلك الموت المأذون فيه كتابا مؤجلا أي موقتا بوقت معلوم لا يتقدم ولا يتأخر ، وقيل : حكما لازما مبرما وهو صفة (كتابا) ولا يضر التوصيف بكون المصدر مؤكدا بناء على أنه معلوم مما سبق وليس كل وصف يخرج عن التأكيد ، ولك لما في ذلك من الخفاء أن تجعل المصدر لوصفه مبينا للنوع وهو أولى من جعله مؤكدا ، وجعل (مؤجلا) حالا من الموت لا صفة له لبعد ذلك غاية البعد فتدبر .

وقرئ (مؤجلا) بالواو بدل الهمزة على قياس التخفيف ، وظاهر الآية يؤيد مذهب أهل السنة القائلين إن المقتول ميت بأجله أي بوقته المقدر له وأنه لو لم يقتل لجاز أن يموت في ذلك الوقت وأن لا يموت من غير قطع بامتداد العمر ولا بالموت بدل القتل ، إذ على تقدير عدم القتل لا قطع بوجود الأجل وعدمه فلا قطع بالموت ولا بالحياة ، وخالف في ذلك المعتزلة فذهب الكعبي منهم إلى أن المقتول ليس بميت لأن القتل فعل العبد والموت فعل الله سبحانه أي مفعوله وأثر صفته ، وأن للمقتول أجلين : أحدهما القتل والآخر الموت وأنه لو لم يقتل لعاش إلى أجله الذي هو الموت ، وذهب أبو الهذيل إلى أن المقتول لو لم يقتل لمات البتة في ذلك الوقت .

وذهب الجمهور منهم إلى أن القاتل قد قطع على المقتول أجله ، وأنه لو لم يقتل لعاش إلى أمد هو أجله الذي علم الله تعالى موته فيه لولا القتل ، وليس النزاع بين الأصحاب والجمهور لفظيا كما رآه الأستاذ وكثير من المحققين حيث قالوا : إنه إذا كان الأجل زمان بطلان الحياة في علم الله تعالى لكان المقتول ميتا بأجله بلا خلاف من المعتزلة في ذلك إذ هم لا ينكرون كون المقتول ميتا بالأجل الذي علمه الله تعالى وهو الأجل بسبب القتل ، وإن قيد بطلان الحياة بأن لا يترتب على فعل من العبد لم يكن كذلك بلا خلاف من الأصحاب فيه إذ هم يقولون بعدم كون المقتول ميتا بالأجل غير المرتب على فعل العبد ، لأنا نقول حاصل النزاع أن المراد بأجل المقتول المضاف إليه زمان بطلان حياته بحيث لا محيص عنه ولا تقدم ولا تأخر على ما يشير إليه قوله تعالى : فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ويرجع الخلاف إلى أنه هل تحقق ذلك في حق المقتول أم المعلوم في حقه أنه إن قتل مات وإن لم يقتل يعش كذا في شرح المقاصد ، ولعله جواب باختيار الشق الأول وهو أن المراد زمان بطلان الحياة في علم الله تعالى لكنه لا مطلقا بل على ما علمه تعالى وقدره بطريق القطع ، وحينئذ يصلح محلا للخلاف لأنه لا يلزم من عدم تحقق ذلك في المقتول كما يقوله المعتزلة تخلف العلم عن المعلوم لجواز أن يعلم تقدم موته بالقتل مع تأخر الأجل الذي لا يمكن تخلفه عنه ، وقد يقال : إنه يمكن أن يكون جوابا باختيار شق ثالث وهو المقدر بطريق القطع إذ لا تعرض في تقرير الجواب للعلم ، والمقدر أخص من الأجل المعلوم مطلقا ، [ ص: 77 ] والفرق بينه وبين كونه جوابا باختيار الأول ، لكن لا مطلقا اعتبار قيد العلم في الأجل الذي هو محل النزاع على تقدير اختيار الأول وعدم اعتباره فيه على اختيار الثالث ، وإن كان معلوما في الواقع أيضا فافهم ، ثم إن أبا الحسين ، ومن تابعه يدعون الضرورة في هذه المسألة ، وكذا الجمهور في رأي البعض ، وعند البعض الآخر هي عندهم استدلالية .

واحتجوا على مذهبهم بالأحاديث الواردة في أن بعض الطاعات تزيد في العمر ، وبأنه لو كان المقتول ميتا بأجله لم يستحق القاتل ذما ولا عقابا ، ولم يتوجه عليه قصاص ولا غرم دية ولا قيمة في ذبح شاة الغير ؛ لأنه لم يقطع أجلا ، ولم يحدث بفعله موتا ، وبأنه ربما يقتل في الملحمة والحرب ألوف تقضي العادة بامتناع اتفاق موتهم في ذلك الوقت بآجالهم ، وتمسك أبو الهذيل بأنه لو لم يمت المقتول لكان القاتل قاطعا لأجل قدره الله تعالى ، ومغيرا لأمر علمه وهو محال ، والكعبي بقوله تعالى : أفإن مات أو قتل حيث جعل القتل قسيما للموت بناء على أن المراد بالقتل المقتولية وأنها نفس بطلان الحياة ، وأن الموت خاص بما لا يكون على وجه القتل ، ومتى كان الموت غير القتل كان للمقتول أجلان : أحدهما القتل والآخر الموت ، وأجيب عن متمسك الأولين الأول بأن تلك الأحاديث أخبار آحاد فلا تعارض الآيات القطعية كقوله تعالى : فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون أو بأن المراد من أن الطاعة تزيد في العمر أنها تزيد فيما هو المقصود الأهم منه وهو اكتساب الكمالات والخيرات والبركات التي بها تستكمل النفوس الإنسانية ، وتفوز بالسعادة الأبدية ، أو بأن العمر غير الأجل لأنه لغة الوقت ، وأجل الشيء يقال لجميع مدته ولآخرها كما يقال أجل الدين شهران أوآخر شهر كذا ، ثم شاع استعماله في آخر مدة الحياة ، ومن هنا يفسر بالوقت الذي علم الله تعالى بطلان حياة الحيوان عنده على ما قررناه .

والعمر لغة مدة الحياة كعمر زيد كذا ، ومدة البقاء - كعمر الدنيا - وكثيرا ما يتجوز به عن مدة بقاء ذكر الناس الشخص للخير بعد موته ، ومنه قولهم : ذكر الفتى عمره الثاني ، ومن هنا يقال لمن مات وأعقب ذكرا حسنا وأثرا جميلا : ما مات ، فلعله أراد صلى الله تعالى عليه وسلم أن تلك الطاعات تزيد في هذا العمر لما أنها تكون سببا للذكر الجميل ، وأكثر ما ورد ذلك في الصدقة وصلة الرحم وكونهما مما يترتب عليهما ثناء الناس مما لا شبهة فيه قيل : ولهذا لم يقل صلى الله تعالى عليه وسلم في ذلك إنه يزيد في الأجل ، أو بأن الله تعالى كان يعلم أن هذا المطيع لو لم يفعل هذه الطاعة لكان عمره أربعين مثلا لكنه علم أنه يفعلها ويكون عمره سبعين سنة ، فنسبة هذه الزيادة إلى تلك الطاعة بناء على علم الله تعالى أنه لولاها لما كانت هذه الزيادة ، ومحصل هذا أنه سبحانه قدر عمره سبعين بحيث لا يتصور التقدم والتأخر عنه لعلمه بأن طاعته تصير سببا لثلاثين فتصير مع أربعين من غير الطاعة سبعين ، وليس محصل ذلك أنه تعالى قدره سبعين على تقدير وأربعين على تقدير حتى يلزم تعدد الأجل ، والأصحاب لا يقولون به .

والثاني بأن استحقاق الذم والعقاب وتوجه القصاص أو غرم الدية مثلا على القاتل ليس بما يثبت في المحل من الموت ، بل هو بما اكتسبه وارتكبه من الإقدام على الفعل المنهي عنه الذي يخلق الله تعالى به الموت كما في سائر الأسباب والمسببات لا سيما عند ظهور أمارات البقاء وعدم ما يظن معه حضور الأجل حتى لو علم موت شاة بإخبار صادق معصوم ، أو ظهرت الأمارات المفيدة لليقين لم يضمن عند بعض الفقهاء ، والثالث بأن العادة منقوضة أيضا بحصول موت ألوف في وقت واحد من غير قتال ولا محاربة كما في أيام الوباء مثلا على أن [ ص: 78 ] التمسك بمثل هذا الدليل في مثل هذا المطلب في غاية السقوط ، وأجيب عن متمسك أبي الهذيل بأن عدم القتل إنما يتصور على تقدير علم الله تعالى بأنه لا يقتل ، وحينئذ لا نسلم لزوم المحال ، وبأنه لا استحالة في قطع الأجل المقدر الثابت لولا القتل ، لأنه تقرير للمعلوم لا تغيير له ، وعن متمسك الكعبي المخالف للمعتزلة والأشاعرة في إثبات الأجلين بأن القتل قائم بالقاتل وحال له لا للمقتول ، وإنما حاله الموت وانزهاق الروح الذي هو بإيجاد الله تعالى وإذنه ومشيئته وإرادة المقتولية المتولدة عن قتل القاتل بالقتل وهي حال المقتول ، إذ هي بطلان الحياة والتخصيص بما لا يكون على وجه القتل على ما يشعر به .

أفإن مات أو قتل خلاف مذهبه من إنكار القضاء والقدر في أفعال العباد إذ بطلان الحياة المتولد من قتل القاتل أجل قدره الله تعالى وعينه وحدده ، ومعنى الآية كما أشرنا إليه : أفئن مات حتف أنفه بلا سبب ، أو مات بسبب القتل ، فتدل على أن مجرد بطلان الحياة موت ، ومن هنا قيل : إن في المقتول معنيين قتلا هو من فعل الفاعل ، وموتا هو من الله تعالى وحده ، وذهبت الفلاسفة إلى مثل ما ذهب إليه الكعبي من تعدد الأجل فقالوا : إن للحيوان أجلا طبيعيا بتحلل رطوبته وانطفاء حرارته الغريزيتين ، وآجالا اخترامية تتعدد بتعدد أسباب لا تحصى من الأمراض والآفات ، وبيانه أن الجواهر التي غلبت عليها الأجزاء الرطبة ركبت مع الحرارة الغريزية فصارت لها بمنزلة الدهن للفتيلة المشعلة ، وكلما انتقصت تلك الرطوبات تبعتها الحرارة الغريزية في ذلك حتى إذا انتهت في الانتقاص وتزايد الجفاف انطفأت الحرارة كانطفاء السراج عند نفاذ دهنه فحصل الموت الطبيعي ، وهو مختلف بحسب اختلاف الأمزجة وهو في الإنسان في الأغلب تمام مائة وعشرين سنة .

وقد يعرض من الآفات مثل البرد المجمد والحرب المذوب وأنواع السموم وأنواع تفرق الاتصال وسوء المزاج ما يفسد البدن ويخرجه عن صلاحه لقبول الحياة إذ شرطها اعتدال المزاج فيهلك بسببه وهذا هو الأجل الاخترامي ، ويرد ذلك أنه مبني على قواعدهم من تأثير الطبيعة والمزاج وهو باطل عندنا إذ لا تأثير إلا له سبحانه ، وتلك الأمور عندنا أسباب عادية لا عقلية كما زعموا ، وادعى بعض المحققين أن النزاع بيننا وبين الفلاسفة كالنزاع بيننا وبين المعتزلة - على رأي الأستاذ - لفظي ، إذ هم لا ينكرون القضاء والقدر ، فالوقت الذي علم الله تعالى بطلان الحياة فيه بأي سبب كان واحد عندهم أيضا ، وما ذكروه من الأجل الطبيعي نحن لا ننكره أيضا ، لكنهم يجعلون اعتدال المزاج واستقامة الحرارة والرطوبة ونحو ذلك شروطا حقيقة عقلية لبقاء الحياة ، ونحن نجعلها أسبابا عادية ، وذلك بحث آخر وسيأتي تتمة الكلام على هذه المسألة ، إذ الأمور مرهونة لأوقاتها ، ولكل أجل كتاب .

ومن يرد أي بعمله كالجهاد ثواب الدنيا كالغنيمة نؤته بنون العظمة على طريق الالتفات منها أي شيئا من ثوابها إن شئنا فهو على حد قوله تعالى : من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد وهذا تعريض بمن شغلتهم الغنائم يوم أحد عن مصلحة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ، وقد تقدم تفصيل ذلك .

ومن يرد أي بعمله كالجهاد أيضا والذب عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم .

ثواب الآخرة مما أعد الله تعالى لعباده فيها من النعيم نؤته منها أي من ثوابها ما نشاء حسبما جرى به قلم الوعد الكريم ، وهذا إشارة إلى مدح الثابتين يومئذ مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ، والآية [ ص: 79 ] وإن نزلت في الجهاد خاصة لكنها عامة في جميع الأعمال .

وسنجزي الشاكرين (145) يحتمل أنه أريد بهم المريدون للآخرة ، ويحتمل أنه أريد بهم جنس الشاكرين وهم داخلون فيه دخولا أوليا .

والجملة تذييل مقرر لمضمون ما قبله ووعد بالمزيد عليه وفي تصديرها بالسين وإبهام الجزاء من التأكيد والدلالة على فخامة شأن الجزاء وكونه بحيث يضيق عنه نطاق البيان ما لا يخفى ، وبذلك جبر اتحاد العبادتين في شأن الفريقين واتضح الفرق لذي عينين ، وقرئت الأفعال الثلاثة بالياء .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث