الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض

جزء التالي صفحة
السابق

يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ولا تضروه شيئا والله على كل شيء قدير إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنـزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون

اثاقلتم : تثاقلتم، وبه قرأ الأعمش ، أي: تباطأتم وتقاعستم، وضمن معنى الميل والإخلاد فعدي بإلى، والمعنى: ملتم إلى الدنيا وشهواتها، وكرهتم مشاق السفر ومتاعبه; ونحوه: أخلد إلى الأرض واتبع هواه [الأعراف: 176]، وقيل: ملتم إلى الإقامة بأرضكم ودياركم، وقرئ: "أثاقلتم" ؟ على الاستفهام الذي معناه الإنكار والتوبيخ .

فإن قلت: فما العامل في "إذا" وحرف الاستفهام مانعة أن يعمل فيه ؟

قلت: ما دل عليه قوله: "اثاقلتم" أو ما في "مالكم" من معنى الفعل، كأنه قيل: ما تصنعون إذا قيل لكم كما تعمله في الحال إذا قلت: مالك قائما، وكان ذلك في غزوة تبوك في سنة عشر بعد رجوعهم من الطائف، استنفروا في وقت عسرة وقيظ وقحط مع بعد الشقة وكثرة العدو، فشق عليهم، وقيل: ما خرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في غزوة إلا ورى عنها بغيرها إلا في غزوة تبوك; ليستعد الناس تمام العدة، من الآخرة أي: [ ص: 45 ] بدل الآخرة; كقوله: لجعلنا منكم ملائكة [الزخرف: 60 ]، في الآخرة " : في جنب الآخرة، إلا تنفروا : سخط عظيم على المتثاقلين; حيث أوعدهم بعذاب أليم مطلق يتناول عذاب الدارين، وأنه يهلكهم ويستبدل بهم قوما آخرين خيرا منهم وأطوع، وأنه غني عنهم في نصرة دينه، لا يقدح تثاقلهم فيها شيئا، وقيل: الضمير للرسول، أي: ولا تضروه; لأن الله وعده أن يعصمه من الناس وأن ينصره، ووعد الله كائن لا محالة، وقيل: يريد بقوله: قوما غيركم : أهل اليمن، وقيل: أبناء فارس، والظاهر مستغن عن التخصيص.

فإن قلت: كيف يكون قوله: فقد نصره الله جوابا للشرط ؟

قلت: فيه وجهان

أحدهما: إلا تنصروه فسينصره من نصره حين لم يكن معه إلا رجل واحد ولا أقل من الواحد، فدل بقوله: فقد نصره الله على أنه ينصره في المستقبل، كما نصره في ذلك الوقت.

والثاني: أنه أوجب له النصرة وجعله منصورا في ذلك الوقت، فلن يخذل من بعده، وأسند الإخراج إلى الكفار، كما أسند إليهم في قوله: من قريتك التي أخرجتك [محمد: 13]; لأنهم حين هموا بإخراجه، أذن الله له في الخروج، فكأنهم أخرجوه، ثاني اثنين : أحد اثنين; كقوله: ثالث ثلاثة [المائدة: 74]، وهما رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأبو بكر الصديق -رضي الله عنه- . يروى: أن جبريل -عليه السلام- لما أمره بالخروج، قال: من يخرج معي ؟ قال: أبو بكر وانتصابه على الحال، وقرئ: "ثاني اثنين" بالسكون، و "إذ هما": بدل من إذ أخرجه، والغار: ثقب في أعلى ثور، وهو جبل في يمين مكة على مسيرة ساعة، مكثا فيه ثلاثا، إذ يقول : بدل ثان، قيل: طلع المشركون فوق الغار فأشفق أبو بكر -رضي الله عنه- على رسول الله -صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم- فقال: إن تصب اليوم ذهب دين الله، فقال -عليه الصلاة والسلام-: "ما ظنك باثنين الله ثالثهما"، وقيل: لما دخلا الغار، بعث الله -تعالى- حمامتين فباضتا في [ ص: 46 ] أسفله، والعنكبوت فنسجت عليه، وقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "اللهم، أعم أبصارهم"، فجعلوا يترددون حول الغار ولا يفطنون، وقد أخذ الله بأبصارهم عنه، وقالوا: من أنكر صحبة أبي بكر -رضي الله عنه- فقد كفر، لإنكاره كلام الله، وليس ذلك لسائر الصحابة، "سكينته": ما ألقى في قلبه من الأمنة التي سكن عندها وعلم أنهم لا يصلون إليه، والجنود: الملائكة يوم بدر، والأحزاب وحنين . و كلمة الذين كفروا : دعوتهم إلى الكفر، وكلمة الله : دعوته إلى الإسلام، . وقرئ: "كلمة الله" بالنصب، والرفع أوجه، و"هي": فصل أو مبتدأ، وفيها تأكيد فضل كلمة الله في العلو، وأنها المختصة به دون سائر الكلم، خفافا وثقالا : خفافا في النفور لنشاطكم له، وثقالا عنه لمشقته عليكم، أو خفافا; لقلة عيالكم وأذيالكم، وثقالا; لكثرتها . أو خفافا [ ص: 47 ] من السلاح وثقالا منه، أو ركبانا ومشاة، أو شبابا وشيوخا، أو مهازيل وسمانا . أو صحاحا ومراضا، وعن ابن أم مكتوم أنه قال لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-: أعلي أن أنفر ؟ قال: نعم، حتى نزل قوله: ليس على الأعمى حرج [الفتح: 17 ]، وعن ابن عباس : نسخت بقوله: ليس على الضعفاء ولا على المرضى [التوبة: 91 ] وعن صفوان بن عمرو : كنت واليا على حمص، فلقيت شيخا كبيرا قد سقط حاجباه من أهل دمشق على راحلته يريد الغزو، فقلت: يا عم، لقد أعذر الله إليك، فرفع حاجبيه، وقال: يا ابن أخي، استنفرنا الله خفافا وثقالا، إلا أنه من يحبه الله يبتله، وعن الزهري : خرج سعيد بن المسيب إلى الغزو، وقد ذهبت إحدى عينيه، فقيل له: إنك عليل صاحب ضرر، فقال: استنفرنا الله الخفيف والثقيل، فإن لم يمكني الحرب كثرت السواد وحفظت المتاع، وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم : إيجاب للجهاد بهما إن أمكن، أو بأحدهما على حسب الحال والحاجة.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث