الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

وقوله تعالى: وأتموا الحج والعمرة لله (196).

فالمنقول عن عمر وعلي وسعيد بن جبير وطاوس، أن الإتمام فيهما أن تحرم بهما من دويرة أهلك..

وقال مجاهد: إتمامهما بلوغ آخرهما بعد الدخول فيهما، وذلك أشبه بالظاهر، ودل عليه ما بعده فإنه قال: فإن أحصرتم ، والإحصار إنما يمنع الإتمام بعد الشروع، ويوجب ما استيسر من الهدي عند ذلك قد وجب الإتمام إجماعا، ويظهر أن مأخذ وجوبه هذه الآية، ولا فصل فيه بين الحج الأول والثاني، والعمرة الأولى والثانية، قوله تعالى فإن أحصرتم الآية. ذكر بعض أهل اللغة أنه لا يقال في العدو: "أحصرتم"، وإنما يقال: "حصرتم" ، وهو كقوله حبسه إذا جعله في الحبس، وأحبسه أي: عرضه للحبس، وقتله إذا أوقع به القتل، وأقتله إذا عرضه للقتل، وقبره إذا جعله في القبر، وأقبره عرضه للدفن في القبر، كذلك حصره حبسه وأوقع به الحصر، وأحصره عرضه للحصر.

فإذا كان كذلك، فالعدو إذا كان بعيدا منه على الطريق، فهذا هو التعريض للحصر، وهو متعرض به لأن ينحصر، وليس بمحصور في الحال ولا محبوسا، ولكنه معرض لذلك، فتقدير الآية:

فإن عرضتم للحبس والمنع، وإن لم يلحقكم في الحال حصر ولا منع، وذلك إنما يكون بالعدو، أما المريض فقد احتبس عليه المضي في الحال، فليس هو معرضا بل هو محصور في الحال، وقد حصره المرض، ولذلك قال ابن عباس: ذهب الحصر الآن.

وكذلك نزلت هذه الآية في شأن الحديبية، وما كان من حصر إلا العدو، ولا يجوز أن لا يذكر سبب النزول ويذكر غيره، مما يدل على العدو بطريق الاستنباط والدلالة.. وقال تعالى بعد قوله: فما استيسر من الهدي ، ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله فمن كان منكم مريضا ، فلو كان المرض مذكورا في أول الآية، لم يذكر المرض بعده، وإذا ذكر المرض في أول الآية، وكان يحل بذلك الدم المذبوح في محله، لم يكن يحتاج إلى فدية.

ولا يجوز أن يكون المرض ها هنا هوام الرأس، فإنه ذكر ذلك بعد المرض فقال: مريضا أو به أذى من رأسه .

ولهم أن يقولوا: لعله أباح ذلك قبل أن يبلغ الهدي محله، إذا حلق للأذى والمرض، أو عنى به مرضا لا يمنعه من الوصول إلى البيت، وإلا فأي معنى لذكر المرض عند ذكر الإحلال، وحكمه عند عدم الإحلال يثبت؟

ويحتمل على موجب مذهب أبي حنيفة أن قوله: فمن كان منكم مريضا، عائد إلى أول الخطاب، كما عاد إليه حكم الإحصار وهو قوله: وأتموا الحج والعمرة ، ثم عطف عليه قوله: فإن أحصرتم أي: صددتم عن الإتمام، ثم عقب بقوله: فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه . يعني: أيها المحرمون بالحج والعمرة، ليكون على هذا الرأي مثبتا حكم المريض، إذا صد عن الإتمام أن الذي يجب عليه ما استيسر من الهدي، وأنه إن لم يكن المريض ممنوعا من الإتمام، فحكمه كذلك، ليكون قد بين حكم المرض دون الإحصار، والمرض عند الإحصار..

فقيل لهم: فقد قال: فإذا أمنتم ، وذلك إنما يطلق على العدو لأن الأمن نقيض الخوف، ويقال في نقيض المرض الشفاء. نعم قد يقال: أمن المرض وزال الخوف منه، ولكن لا يطلق اسم الأمن عليه غالبا.

وحكي عن ابن الزبير، أنه لا يتحلل بالعدو والمرض إلا بأن يلقى البيت ويطوف ..

وقال ابن سيرين: الإحصار يكون من الحج دون العمرة، وذهب إلى أن العمرة غير مؤقتة وأنه لا يخشى الفوات..

والمذهبان مختلفان لنص الخبر عام الحديبية، فإنه عليه السلام تحلل من عمرته وكان محرما بها..

قوله تعالى: ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله الآية (196):

زعموا أن مطلق المحل هو الحرم، لقوله عز وجل: ثم محلها إلى البيت العتيق .

وقال في موضع آخر: هديا بالغ الكعبة فجعل بلوغ الكعبة من صفات الهدي، كما يجعل التتابع من صفات الصوم ولا خفاء بوجه الجواب عن هذا .

فقيل لهم: فقد قال الله تعالى: والهدي معكوفا أن يبلغ محله ، فأجابوا بأن ذلك هو الدليل على أن المحل هو الحرم.

فقيل لهم: هو كذلك في غير المحصر وهو الأصل، فالإحصار عذر نادر، ودل قوله تعالى: معكوفا أن يبلغ محله ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تحلل بذبح وقع في الحل.

فأجابوا بأن النبي عليه السلام ذبح في الحرم، ولكن لما حصل أدنى منع، جاز أن يقال: إنهم منعوا لمنعهم الهدي بديا قبل الصلح، كما وصف المشركين بصد المسلمين عن المسجد الحرام، وإن كانوا أطلقوا بعد ذلك، وقال سبحانه: يا أبانا منع منا الكيل ، وإنما منعوه في وقت وأطلقوه في وقت آخر.

وقد جوز مالك والشافعي وأبو حنيفة، ذبح هدي الإحصار في الحج متى شاء.

وأبو يوسف ومحمد والثوري لا يرون الذبح قبل يوم النحر، فكأنهم يقيسون الزمان على المكان، ويستدلون بقوله تعالى: حتى يبلغ الهدي محله ، والمحل يقع على الوقت والمكان جميعا فكان عموما.

ولا شك أن الله تعالى ذكر العمرة أيضا، ووردت الآية في صلح الحديبية، وهدي العمرة لا يتأقت بزمان بالاتفاق.

ولهم أن يقولوا: في الآية ذكر الحج والعمرة، وذكر محل الهدي فهو عموم إلا ما خصه دليل الإجماع.

ونقول من طريق النظر: إن الاختصاص بمكان التحلل، يدل على الاختصاص بزمان التحلل، وزمان التحلل هو يوم النحر، وهذا على أصل أبي حنيفة لازم، أما الشافعي فإنه يعتبر معنى الحاجة في جواز ترك الزمان والمكان جميعا، نظرا إلى معنى الرخصة.

ولما قال تعالى: ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله ظهر منه أنه إذا بلغ الهدي محله جاز الحلق، وليس فيه دليل على وجوبه، بل يجوز أن يكون استباحة المحظور الذي كان، وهو مذهب أبي حنيفة ومحمد.

وأبو يوسف يوجبه في رواية.

والذي لا يوجب الحلق يقول: إنه لما سقط عنه سائر المناسك التي لم يتعذر فعلها، مثل الوقوف بالمزدلفة، ورمي الجمار، ولم يمكنه الوصول إلى البيت، ولا الوقوف بعرفة، فلا يلزمه الوقوف بالمزدلفة، ولا رمي الجمار مع إمكانهما، لأنهما مرتبان على مناسك تتقدمهما، كذلك الحلق مرتب على أفعال أخر، لم يكن فعله قبلها نسكا.

وحجة أبي يوسف أنه صلى الله عليه وسلم: أمر بالحلق وترحم على المحلقين ثلاثا.

ويجاب عنه بأنه أمر وأعاد القول، لأنه أراد أن يتحللوا ويرجعوا وما كانوا يفعلون، لأنهم كانوا ينتظرون نزول القضاء، بأمر يمكنهم به الوصول إلى العمرة، ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم بدأ فنحر هديه وحلق رأسه، فلما رأوه كذلك، حلق بعضهم وقصر بعضهم، فدعا للمحلقين ثلاثا لمبالغتهم في متابعة رسول الله، ومسارعتهم إلى أمره..

ولما قيل له: يا رسول الله، دعوت للمحلقين ثلاثا وللمقصرين مرة؟ قال: لأنهم لم يشكوا، يعني: أنهم لم يشكوا في أن الحلق أفضل من التقصير، واستحقوا الثواب للمتابعة..

قوله: فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج الآية. (196).

ذكر ذلك بعدما ذكر شأن المحصر، فقال ابن عباس وابن مسعود: على المحصر بعد زوال الإحصار حجة وعمرة، فإن جمع بينهما في أشهر الحج، فهو متمتع وعليه دم، وإن لم يجمعهما في أشهر الحج فلا دم عليه. وهو قول علقمة، والحسن، وإبراهيم، والقاسم، وسالم، ومحمد بن سيرين، ومذهب أبي حنيفة وأصحابه.

وإنما يوجب عليه أبو حنيفة حجة وعمرة، إذا حل بالدم ولم يحج من عامه ذلك، ولو أنه حل من إحرامه قبل يوم النحر، ثم زال الإحصار فأحرم بالحج، ثم حج من عامه لم يكن عليه عمرة، لأنه رأى أن هذه العمرة إنما هي العمرة التي تلزم بالفوات، لأن من فاته الحج فعليه التحلل لعمل العمرة، فلما حصل حجه فائتا كان عليه عمرة للفوات.

والدم الذي عليه في الإحصار، إنما هو لتعجل إحلاله، لا لقيام الدم مقام الأعمال التي تلزم بالفوات، إذ الدم لا يقوم مقام تلك الأعمال ، ويدل على ذلك: أن الدم لو قام مقام الأعمال، ما جاز الدم قبل الفوات، كما لا يجوز فعل العمرة التي لا تلزم بالفوات قبل الفوات، لعدم وقتها وسببها، ودم الإحصار يجوز ذبحه والإحلال به قبل الفوات، وهو يوم النحر. وهذا مذهب الشافعي وأبي حنيفة ومحمد ، وإن خالف فيه أبو يوسف في رواية: فرأى أن الدم بالإحلال لا على أنه قائم مقام أعمال العمرة، فدل أن الدم يتعلق بتعجيل الإحلال.

وهذا من أبي حنيفة دليل دال على أنه يجعل أعمال من فاته الحج، أعمال العمرة وهذا بعيد، فإنه لم ينو إلا الحج وما لزمه غيره، غير أنه إذا فاته من أعمال الحج ما يتأقت، وهو الوقوف، وجب أن يأتي منها بما لا يتأقت، فالمؤدى أعمال الحج لا غير، إلا أنه رخص في المحصر أن يتحلل، ولا يأتي بأفعال الحج، لا أن عليه مع الحج عمرة حتى يقضي الحج ويتداركه مع العمرة، ولو أمكن تدارك الوقوف دون غيره لفعل، ولكنه غير ممكن، فلا بيان لقوله في إيجاب العمرة مع الحج.

وإذا لم يحل المحصر حتى فاته الحج، ووصل إلى البيت، فعليه أن يتحلل بعمل عمرة.

وقال مالك: يجوز له أن يبقى محرما حتى يحج في السنة الآتية.

وقال: وإن شاء تحلل لعمل عمرة، ولا يجوز ذلك لفائت الحج لتقصيره، وكأنه يقول: جاز له التحلل نظرا له، فإذا اختار الضرر فله ذلك، وهذا بعيد. فإنه لو جاز له استبقاء الإحرام، لما جاز التحلل كما لا يجوز له التحلل في السنة الأولى، حين أمكن فعل الحج به، ولقوله وجه على كل حال.. ولا يوجب الشافعي ومالك على المحصر في حجة التطوع قضاء من قابل.

وأبو حنيفة يحتج بأن آية الإحصار نزلت في عام الحديبية، ورسول الله صلى الله عليه وسلم معتمر، وكان قد اعتمر من قبل الهجرة مرارا، وقضى العمرة في القابل، وسميت عمرة القضاء ..

وعندنا يجوز أن يقضي وإنما الكلام في الوجوب..

ولما قال تعالى في المحصر: ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله ، قال أبو حنيفة: إذا لم يجد المحصر هديا، لا يحل حتى يجد هديا ويذبح عنه.

وقال الشافعي في قول: يحل ويذبح إذا قدر.

وقيل: إن لم يقدر على دم أجزأه، وعليه الطعام، أو الصيام إن لم يجد ولم يقدر، وقاسه على دم المتمتع.

واحتج محمد بن الحسن بأن هدي المتمتع منصوص عليه، وهدي المحصر كذلك، فلا يقاس المنصوصات بعضها على بعض.

وذكر غيره أن الكفارات بالقياس لا يجوز إثباته، ووجه الجواب عنه بين.

قوله تعالى: ولا تحلقوا رءوسكم إلى قوله: ففدية من صيام أو صدقة أو نسك . وقوله تعالى: أو به أذى من رأسه ، يفيد أنه لو كان به قروح في رأسه، أو جراح، فاحتاج إلى سده وتغطيته، كان حكمه في الفدية حكم الحلق، وكذلك سائر الأمراض التي تصيبه، واحتاج معها إلى لبس الثياب جاز له أن يستبيح ذلك ويفتدي. لأن الله تعالى لم يخصص شيئا من ذلك، فهو عموم في الكل.

فعلى هذا إن قال قائل: أو به أذى من رأسه معناه: فحلق، ففدية قبل الحلق ، وهو غير مذكور وإن كان مرادا، وكذلك اللبس وتغطية الرأس، كل ذلك غير مذكور وهو مراد، لأن المعنى فيه استباحة ما يحظره الإحرام للعذر، وكذلك لو لم يكن مريضا وكان به أذى في بدنه يحتاج معه إلى حلق الشعر، كان في حكم الرأس في باب الفدية، إذ كان المعنى معقولا وهو استباحة ما يحرمه الإحرام في حالة العذر.

وصيام الجبرانات ثلاثة أيام في خبر كعب بن عجرة، ويحكى فيه خلاف ذلك عن الحسن وعكرمة، وأن الصيام لها عشرة أيام كصيام المتمتع.

وأما النسك فأقله شاة.

والفدية بالصدقة، أن يطعم ستة مساكين ثلاثة آصع من تمر أو طعام، فأما الصدقة بالطعام والدم، فيمكنه عند الشافعي، والصيام، حيث شاء، وأبو حنيفة يجوز الصدقة حيث شاء، لمطلق قوله: "ففدية من صيام أو صدقة أو نسك"، غير أن الدم اختص بالحرم بقوله: ثم محلها إلى البيت العتيق ، وقال: هديا بالغ الكعبة .

والشافعي يرى أن وجوب الذبح متى كان في الحرم، أوجب اختصاص التصدق باللحم بالحرم أيضا، وهذا أيضا مذكور في علم الخلاف..

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث