الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 142 ] فصل وأهل الضلال الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا هم كما قال مجاهد : أهل البدع والشبهات : يتمسكون بما هو بدعة في الشرع ومشتبه في العقل كما قال فيهم الإمام أحمد قال : هم مختلفون في الكتاب مخالفون للكتاب متفقون على مخالفة الكتاب يحتجون بالمتشابه من الكلام ويضلون الناس بما يشبهون عليهم . والمفترقة من أهل الضلال تجعل لها دينا وأصول دين قد ابتدعوه برأيهم ثم يعرضون على ذلك القرآن والحديث فإن وافقه احتجوا به اعتضادا لا اعتمادا وإن خالفه فتارة يحرفون الكلم عن مواضعه ويتأولونه على غير تأويله وهذا فعل أئمتهم وتارة يعرضون عنه ويقولون : نفوض معناه إلى الله وهذا فعل عامتهم . وعمدة الطائفتين في الباطن غير ما جاء به الرسول يجعلون أقوالهم البدعية محكمة يجب اتباعها واعتقاد موجبها والمخالف إما كافر وإما جاهل لا يعرف هذا الباب وليس له علم بالمعقول ولا بالأصول [ ص: 143 ] ويجعلون كلام الله ورسوله الذي يخالفها من المتشابه الذي لا يعرف معناه إلا الله أو لا يعرف معناه إلا الراسخون في العلم والراسخون عندهم من كان موافقا لهم على ذلك القول ; وهؤلاء أضل ممن تمسك بما تشابه عليه من آيات الكتاب وترك المحكم كالنصارى والخوارج وغيرهم ; إذ كان هؤلاء أخذوا بالمتشابه من كلام الله وجعلوه محكما وجعلوا المحكم متشابها .

وأما أولئك - كنفاة الصفات من الجهمية ومن وافقهم من المعتزلة وغيرهم وكالفلاسفة - فيجعلون ما ابتدعوه هم برأيهم هو المحكم الذي يجب اتباعه وإن لم يكن معهم من الأنبياء والكتاب والسنة ما يوافقه ويجعلون ما جاءت به الأنبياء وإن كان صريحا قد يعلم معناه بالضرورة يجعلونه من المتشابه ; ولهذا كان هؤلاء أعظم مخالفة للأنبياء من جميع أهل البدع حتى قال يوسف بن أسباط وعبد الله بن المبارك وغيرهما كطائفة من أصحاب أحمد : أن الجهمية نفاة الصفات خارجون عن الثنتين وسبعين فرقة قالوا : وأصولها أربعة : الشيعة والخوارج والمرجئة والقدرية . وقد ذكرنا في غير هذا الموضع أن في قوله تعالى { منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات } في المتشابهات قولان : [ ص: 144 ] " أحدهما " أنها آيات بعينها تتشابه على كل الناس . و " الثاني " - وهو الصحيح - أن التشابه أمر نسبي فقد يتشابه عند هذا ما لا يتشابه عند غيره ولكن ثم آيات محكمات لا تشابه فيها على أحد وتلك المتشابهات إذا عرف معناها صارت غير متشابهة ; بل القول كله محكم كما قال : { أحكمت آياته ثم فصلت } وهذا كقوله : " { الحلال بين والحرام بين وبين ذلك أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس } " وكذلك قولهم : { إن البقر تشابه علينا } . وقد صنف أحمد كتابا في " الرد على الزنادقة والجهمية " فيما شكت فيه من متشابه القرآن وتأولوه على غير تأويله وفسر تلك الآيات كلها وذمهم على أنهم تأولوا ذلك المتشابه على غير تأويله وعامتها آيات معروفة قد تكلم العلماء في تفسيرها ; مثل الآيات التي سأل عنها نافع بن الأزرق ابن عباس قال الحسن البصري : ما أنزل الله آية إلا وهو يحب أن يعلم فيم أنزلت وماذا عني بها . ومن قال من السلف إن المتشابه لا يعلم تأويله إلا الله فقد أصاب أيضا ومراده بالتأويل ما استأثر الله بعلمه مثل وقت الساعة ومجيء أشراطها ومثل كيفية نفسه وما أعده في الجنة لأوليائه .

[ ص: 145 ] وكان من أسباب نزول الآية احتجاج النصارى بما تشابه عليهم كقوله : ( إنا و ( نحن وهذا يعرف العلماء أن المراد به الواحد المعظم الذي له أعوان ; لم يرد به أن الآلهة ثلاثة فتأويل هذا الذي هو تفسيره يعلمه الراسخون ويفرقون بين ما قيل فيه : ( إياي وما قيل فيه ( إنا لدخول الملائكة فيما يرسلهم فيه ; إذ كانوا رسله وأما كونه هو المعبود الإله فهو له وحده ولهذا لا يقول : فإيانا فاعبدوا ولا إيانا فارهبوا بل متى جاء الأمر بالعبادة والتقوى والخشية والتوكل ذكر نفسه وحده باسمه الخاص وإذا ذكر الأفعال التي يرسل فيها الملائكة قال : { إنا فتحنا لك فتحا مبينا } { فإذا قرأناه فاتبع قرآنه } { نتلوا عليك من نبإ موسى وفرعون بالحق } ونحو ذلك مع أن تأويل هذا - وهو حقيقة ما دل عليه من الملائكة وصفاتهم وكيفية إرسال الرب لهم - لا يعلمه إلا الله كما قد بسط في غير هذا الموضع . و " المقصود هنا " أن الواجب أن يجعل ما قاله الله ورسوله هو الأصل ويتدبر معناه ويعقل ويعرف برهانه ودليله إما العقلي وإما الخبري السمعي ويعرف دلالة القرآن على هذا وهذا وتجعل أقوال الناس التي قد توافقه وتخالفه متشابهة مجملة فيقال لأصحاب هذه الألفاظ : يحتمل كذا وكذا ويحتمل كذا وكذا فإن أرادوا بها ما [ ص: 146 ] يوافق خبر الرسول قبل وإن أرادوا بها ما يخالفه رد . وهذا مثل لفظ " المركب " و " الجسم " و " المتحيز " و " الجوهر " و " الجهة " و " العرض " ونحو ذلك ولفظ " الحيز " ونحو ذلك فإن هذه الألفاظ لا توجد في الكتاب والسنة بالمعنى الذي يريده أهل هذا الاصطلاح ; بل ولا في اللغة أيضا بل هم يختصون بالتعبير بها على معان لم يعبر غيرهم عن تلك المعاني بهذه الألفاظ فيفسر تلك المعاني بعبارات أخرى ويبطل ما دل عليه القرآن : بالأدلة العقلية والسمعية وإذا وقع الاستفسار والتفصيل تبين الحق من الباطل وعرف وجه الكلام على أدلتهم فإنها ملفقة من مقدمات مشتركة يأخذون اللفظ المشترك في إحدى المقدمتين بمعنى وفي المقدمة الأخرى بمعنى آخر فهو في صورة اللفظ دليل وفي المعنى ليس بدليل كمن يقول : سهيل بعيد من الثريا لا يجوز أن يقترن بها ولا يتزوجها والذي قال : أيها المنكح الثريا سهيلا أراد امرأة اسمها الثريا ورجلا اسمه سهيل . ثم قال : عمرك الله كيف يلتقيان [ ص: 147 ]     هي شامية إذا ما استقلت
وسهيل إذا استقل يمان وهذا لفظ مشترك فجعل يعجبه وإنكاره من الظاهر من جهة اللفظ المشترك وقد بسط الكلام على أدلتهم المفصلة في غير موضع .

والأصل الذي بنى عليه نفاة الصفات وعطلوا ما عطلوه حتى صار منتهاهم إلى قول فرعون الذي جحد الخالق وكذب رسوله موسى في أن الله كلمه هو استدلالهم على حدوث العالم بأن الأجسام محدثة واستدلالهم على ذلك بأنها لا تخلو من الحوادث ولم تسبقها وما لم يخل من الحوادث ولم يسبقها فهو محدث وهذا أصل قول الجهمية الذين أطبق السلف والأئمة على ذمهم وأصل قول المتكلمين الذين أطبقوا على ذمهم وقد صنف الناس مصنفات متعددة فيها أقوال السلف والأئمة في ذم الجهمية وفي ذم هؤلاء المتكلمين . و السلف لم يذموا جنس الكلام . فإن كل آدمي يتكلم ولا ذموا الاستدلال والنظر والجدل الذي أمر الله به رسوله والاستدلال بما بينه الله ورسوله بل ولا ذموا كلاما هو حق ; بل ذموا الكلام الباطل وهو المخالف للكتاب والسنة وهو المخالف للعقل أيضا وهو الباطل . فالكلام الذي ذمه السلف هو الكلام الباطل وهو المخالف للشرع والعقل . [ ص: 148 ] ولكن كثير من الناس خفي عليه بطلان هذا الكلام فمنهم من اعتقده موافقا للشرع والعقل حتى اعتقد أن إبراهيم الخليل استدل به ومن هؤلاء من يجعله أصل الدين ولا يحصل الإيمان أو لا يتم إلا به ; ولكن من عرف ما جاء به الرسول وما كان عليه الصحابة علم بالاضطرار أن الرسول والصحابة لم يكونوا يسلكون هذا المسلك فصار من عرف ذلك يعرف أن هذا بدعة وكثير منهم لا يعرف أنه فاسد ; بل يظن مع ذلك أنه صحيح من جهة العقل ; لكنه طويل أو يبعد المعرفة أو هو طريق مخيفة مخطر يخاف على سالكه فصاروا يعيبونه كما يعاب الطريق الطويل والطريق المخيف مع اعتقادهم أنه يوصل إلى المعرفة وأنه صحيح في نفسه . وأما الحذاق العارفون تحقيقه فعلموا أنه باطل عقلا وشرعا وأنه ليس بطريق موصل إلى المعرفة بل إنما يوصل لمن اعتقد صحته إلى الجهل والضلال ومن تبين له تناقضه أوصله إلى الحيرة والشك . ولهذا صار حذاق سالكيه ينتهون إلى الحيرة والشك ; إذ كان حقيقته أن كل موجود فهو حادث مسبوق بالعدم وليس في الوجود قديم وهذا مكابرة ; فإن الوجود مشهود وهو إما حادث وإما قديم والحادث لا بد له من قديم فثبت وجود القديم على التقديرين .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث