الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


والجهمية النفاة كلهم مفترون كما قال الإمام أحمد بن حنبل إنما يقودون قولهم إلى فرية على الله وهؤلاء من أعظمهم افتراء على الله فإن القائلين بأن وجود الخالق هو وجود المخلوق هم أعظم افتراء ممن يقول إنه يحل فيه وهؤلاء يجهلون من يقول بالحلول أو يقول بالاتحاد وهو أن الخالق اتحد مع المخلوق فإن هذا إنما يكون إذا كان شيئان متباينان ثم اتحد أحدهما بالآخر كما يقوله النصارى من اتحاد اللاهوت مع الناسوت وهذا إنما يقال في شيء معين .

وهؤلاء عندهم ما ثم وجود لغيره حتى يتحد مع وجوده وهم من أعظم الناس تناقضا فإنهم يقولون ما ثم غير ولا سوى وتقول السبعينية ليس إلا الله بدل قول المسلمين لا إله إلا الله ثم يقولون [ ص: 197 ] هؤلاء المحجوبون لا يرون هذا . فإذا كان ما ثم غير ولا سوى فمن المحجوب ومن الحاجب ؟ ومن الذي ليس بمحجوب وعم حجب ؟ فقد أثبتوا أربعة أشياء : قوم محجوبون وقوم ليسوا بمحجوبين وأمر انكشف لهؤلاء وحجب عن أولئك .

فأين هذا من قولهم ما ثم اثنان ولا وجودان ؟ كما حدثني الثقة أنه قال للتلمساني : فعلى قولكم لا فرق بين امرأة الرجل وأمه وابنته ؟ قال : نعم الجميع عندنا سواء ; لكن هؤلاء المحجوبون قالوا حرام فقلنا حرام عليكم فقيل لهم : فمن المخاطب للمحجوبين أهو هم أم غيرهم ؟ فإن كانوا هم فقد حرم على نفسه لما زعم أنه حرام عليهم دونه وإن كانوا غيره فقد أثبت غيرين وعندهم ما ثم غير .

وهؤلاء اشتبه عليهم الواحد بالنوع بالواحد بالعين فإنه يقال : الوجود واحد كما يقال : الإنسانية واحدة والحيوانية واحدة أي يعني واحد كلي وهذا الكلي لا يكون كليا إلا في الذهن لا في الخارج فظنوا هذا الكلي ثابتا في الخارج ثم ظنوه هو الله وليس في الخارج كلي مع كونه كليا وإنما يكون كليا في الذهن وإذا قدر في الخارج كلي فهو جزء من المعينات وقائم بها ليس هو متميزا قائما بنفسه فحيوانية الحيوان وإنسانية الإنسان سواء قدرت معينة أو مطلقة هي صفة له ويمتنع أن تكون صفة الموصوف مبدعة له ولو [ ص: 198 ] قدر وجودها مجردا عن العيان على رأي من أثبت " المثل الأفلاطونية " فتثبت الماهيات الكلية مجردة عن الموصوفات ويدعى أنها قديمة أزلية مثل إنسانية مجردة وحيوانية مجردة وهذا خيال باطل .

وهذا الذي جعله مجردا هو مجرد في الذهن وليس في الخارج كلي مجرد وإذا قدر ثبوت كلي مجرد في الخارج وهو مسمى الوجود فهذا يتناول وجود المحدثات كلها كما يتناول وجود القديم وهذا لا يكون مبدعا لشيء ولا اختصاص له بصفات الكمال فلا يوصف بأنه حي عليم قدير ; إذ ليس وصفه بذلك بأولى من وصفه بأنه عاجز جاهل ميت والخالق لا بد أن يكون حيا عليما قديرا سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا .

ثم لو قدر أن هذا هو الخالق فهذا غير الأعيان الموجودة المخلوقة فقد ثبت وجودان أحدهما غير الآخر وأحدهما محدث مخلوق فيكون الآخر الخالق غير المخلوق ولا يمكن جحد وجود الأعيان المعينة ولكن الواحد من هؤلاء قد يغيب عن شهود المغيبات كما يغيب عن شهود نفسه فيظن أن ما لم يشهده قد عدم في نفسه وفني وليس كذلك فإن ما عدم وفني شهوده له وعلمه به ونظره إليه فالمعدوم الفاني صفة هذا الشخص وإلا فالموجودات في نفسها باقية على حالها لم تتغير وعدم العلم ليس علما بالمعدوم .

وعدم المشهود ليس شهودا للعدم ; ولكن هذه الحال يعتري كثيرا من السالكين [ ص: 199 ] يغيب أحدهم عن شهود نفسه وغيره من المخلوقات وقد يسمون هذا فناء واصطلاما وهذا فناء عن شهود تلك المخلوقات ; لا أنها في نفسها فنيت ومن قال : فني ما لم يكن وبقي ما لم يزل فالتحقيق - إذا كان صادقا - أنه فني شهوده لما لم يكن وبقي شهوده لما لم يزل لا أن ما لم يكن فني في نفسه فإنه باق موجود ; ولكن يتوهمون إذا لم يشهدوه أنه قد عدم في نفسه .

ومن هنا دخلت طائفة في الاتحاد والحلول فأحدهم قد يذكر الله حتى يغلب على قلبه ذكر الله ويستغرق في ذلك فلا يبقى له مذكور مشهود لقلبه إلا الله ويفنى ذكره وشهوده لما سواه فيتوهم أن الأشياء قد فنيت وأن نفسه فنيت حتى يتوهم أنه هو الله وأن الوجود هو الله .

ومن هذا الباب غلط أبي يزيد ونحوه حيث قال : ما في الجبة إلا الله .

وقد بسط هذا في غير هذا الموضع وبين أنه يعبر بالفناء عن ثلاثة أمور : " أحدها " أنه يفنى بعبادة الله عن عبادة ما سواه . وبمحبته وطاعته [ ص: 200 ] وخشيته ورجائه والتوكل عليه عن محبة ما سواه وطاعته وخشيته ورجائه والتوكل عليه وهذا هو حقيقة التوحيد الذي بعث الله به الرسل وأنزل به الكتب وهو تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله فقد فني من قلبه التأله لغير الله وبقي في قلبه تأله الله وحده وفني من قلبه حب غير الله وخشية غير الله والتوكل على غير الله وبقي في قلبه حب الله وخشية الله والتوكل على الله .

وهذا الفناء يجامع البقاء فيتخلى القلب عن عبادة غير الله مع تحلي القلب بعبادة الله وحده كما قال صلى الله عليه وسلم لرجل { قل : أسلمت لله وتخليت } وهو تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله بالنفي مع الإثبات ; نفي إلهية غيره مع إثبات إلهيته وحده فإنه ليس في الوجود إله إلا الله ليس فيه معبود يستحق العبادة إلا الله ; فيجب أن يكون هذا ثابتا في القلب ; فلا يكون في القلب من يألهه القلب ويعبده إلا الله وحده ويخرج من القلب كل تأله لغير الله ويثبت فيه تأله الله وحده ; إذ كان ليس ثم إله إلا الله وحده .

وهذه الولاية لله مقرونة بالبراءة والعداوة لكل معبود سواه ولمن عبدهم قال تعالى عن الخليل عليه السلام { وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون } { إلا الذي فطرني فإنه سيهدين } { وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون } وقال : { أفرأيتم ما كنتم تعبدون } [ ص: 201 ] { أنتم وآباؤكم الأقدمون } { فإنهم عدو لي إلا رب العالمين } . وقال تعالى : { قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده } .

قلت لبعض من خاطبته من شيوخ هؤلاء : قول الخليل : { إنني براء مما تعبدون } ممن تبرأ الخليل أتبرأ من الله تعالى وعندكم ما عبد غير الله قط ؟ والخليل قد تبرأ من كل ما كانوا يعبدون إلا من رب العالمين وقد جعله الله لنا وفيمن معه أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر قال تعالى : { قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك وما أملك لك من الله من شيء ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير } { ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا واغفر لنا ربنا إنك أنت العزيز الحكيم } { لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد } .

وقد قال صلى الله عليه وسلم { أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد : [ ص: 202 ] ألا كل شيء ما خلا الله باطل } وهذا تصديق قوله تعالى تعالى : { ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل وأن الله هو العلي الكبير } وقال تعالى : { فذلكم الله ربكم الحق فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون } وقال سبحانه : { كل شيء هالك إلا وجهه } قال طائفة من السلف كل عمل باطل إلا ما أريد به وجهه وقد قال سبحانه : { ولا يصدنك عن آيات الله بعد إذ أنزلت إليك وادع إلى ربك ولا تكونن من المشركين } { ولا تدع مع الله إلها آخر } . و " الإله " هو المألوه أي المستحق لأن يؤله أي يعبد ولا يستحق أن يؤله ويعبد إلا الله وحده وكل معبود سواه من لدن عرشه إلى قرار أرضه باطل وفعال بمعنى مفعول مثل لفظ الركاب والحمال ; بمعنى المركوب والمحمول .

وكان الصحابة يرتجزون في حفر الخندق يقولون : هذا الحمال لا حمال خيبر     هذا أبر ربنا وأطهر
وإذا قيل : هذا هو الإمام فهو الذي يستحق أن يؤتم به كما قال تعالى لإبراهيم : { إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين } فعهده بالإمامة لا ينال الظالم فالظالم لا يجوز أن يؤتم به في ظلمه ولا يركن إليه كما قال تعالى : { ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار } فمن ائتم بمن لا يصلح للإمامة فقد ظلم نفسه فكيف بمن جعل مع الله إلها آخر وعبد من لا يصلح للعبادة والله تعالى : { لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } وقد غلط طائفة من أهل الكلام فظنوا أن " الإله " بمعنى الفاعل وجعلوا الإلهية هي القدرة والربوبية فالإله هو القادر وهو الرب وجعلوا العباد مألوهين كما أنهم مربوبون .

فالذين يقولون بوحدة الوجود متنازعون في أمور لكن إمامهم ابن عربي يقول : الأعيان ثابتة في العدم ووجود الحق فاض عليها ; فلهذا قال : فنحن جعلناه بمألوهيتنا إلها . فزعم أن المخلوقات جعلت الرب إلها لها حيث كانوا مألوهين ومعنى مألوهين عنده مربوبين وكونهم مألوهين حيث كانت أعيانهم ثابتة في العدم . وفي كلامهم من هذا وأمثاله مما فيه تنقص بالربوبية ما لا يحصى فتعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا .

و " التحقيق " أن الله خالق كل شيء والمعدوم ليس بشيء في الخارج ولكن الله يعلم ما يكون قبل أن يكون ويكتبه وقد يذكره [ ص: 204 ] ويخبر به فيكون سببا في العلم والذكر والكتاب لا في الخارج كما قال : { إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون } . والله سبحانه خالق الإنسان ومعلمه فهو الذي { خلق الإنسان من علق } وهو { الأكرم } { الذي علم بالقلم } { علم الإنسان ما لم يعلم } ولو قدر أن الإله بمعنى الرب فهو الذي جعل المربوب مربوبا فيكون على هذا هو الذي جعل المألوه مألوها والمربوب لم يجعله ربا بل ربوبيته صفة وهو الذي خلق المربوب وجعله مربوبا وهو إذا آمن بالرب واعتقد ربوبيته وأخبر بها كان قد اتخذ الله ربا ولم يبغ ربا سوى الله ولم يتخذ ربا سواه كما قال تعالى : { قل أغير الله أبغي ربا وهو رب كل شيء } وقال تعالى : { قل أغير الله أتخذ وليا فاطر السماوات والأرض } وقال : { ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون } وهو أيضا في نفسه هو الإله الحق لا إله غيره فإذا عبده الإنسان فقد وحده من لم يجعل معه إلها آخر ولا اتخذ إلها غيره قال تعالى : { فلا تدع مع الله إلها آخر فتكون من المعذبين } وقال تعالى : { لا تجعل مع الله إلها آخر فتقعد مذموما مخذولا } وقال إبراهيم لأبيه آزر : { أتتخذ أصناما آلهة إني أراك وقومك في ضلال مبين } فالمخلوق ليس بإله في نفسه لكن عابده اتخذه إلها وجعله إلها وسماه [ ص: 205 ] إلها وذلك كله باطل لا ينفع صاحبه بل يضره كما أن الجاهل إذا اتخذ إماما ومفتيا وقاضيا كان ذلك باطلا ; فإنه لا يصلح أن يؤم ولا يفتي ولا يقضي وغير الله لا يصلح أن يتخذ إلها يعبد ويدعى فإنه لا يخلق ولا يرزق وهو سبحانه لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع ولا ينفع ذا الجد منه الجد .

ومن دعا من لا يسمع دعاءه أو يسمع ولا يستجيب له فدعاؤه باطل وضلال وكل من سوى الله إما أنه لا يسمع دعاء الداعي أو يسمع ولكن لا يستجيب له فإن غير الله لا يستقل بفعل شيء ألبتة وقد قال تعالى : { قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير } { ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له } فغير الله لا مالك لشيء ولا شريك في شيء ولا هو معاون للرب في شيء ; بل قد يكون له شفاعة إن كان من الملائكة والأنبياء والصالحين ولكن لا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له فلا بد أن يأذن للشافع أن يشفع وأن يأذن للمشفوع له أن يشفع له ومن دونه لا يملكون الشفاعة ألبتة فلا يصلح من سواه لأن يكون إلها معبودا كما لا يصلح أن يكون خالقا رازقا لا إله إلا هو وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث