الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 387 ] وأما الزكاة فهي متضمنة النماء والزيادة كالزرع وإن كانت الطهارة قد تدخل في معناها ; فإن الشيء إذا تنظف مما يفسده زكا ونما وصلح وزاد في نفسه كالزرع ينفى من الدغل قال الله تعالى : { ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكا منكم من أحد أبدا ولكن الله يزكي من يشاء } { قال أقتلت نفسا زكية بغير نفس } وقال : { قد أفلح من زكاها } وقال : { فارجعوا هو أزكى لكم } فإن الرجوع عمل صالح يزيد المؤمن زكاة وطهارة وقال : { ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن } فإن ذلك مجانبة لأسباب الريبة ; وذلك من نوع مجانبة الذنوب والبعد عنها ومباعدتها فأخبر أن ذلك أطهر لقلوب الطائفتين .

وأما الآية التي نحن فيها وهي قوله : { قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم } فالغض من البصر وحفظ الفرج يتضمن البعد عن نجاسة الذنوب ويتضمن الأعمال الصالحة التي يزكو بها الإنسان وهو أزكى والزكاة تتضمن الطهارة ; فإن فيها معنى ترك السيئات ومعنى فعل الحسنات ولهذا تفسر تارة بالطهارة وتارة بالزيادة والنماء ومعناها يتضمن الأمرين وإن كان قرن الطهارة معها في الذكر مثل قوله : { خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها } فالصدقة توجب الطهارة من الذنوب وتوجب الزكاة التي هي العمل الصالح كما أن الغض من البصر وحفظ الفرج هو أزكى لهم [ ص: 388 ] وهما يكونان باجتناب الذنوب وحفظ الجوارح ويكونان بالتوبة والصدقة التي هي الإحسان وهذان هما التقوى والإحسان و { إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون } .

وقد روى الترمذي وصححه { أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل ما أكثر ما يدخل الناس النار ؟ فقال : الأجوفان : الفم والفرج وسئل عن أكثر ما يدخل الناس الجنة ؟ فقال : تقوى الله وحسن الخلق } فيدخل في تقوى الله حفظ الفرج وغض البصر ويدخل في حسن الخلق الإحسان إلى الخلق والامتناع من إيذائهم وذلك يحتاج إلى الصبر والإحسان إلى الخلق يكون عن الرحمة والله تعالى يقول : { وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة } .

وهو سبحانه ذكر الزكاة هنا كما قدمها في قوله : { ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكا منكم من أحد أبدا } فإن اجتناب الذنوب يوجب الزكاة التي هي زوال الشر وحصول الخير والمفلحون هم الذين أدوا الواجبات وتركوا المحرمات كما وصفهم في أول سورة البقرة فقال : { الم } { ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين } الآيات : وقال : { قد أفلح من زكاها } فإذا كان قد أخبر أن هؤلاء مفلحون وأخبر أن المفلحين هم المتقون : { الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون } وأخبر أن من زكى نفسه فهو مفلح : دل ذلك على [ ص: 389 ] أن الزكاة تنتظم الأمور المذكورة في أول سورة البقرة .

وقوله : { ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم } وقوله : { فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى } فالتزكية من العباد لأنفسهم هي إخبارهم عن أنفسهم بكونها زاكية واعتقاد ذلك ; لا نفس جعلها زاكية وقال تعالى عن إبراهيم : { ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم } وقال : { لقد من الله على المؤمنين } الآية وقال : { هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم } الآية فامتن سبحانه على العباد بإرساله في عدة مواضع فهذه أربعة أمور أرسله بها : تلاوة آياته عليهم وتزكيتهم وتعليمهم الكتاب والحكمة .

وقد أفرد تعليمه الكتاب والحكمة بالذكر مثل قوله : { وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به } . وقوله : { واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة } وذلك أن التلاوة عليهم وتزكيتهم أمر عام لجميع المؤمنين ; فإن التلاوة هي تبليغ كلامه تعالى إليهم وهذا لا بد منه لكل مؤمن وتزكيتهم هو جعل أنفسهم زكية بالعمل الصالح الناشئ عن الآيات التي سمعوها وتليت عليهم فالأول سمعهم والثاني طاعتهم والمؤمنون يقولون سمعنا وأطعنا . الأول علمهم والثاني عملهم والإيمان قول وعمل فإذا سمعوا آيات الله وعوها بقلوبهم وأحبوها وعملوا بها ولم يكونوا كمن قال فيهم : { ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء صم بكم عمي فهم لا يعقلون } وإذا عملوا بها زكوا بذلك وكانوا من المفلحين المؤمنين .

والله قال : { يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات } وقال في ضدهم : { الأعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله } فأخبر أنهم أعظم كفرا ونفاقا وجهلا وذلك ضد الإيمان والعلم فاستماع آيات الله والتزكي بها أمر واجب على كل أحد فإنه لا بد لكل عبد من سماع رسالة سيده التي أرسل بها رسوله إليه وهذا هو السماع الواجب الذي هو أصل الإيمان ولا بد من التزكي بفعل المأمور وترك المحظور فهذان لا بد منهما .

وأما العلم بالكتاب والحكمة فهو فرض على الكفاية ; لا يجب على كل أحد بعينه أن يكون عالما بالكتاب : لفظه ومعناه عالما بالحكمة جميعها ; بل المؤمنون كلهم مخاطبون بذلك وهو واجب عليهم كما هم مخاطبون بالجهاد بل وجوب ذلك أسبق وأوكد من وجوب الجهاد ; فإنه أصل الجهاد ولولاه لم يعرفوا علام يقاتلون ولهذا كان قيام الرسول والمؤمنين بذلك قبل قيامهم بالجهاد فالجهاد سنام الدين وفرعه وتمامه وهذا أصله وأساسه وعموده ورأسه ومقصود الرسالة فعل الواجبات والمستحبات جميعا ولا ريب أن استماع كتاب الله والإيمان به وتحريم حرامه وتحليل حلاله . والعمل بمحكمه والإيمان بمتشابهه واجب [ ص: 391 ] على كل أحد وهذا هو التلاوة المذكورة في : { الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به } . فأخبر عن الذين يتلونه حق تلاوته أنهم يؤمنون به وبه قال سلف الأمة من الصحابة والتابعين وغيرهم وقوله : { حق تلاوته } كقوله { وجاهدوا في الله حق جهاده } { اتقوا الله حق تقاته } .

وأما حفظ جميع القرآن وفهم جميع معانيه ومعرفة جميع السنة فلا يجب على كل أحد ; لكن يجب على العبد أن يحفظ من القرآن ويعلم معانيه ويعرف من السنة ما يحتاج إليه وهل يجب عليه أن يسمع جميع القرآن ؟ فيه خلاف ولكن هذه المعرفة الحكمية التي تجب على كل عبد ليس هو علم الكتاب والحكمة التي علمها النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه وأمته ; بل ذلك لا يكون إلا بمعرفة حدود ما أنزل الله على رسوله من الألفاظ والمعاني والأفعال والمقاصد ولا يجب هذا على كل أحد .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث