الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


فصل إذا عرف الأصل في هذا الباب فنقول : يجوز بل يستحب وقد يجب أن يذب عن المظلوم وأن ينصر ; فإن نصر المظلوم مأمور به بحسب الإمكان وفي الصحيحين حديث البراء بن عازب قال : { أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبع ونهانا عن سبع أمرنا بعيادة المريض واتباع الجنازة وتشميت العاطس وإبرار القسم أو المقسم ونصر المظلوم وإجابة الداعي وإفشاء السلام .

ونهانا عن خواتيم أو تختم الذهب ; وعن شرب بالفضة ; وعن المياثر وعن القسي ولبس الحرير ; والإستبرق والديباج
} .

وفي الصحيح عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { انصر أخاك ظالما أو مظلوما قلت : يا رسول الله أنصره مظلوما فكيف أنصره ظالما ؟ قال : تمنعه من الظلم فذلك نصرك إياه } وأيضا ففيه تفريج كربة هذا المظلوم .

وفي صحيح مسلم عن أبي [ ص: 50 ] هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال { من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه } .

وفي صحيح مسلم أيضا عن جابر { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سئل عن الرقى قال : من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل } لكن ينصر بالعدل كما أمر الله ورسوله مثل الأدعية والأذكار الشرعية ومثل أمر الجني ونهيه كما يؤمر الإنسي وينهى ويجوز من ذلك ما يجوز مثله في حق الإنسي مثل أن يحتاج إلى انتهار الجني وتهديده ولعنه وسبه كما ثبت في صحيح مسلم عن أبي الدرداء قال : { قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمعناه يقول : أعوذ بالله منك ثم قال : ألعنك بلعنة الله ثلاثا وبسط يده كأنه يتناول شيئا فلما فرغ من الصلاة قلنا : يا رسول الله قد سمعناك تقول في الصلاة شيئا لم نسمعك تقوله قبل ذلك ورأيناك بسطت يدك قال : إن عدو الله إبليس جاء بشهاب من نار ليجعله في وجهي فقلت : أعوذ بالله منك ثلاث مرات ثم قلت : ألعنك بلعنة الله التامة فلم يستأخر ثلاث مرات ثم أردت أخذه ووالله لولا دعوة أخينا سليمان لأصبح موثقا يلعب به ولدان أهل المدينة }

ففي هذا الحديث الاستعاذة منه [ ص: 51 ] ولعنته بلعنة الله ولم يستأخر بذلك فمد يده إليه . وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { إن الشيطان عرض لي فشد علي ليقطع الصلاة علي فأمكنني الله منه فذعته ولقد هممت أن أوثقه إلى سارية حتى تصبحوا فتنظروا إليه فذكرت قول أخي سليمان { رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي } فرده الله خاسئا } فهذا الحديث يوافق الأول ويفسره وقوله : " ذعته " أي : خنقته فبين أن مد اليد كان لخنقه وهذا دفع لعدوانه بالفعل وهو الخنق وبه اندفع عدوانه فرده الله خاسئا .

وأما الزيادة وهو ربطه إلى السارية فهو من باب التصرف الملكي الذي تركه لسليمان فإن نبينا صلى الله عليه وسلم كان يتصرف في الجن كتصرفه في الإنس تصرف عبد رسول يأمرهم بعبادة الله وطاعته لا يتصرف لأمر يرجع إليه وهو التصرف الملكي ; فإنه كان عبدا رسولا وسليمان نبي ملك والعبد الرسول أفضل من النبي الملك كما أن السابقين المقربين أفضل من عموم الأبرار أصحاب اليمين وقد روى النسائي على شرط البخاري { عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي فأتاه الشيطان فأخذه فصرعه فخنقه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى وجدت برد لسانه على يدي ولولا [ ص: 52 ] دعوة سليمان لأصبح موثقا حتى يراه الناس } . ورواه أحمد وأبو داود من حديث أبي سعيد وفيه : { فأهويت بيدي فما زلت أخنقه حتى وجدت برد لعابه بين أصبعي هاتين : الإبهام والتي تليها } وهذا فعله في الصلاة وهذا مما احتج به العلماء على جواز مثل هذا في الصلاة وهو كدفع المار وقتل الأسودين والصلاة حال المسايفة .

وقد تنازع العلماء في شيطان الجن إذا مر بين يدي المصلي هل يقطع ؟ على قولين هما قولان في مذهب أحمد كما ذكرهما ابن حامد وغيره : أحدهما : يقطع لهذا الحديث ; ولقوله لما أخبر أن مرور الكلب الأسود يقطع للصلاة : { الكلب الأسود شيطان } فعلل بأنه شيطان . وهو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن الكلب الأسود شيطان الكلاب والجن تتصور بصورته كثيرا وكذلك صورة القط الأسود ; لأن السواد أجمع للقوى الشيطانية من غيره وفيه قوة الحرارة .

ومما يتقرب به إلى الجن الذبائح فإن من الناس من يذبح للجن وهو من الشرك الذي حرمه الله ورسوله وروي أنه نهى عن ذبائح الجن وإذا برئ المصاب بالدعاء . والذكر وأمر الجن ونهيهم وانتهارهم [ ص: 53 ] وسبهم ولعنهم ونحو ذلك من الكلام حصل المقصود وإن كان ذلك يتضمن مرض طائفة من الجن أو موتهم فهم الظالمون لأنفسهم إذا كان الراقي الداعي المعالج لم يتعد عليهم كما يتعدى عليهم كثير من أهل العزائم فيأمرون بقتل من لا يجوز قتله وقد يحبسون من لا يحتاج إلى حبسه ; ولهذا قد تقاتلهم الجن على ذلك ففيهم من تقتله الجن أو تمرضه وفيهم من يفعل ذلك بأهله وأولاده أو دوابه .

وأما من سلك في دفع عداوتهم مسلك العدل الذي أمر الله به ورسوله فإنه لم يظلمهم بل هو مطيع لله ورسوله في نصر المظلوم وإغاثة الملهوف والتنفيس عن المكروب بالطريق الشرعي التي ليس فيها شرك بالخلق ولا ظلم للمخلوق ومثل هذا لا تؤذيه الجن إما لمعرفتهم بأنه عادل ; وإما لعجزهم عنه . وإن كان الجن من العفاريت وهو ضعيف فقد تؤذيه فينبغي لمثل هذا أن يحترز بقراءة العوذ مثل آية الكرسي والمعوذات والصلاة والدعاء ونحو ذلك مما يقوي الإيمان ويجنب الذنوب التي بها يسلطون عليه فإنه مجاهد في سبيل الله وهذا من أعظم الجهاد فليحذر أن ينصر العدو عليه بذنوبه وإن كان الأمر فوق قدرته فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها فلا يتعرض من البلاء لما لا يطيق .

ومن أعظم ما ينتصر به عليهم آية الكرسي فقد ثبت في صحيح [ ص: 54 ] البخاري حديث { أبي هريرة قال : وكلني رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظ زكاة رمضان فأتاني آت فجعل يحثو من الطعام فأخذته وقلت لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إني محتاج وعلي عيال ولي حاجة شديدة قال : فخليت عنه فأصبحت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أبا هريرة ما فعل أسيرك البارحة ؟ قلت : يا رسول الله شكا حاجة شديدة وعيالا فرحمته وخليت سبيله قال : أما أنه قد كذبك وسيعود فعرفت أنه سيعود لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم فرصدته فجاء يحثو من الطعام فأخذته فقلت : لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : دعني فإني محتاج وعلي عيال لا أعود فرحمته فخليت سبيله فأصبحت فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أبا هريرة ما فعل أسيرك ؟ قلت : يا رسول الله شكا حاجة وعيالا فرحمته فخليت سبيله قال : أما إنه قد كذبك وسيعود فرصدته الثالثة فجاء يحثو من الطعام فأخذته فقلت : لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا آخر ثلاث مرات تزعم أنك لا تعود ثم تعود قال : دعني أعلمك كلمات ينفعك الله بها قلت : ما هن ؟ قال : إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي : { الله لا إله إلا هو الحي القيوم } حتى تختم الآية فإنك لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى [ ص: 55 ] تصبح فخليت سبيله فأصبحت فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ما فعل أسيرك البارحة ؟ قلت : يا رسول الله زعم أنه يعلمني كلمات ينفعني الله بها فخليت سبيله قال : ما هي ؟ قلت : قال لي : إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختم الآية : { الله لا إله إلا هو الحي القيوم } وقال لي : لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح وكانوا أحرص شيء على الخير فقال النبي صلى الله عليه وسلم أما إنه قد صدقك وهو كذوب تعلم من تخاطب منذ ثلاث ليال يا أبا هريرة ؟ قلت : لا . قال : ذاك شيطان } .

ومع هذا فقد جرب المجربون الذين لا يحصون كثرة أن لها من التأثير في دفع الشياطين وإبطال أحوالهم ما لا ينضبط من كثرته وقوته فإن لها تأثيرا عظيما في دفع الشيطان عن نفس الإنسان وعن المصروع وعن من تعينه الشياطين مثل أهل الظلم والغضب وأهل الشهوة والطرب وأرباب السماع المكاء والتصدية إذا قرئت عليهم بصدق دفعت الشياطين وبطلت الأمور التي يخيلها الشيطان ويبطل ما عند إخوان الشياطين من مكاشفة شيطانية وتصرف شيطاني إذ كانت الشياطين يوحون إلى أوليائهم بأمور يظنها الجهال من كرامات أولياء الله [ ص: 56 ] المتقين وإنما هي من تلبيسات الشياطين على أوليائهم المغضوب عليهم والضالين .

والصائل المعتدي يستحق دفعه سواء كان مسلما أو كافرا وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم { من قتل دون ماله فهو شهيد ومن قتل دون دمه فهو شهيد ومن قتل دون دينه فهو شهيد } فإذا كان المظلوم له أن يدفع عن مال المظلوم ولو بقتل الصائل العادي فكيف لا يدفع عن عقله وبدنه وحرمته فإن الشيطان يفسد عقله ويعاقبه في بدنه وقد يفعل معه فاحشة إنسي بإنسي وإن لم يندفع إلا بالقتل جاز قتله .

وأما إسلام صاحبه والتخلي عنه فهو مثل إسلام أمثاله من المظلومين وهذا فرض على الكفاية مع القدرة ففي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { المسلم أخو المسلم لا يسلمه ولا يظلمه } فإن كان عاجزا عن ذلك أو هو مشغول بما هو أوجب منه أو قام به غيره لم يجب وإن كان قادرا وقد تعين عليه ولا يشغله عما هو أوجب منه وجب عليه .

وأما قول السائل : هل هذا مشروع ؟ فهذا من أفضل الأعمال وهو من أعمال الأنبياء والصالحين ; فإنه ما زال الأنبياء والصالحون [ ص: 57 ] يدفعون الشياطين عن بني آدم بما أمر الله به ورسوله كما كان المسيح يفعل ذلك وكما كان نبينا صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك فقد روى أحمد في مسنده وأبو داود في سننه من حديث مطر بن عبد الرحمن الأعنق قال : حدثتني { أم أبان بنت الوازع بن زارع في عامر العبدي ; عن أبيها أن جدها الزارع انطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فانطلق معه بابن له مجنون - أو ابن أخت له - قال جدي : فلما قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت : إن معي ابنا لي - أو ابن أخت لي - مجنون أتيتك به تدعو الله له . قال : ائتني به قال : فانطلقت به إليه وهو في الركاب فأطلقت عنه وألقيت عنه ثياب السفر وألبسته ثوبين حسنين وأخذت بيده حتى انتهيت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ادنه مني اجعل ظهره مما يليني قال : بمجامع ثوبه من أعلاه وأسفله فجعل يضرب ظهره حتى رأيت بياض إبطيه ويقول : اخرج عدو الله اخرج عدو الله فأقبل ينظر نظر الصحيح ليس بنظره الأول ثم أقعده رسول الله صلى الله عليه وسلم بين يديه فدعا له بماء فمسح وجهه ودعا له فلم يكن في الوفد أحد بعد دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم يفضل عليه } .

وقال أحمد في المسند : ثنا عبد الله بن نمير ; عن عثمان بن حكيم أنا عبد الرحمن بن عبد العزيز ; { عن يعلى بن مرة قال : لقد رأيت من [ ص: 58 ] رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثا ما رآها أحد قبلي ولا يراها أحد بعدي لقد خرجت معه في سفر حتى إذا كنا ببعض الطريق مررنا بامرأة جالسة معها صبي لها فقالت : يا رسول الله هذا صبي أصابه بلاء وأصابنا منه بلاء يؤخذ في اليوم ما أدري كم مرة قال : ناولينيه فرفعته إليه فجعله بينه وبين واسطة الرحل ثم فغر فاه فنفث فيه ثلاثا وقال : بسم الله أنا عبد الله اخسأ عدو الله ثم ناولها إياه فقال : ألقينا في الرجعة في هذا المكان فأخبرينا ما فعل قال : فذهبنا ورجعنا فوجدناها في ذلك المكان معها شياه ثلاث فقال : ما فعل صبيك ؟ فقالت : والذي بعثك بالحق ما حسسنا منه شيئا حتى الساعة فاجترر هذه الغنم قال : انزل خذ منها واحدة ورد البقية } . وذكر الحديث بتمامه .

ثنا وكيع قال : ثنا الأعمش ; عن المنهال بن عمرو ; عن يعلى بن مرة ; عن أبيه قال وكيع : مرة يعني الثقفي ; ولم يقل : مرة عن أبيه : { أن امرأة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم معها صبي لها به لمم فقال النبي صلى الله عليه وسلم اخرج عدو الله أنا رسول الله قال : فبرأ قال : فأهدت إليه كبشين وشيئا من أقط وشيئا من سمن قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم خذ الأقط والسمن وخذ أحد الكبشين ورد عليها الآخر } .

[ ص: 59 ] ثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر ; عن عطاء بن السائب ; عن عبد الله بن حفص { عن يعلى بن مرة الثقفي قال : ثلاثة أشياء رأيتهن من رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر الحديث وفيه قال : ثم سرنا فمررنا بماء فأتته امرأة بابن لها به جنة فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم بمنخره فقال : اخرج إني محمد رسول الله قال : ثم سرنا فلما رجعنا من سفرنا مررنا بذلك الماء فأتته المرأة بجزر ولبن فأمرها أن ترد الجزر وأمر أصحابه فشربوا من اللبن فسألها عن الصبي فقالت : والذي بعثك بالحق ما رأينا منه ريبا بعدك } . ولو قدر أنه لم ينقل ذلك لكون مثله لم يقع عند الأنبياء ; لكون الشياطين لم تكن تقدر [ أن ] تفعل ذلك عند الأنبياء وفعلت ذلك عندنا فقد أمرنا الله ورسوله من نصر المظلوم والتنفيس عن المكروب ونفع المسلم بما يتناول ذلك .

وقد ثبت في الصحيحين حديث الذين رقوا بالفاتحة وقال النبي صلى الله عليه وسلم { وما أدراك أنها رقية } { وأذن لهم في أخذ الجعل على شفاء اللديغ بالرقية } وقد { قال النبي صلى الله عليه وسلم للشيطان الذي أراد قطع صلاته : أعوذ بالله منك ألعنك بلعنة الله التامة ثلاث مرات } وهذا كدفع ظالمي الإنس من الكفار والفجار ; فإن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وإن كانوا لم يروا الترك ولم يكونوا يرمون بالقسي الفارسية ونحوها مما يحتاج إليه في قتال فقد [ ص: 60 ] ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر بقتالهم وأخبر أن أمته ستقاتلهم ومعلوم أن قتالهم النافع إنما هو بالقسي الفارسية ولو قوتلوا بالقسي العربية التي تشبه قوس القطن لم تغن شيئا ; بل استطالوا على المسلمين بقوة رميهم فلا بد من قتالهم بما يقهرهم .

وقد قال بعض المسلمين لعمر بن الخطاب : إن العدو إذا رأيناهم قد لبسوا الحرير وجدنا في قلوبنا روعة فقال : وأنتم فالبسوا كما لبسوا . وقد { أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه في عمرة القضية بالرمل والاضطباع } ليري المشركين قوتهم وإن لم يكن هذا مشروعا قبل هذا ففعل لأجل الجهاد ما لم يكن مشروعا بدون ذلك .

ولهذا قد يحتاج في إبراء المصروع ودفع الجن عنه إلى الضرب فيضرب ضربا كثيرا جدا والضرب إنما يقع على الجني ولا يحس به المصروع حتى يفيق المصروع ويخبر أنه لم يحس بشيء من ذلك ولا يؤثر في بدنه ويكون قد ضرب بعصا قوية على رجليه نحو ثلاثمائة أو أربعمائة ضربة وأكثر وأقل بحيث لو كان على الإنسي لقتله وإنما هو على الجني والجني يصيح ويصرخ ويحدث الحاضرين بأمور متعددة كما قد فعلنا نحن هذا وجربناه مرات كثيرة يطول وصفها بحضرة خلق كثيرين .

[ ص: 61 ] وأما الاستعانة عليهم بما يقال ويكتب مما لا يعرف معناه فلا يشرع لا سيما إن كان فيه شرك ; فإن ذلك محرم . وعامة ما يقوله أهل العزائم فيه شرك وقد يقرءون مع ذلك شيئا من القرآن ويظهرونه ويكتمون ما يقولونه من الشرك وفي الاستشفاء بما شرعه الله ورسوله ما يغني عن الشرك وأهله .

والمسلمون وإن تنازعوا في جواز التداوي بالمحرمات كالميتة والخنزير فلا يتنازعون في أن الكفر والشرك لا يجوز التداوي به بحال ; لأن ذلك محرم في كل حال وليس هذا كالتكلم به عند الإكراه . فإن ذلك إنما يجوز إذا كان قلبه مطمئنا بالإيمان والتكلم به إنما يؤثر إذا كان بقلب صاحبه ولو تكلم به مع طمأنينة قلبه بالإيمان لم يؤثر . والشيطان إذا عرف أن صاحبه مستخف بالعزائم لم يساعده وأيضا فإن المكره مضطر إلى التكلم به ولا ضرورة إلى إبراء المصاب به لوجهين : أحدهما : أنه قد لا يؤثر أكثر مما يؤثر من يعالج بالعزائم فلا يؤثر بل يزيده شرا .

والثاني : أن في الحق ما يغني عن الباطل .

[ ص: 62 ] والناس في هذا الباب ثلاثة أصناف : قوم يكذبون بدخول الجني في الإنس . وقوم يدفعون ذلك بالعزائم المذمومة فهؤلاء يكذبون بالموجود وهؤلاء يعصون بل يكفرون بالمعبود . والأمة الوسط تصدق بالحق الموجود وتؤمن بالإله الواحد المعبود وبعبادته ودعائه وذكره وأسمائه وكلامه فتدفع شياطين الإنس والجن .

وأما سؤال الجن وسؤال من يسألهم فهذا إن كان على وجه التصديق لهم في كل ما يخبرون به والتعظيم للمسئول فهو حرام كما ثبت في صحيح مسلم وغيره { عن معاوية بن الحكم السلمي قال : قلت : يا رسول الله أمورا كنا نصنعها في الجاهلية كنا نأتي الكهان قال : فلا تأتوا الكهان } وفي صحيح مسلم أيضا عن عبيد الله ; عن نافع ; عن صفية ; عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { من أتى عرافا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين يوما } .

وأما إن كان يسأل المسئول ليمتحن حاله ويختبر باطن أمره وعنده ما يميز به صدقه من كذبه فهذا جائز كما ثبت في الصحيحين : { أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل ابن صياد فقال : ما يأتيك ؟ فقال : يأتيني صادق وكاذب قال : ما ترى ؟ قال : أرى عرشا على الماء قال : فإني قد خبأت لك خبيئا قال : الدخ الدخ قال : اخسأ فلن [ ص: 63 ] تعدو قدرك فإنما أنت من إخوان الكهان } .

وكذلك إذا كان يسمع ما يقولونه ويخبرون به عن الجن كما يسمع المسلمون ما يقول الكفار والفجار ليعرفوا ما عندهم فيعتبروا به وكما يسمع خبر الفاسق ويتبين ويتثبت فلا يجزم بصدقه ولا كذبه إلا ببينة كما قال تعالى : { إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا } وقد ثبت في صحيح البخاري عن أبي هريرة : { أن أهل الكتاب كانوا يقرءون التوراة ويفسرونها بالعربية فقال النبي صلى الله عليه وسلم إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم فإما أن يحدثوكم بحق فتكذبوه وإما أن يحدثوكم بباطل فتصدقوه وقولوا : { آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون } } فقد جاز للمسلمين سماع ما يقولونه ولم يصدقوه ولم يكذبوه .

وقد روي عن أبي موسى الأشعري أنه أبطأ عليه خبر عمر وكان هناك امرأة لها قرين من الجن فسأله عنه فأخبره أنه ترك عمر يسم إبل الصدقة . وفي خبر آخر أن عمر أرسل جيشا فقدم شخص إلى المدينة فأخبر أنهم انتصروا على عدوهم وشاع الخبر فسأل عمر عن ذلك فذكر له فقال : هذا أبو الهيثم بريد المسلمين من الجن وسيأتي بريد الإنس بعد ذلك فجاء بعد ذلك بعدة أيام .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث