الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

والمتفلسفة يقولون : القرآن جاء بالطريق الخطابية والمقدمات الإقناعية التي تقنع الجمهور ويقولون : إن المتكلمين جاءوا بالطرق الجدلية ويدعون أنهم هم أهل البرهان اليقيني . وهم أبعد عن البرهان في الإلهيات من المتكلمين والمتكلمون أعلم منهم بالعلميات البرهانية في الإلهيات والكليات ولكن للمتفلسفة في الطبيعيات خوض وتفصيل تميزوا به بخلاف الإلهيات فإنهم من أجهل الناس بها وأبعدهم عن معرفة الحق فيها وكلام أرسطو معلمهم فيها قليل كثير الخطأ فهو لحم جمل غث على رأس جبل وعر لا سهل فيرتقى ; ولا سمين فينتقى . وهذا مبسوط في غير هذا الموضع .

[ ص: 164 ] والقرآن جاء بالبينات والهدى ; بالآيات البينات وهي الدلائل اليقينيات وقد قال الله تعالى لرسوله : { ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن } والمتفلسفة يفسرون ذلك بطرقهم المنطقية في البرهان والخطابة والجدل وهو ضلال من وجوه قد بسطت في غير هذا الموضع بل الحكمة هي معرفة الحق والعمل به فالقلوب التي لها فهم وقصد تدعى بالحكمة فيبين لها الحق علما وعملا فتقبله وتعمل به .

وآخرون يعترفون بالحق لكن لهم أهواء تصدهم عن اتباعه فهؤلاء يدعون بالموعظة الحسنة المشتملة على الترغيب في الحق والترهيب من الباطل . والوعظ أمر ونهي بترغيب وترهيب كما قال تعالى : { ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به } وقال تعالى : { يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا } فالدعوة بهذين الطريقين لمن قبل الحق ومن لم يقبله فإنه يجادل بالتي هي أحسن .

والقرآن مشتمل على هذا وهذا ولهذا إذا جادل يسأل ويستفهم عن المقدمات البينة البرهانية التي لا يمكن أحد أن يجحدها ; لتقرير المخاطب بالحق ولاعترافه بإنكار الباطل كما في مثل قوله : { أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون } وقوله : { أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق جديد } وقوله : { أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم } وقوله : { أيحسب الإنسان أن يترك سدى } { ألم يك نطفة من مني يمنى } { ثم كان علقة فخلق فسوى } { فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى } { أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى } وقوله : { أفرأيتم ما تمنون } { أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون } وقوله : { وقالوا لولا يأتينا بآية من ربه أولم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى } وقوله : { أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم } وقوله : { أولم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل } وقوله : { ألم نجعل له عينين } { ولسانا وشفتين } { وهديناه النجدين } إلى أمثال ذلك مما يخاطبهم باستفهام التقرير المتضمن إقرارهم واعترافهم بالمقدمات البرهانية التي تدل على المطلوب فهو من أحسن جدل بالبرهان ; فإن الجدل إنما يشترط فيه أن يسلم الخصم المقدمات وإن لم تكن بينة معروفة فإذا كانت بينة معروفة كانت برهانية .

والقرآن لا يحتج في مجادلته بمقدمة لمجرد تسليم الخصم بها كما هي الطريقة الجدلية عند أهل المنطق وغيرهم بل بالقضايا والمقدمات التي تسلمها الناس وهي برهانية وإن كان بعضهم يسلمها وبعضهم ينازع فيها ذكر الدليل على صحتها كقوله : { وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم } فإن الخطاب لما كان مع من يقر بنبوة موسى من أهل الكتاب ومع من ينكرها من المشركين ذكر ذلك بقوله : { قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى } وقد بين البراهين الدالة على صدق موسى في غير موضع .

وعلى قراءة من قرأ يبدونها كابن كثير وأبي عمرو جعلوا الخطاب مع المشركين وجعلوا قوله : { وعلمتم ما لم تعلموا } احتجاجا على المشركين بما جاء به محمد ; فالحجة على أولئك نبوة موسى وعلى هؤلاء نبوة محمد ولكل منهما من البراهين ما قد بين بعضه في غير موضع .

وعلى قراءة الأكثرين بالتاء هو خطاب لأهل الكتاب وقوله : { وعلمتم ما لم تعلموا } بيان لما جاءت به الأنبياء مما أنكروه فعلمهم الأنبياء ما لم يقبلوه ولم يعلموه فاستدل بما عرفوه من أخبار الأنبياء وما لم يعرفوه .

وقد قص سبحانه قصة موسى وأظهر براهين موسى وآياته التي هي من أظهر البراهين والأدلة حتى اعترف بها السحرة الذين جمعهم فرعون وناهيك بذلك فلما أظهر الله حق موسى ; وأتى بالآيات التي علم بالاضطرار أنها من الله ; وابتلعت عصاه الحبال والعصي التي أتى [ ص: 167 ] بها السحرة بعد أن جاءوا بسحر عظيم وسحروا أعين الناس واسترهبوا الناس ثم لما ظهر الحق وانقلبوا صاغرين قالوا : { آمنا برب العالمين } { رب موسى وهارون } فقال لهم فرعون : { آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم الذي علمكم السحر فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم في جذوع النخل ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى } { قالوا لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات } من الدلائل البينات اليقينية القطعية وعلى الذي فطرنا ; وهو خالقنا وربنا الذي لا بد لنا منه لن نؤثرك على هذه الدلائل اليقينية وعلى خالق البرية { فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا } { إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر والله خير وأبقى } .

وقد ذكر الله هذه القصة في عدة مواضع من القرآن يبين في كل موضع منها من الاعتبار والاستدلال نوعا غير النوع الآخر كما يسمى الله ورسوله وكتابه بأسماء متعددة كل اسم يدل على معنى لم يدل عليه الاسم الآخر وليس في هذا تكرار بل فيه تنويع الآيات مثل : أسماء النبي صلى الله عليه وسلم إذا قيل : محمد وأحمد ; والحاشر والعاقب ; والمقفى ; ونبي الرحمة ونبي التوبة ونبي الملحمة في كل اسم دلالة على معنى ليس في الاسم الآخر وإن كانت الذات واحدة فالصفات متنوعة .

[ ص: 168 ] وكذلك القرآن إذا قيل فيه ; قرآن ; وفرقان وبيان ; وهدى وبصائر وشفاء ونور ورحمة وروح فكل اسم يدل على معنى ليس هو المعنى الآخر .

وكذلك أسماء الرب تعالى إذا قيل : الملك ; القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز ; الجبار المتكبر الخالق البارئ ; المصور فكل اسم يدل على معنى ليس هو المعنى الذي في الاسم الآخر فالذات واحدة والصفات متعددة فهذا في الأسماء المفردة .

وكذلك في الجمل التامة يعبر عن القصة بجمل تدل على معان فيها ثم يعبر عنها بجمل أخرى تدل على معان أخر وإن كانت القصة المذكورة ذاتها واحدة فصفاتها متعددة ففي كل جملة من الجمل معنى ليس في الجمل الأخر .

وليس في القرآن تكرار أصلا وأما ما ذكره بعض الناس من أنه كرر القصص مع [ إمكان ] الاكتفاء بالواحدة وكان الحكمة فيه : أن وفود العرب كانت ترد على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقرئهم المسلمون شيئا من القرآن فيكون ذلك كافيا وكان يبعث إلى القبائل [ ص: 169 ] المتفرقة بالسور المختلفة فلو لم يكن الآيات والقصص مثناة متكررة لوقعت قصة موسى إلى قوم وقصة عيسى إلى قوم وقصة نوح إلى قوم فأراد الله أن يشهر هذه القصص في أطراف الأرض وأن يلقيها إلى كل سمع . فهذا كلام من لم يقدر القرآن قدره . وأبو الفرج اقتصر على هذا الجواب في قوله : ( مثاني لما قيل : لم ثنيت ؟ وبسط هذا له موضع آخر فإن التثنية هي التنويع والتجنيس وهي استيفاء الأقسام ولهذا يقول من يقول من السلف : الأقسام والأمثال .

والمقصود هنا التنبيه على أن القرآن اشتمل على أصول الدين التي تستحق هذا الاسم وعلى البراهين والآيات والأدلة اليقينية ; بخلاف ما أحدثه المبتدعون والملحدون كما قال الرازي مع خبرته بطرق هؤلاء : لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية فما وجدتها تشفي عليلا ولا تروي غليلا ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن : اقرأ في الإثبات { إليه يصعد الكلم الطيب } { الرحمن على العرش استوى } . واقرأ في النفي { ليس كمثله شيء } { ولا يحيطون به علما } قال : ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي .

والخير والسعادة والكمال والصلاح منحصر في نوعين : في العلم النافع ; والعمل الصالح . وقد بعث الله محمدا بأفضل ذلك وهو الهدى [ ص: 170 ] ودين الحق كما قال : { هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا } ؟ وقد قال تعالى : { واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار } فذكر النوعين قال الوالبي عن ابن عباس يقول : أولوا القوة في العبادة قال ابن أبي حاتم : وروي عن سعيد بن جبير وعطاء الخراساني والحسن والضحاك والسدي وقتادة وأبي سنان ومبشر بن عبيد نحو ذلك . و ( الأبصار قال : الأبصار الفقه في الدين . وقال مجاهد : ( الأبصار الصواب في الحكم وعن سعيد بن جبير قال : البصيرة بدين الله وكتابه . وعن عطاء الخراساني : { أولي الأيدي والأبصار } قال : أولوا القوة في العبادة والبصر والعلم بأمر الله وعن مجاهد وروي عن قتادة قال : أعطوا قوة في العبادة وبصرا في الدين .

وجميع حكماء الأمم يفضلون هذين النوعين مثل حكماء اليونان والهند والعرب قال ابن قتيبة : الحكمة عند العرب العلم والعمل فالعمل الصالح هو عبادة الله وحده لا شريك له وهو الدين دين الإسلام والعلم والهدى هو تصديق الرسول فيما أخبر به عن الله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وغير ذلك فالعلم النافع هو الإيمان والعمل الصالح هو الإسلام العلم النافع من علم الله والعمل الصالح هو العمل بأمر الله هذا تصديق الرسول فيما أخبر وهذا [ ص: 171 ] طاعته فيما أمر . وضد الأول أن يقول على الله ما لا يعلم وضد الثاني أن يشرك بالله ما لم ينزل به سلطانا والأول أشرف فكل مؤمن مسلم وليس كل مسلم مؤمنا { قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا } وجميع الطوائف تفضل هذين النوعين لكن الذي جاء به الرسول هو أفضل ما فيهما كما قال : { إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم } وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في ركعتي الفجر تارة ( سورة الإخلاص و ( قل يا أيها الكافرون ففي ( قل يا أيها الكافرون عبادة الله وحده وهو دين الإسلام وفي ( قل هو الله أحد صفة الرحمن وأن يقال فيه ويخبر عنه بما يستحقه وهو الإيمان هذا هو التوحيد القولي وذلك هو التوحيد العملي .

وكان تارة يقرأ فيهما في الأولى بقوله في البقرة : { قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون } وفي الثانية : { قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم } إلى قوله { فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون } .

[ ص: 172 ] قال أبو العالية في قوله { فوربك لنسألنهم أجمعين } { عما كانوا يعملون } قال : خلتان يسأل عنهما كل أحد : ماذا كنت تعبد ؟ وماذا أجبت المرسلين ؟ فالأولى تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله والثانية تحقيق الشهادة بأن محمدا رسول الله .

والصوفية بنو أمرهم على الإرادة ولا بد منها لكن بشرط أن تكون إرادة عبادة الله وحده بما أمر .

والمتكلمون بنوا أمرهم على النظر المقتضي للعلم ولا بد منه لكن بشرط أن يكون علما بما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم والنظر في الأدلة التي دل بها الرسول وهي آيات الله ولا بد من هذا وهذا .

ومن طلب علما بلا إرادة أو إرادة بلا علم فهو ضال ومن طلب هذا وهذا بدون اتباع الرسول فيهما فهو ضال بل كما قال من قال من السلف : الدين والإيمان قول وعمل واتباع السنة . وأهل الفقه في الأعمال الظاهرة يتكلمون في العبادات الظاهرة وأهل التصوف والزهد يتكلمون في قصد الإنسان وإرادته وأهل النظر والكلام وأهل العقائد من أهل الحديث وغيرهم يتكلمون في العلم والمعرفة والتصديق الذي هو أصل الإرادة ويقولون : العبادة لا بد فيها من القصد والقصد لا يصح إلا بعد العلم بالمقصود المعبود وهذا صحيح [ ص: 173 ] فلا بد من معرفة المعبود وما يعبد به فالضالون من المشركين والنصارى وأشباههم لهم عبادات وزهادات لكن لغير الله أو بغير أمر الله وإنما القصد والإرادة النافعة هو إرادة عبادة الله وحده وهو إنما يعبد بما شرع لا بالبدع .

وعلى هذين الأصلين يدور دين الإسلام : على أن يعبد الله وحده وأن يعبد بما شرع ولا يعبد بالبدع وأما العلم والمعرفة والتصوف فمدارها على أن يعرف ما أخبر به الرسول ويعرف أن ما أخبر به حق إما لعلمنا بأنه لا يقول إلا حقا وهذا تصديق عام وإما لعلمنا بأن ذلك الخبر حق بما أظهر الله من آيات صدقه فإنه أنزل الكتاب والميزان وأرى الناس آياته في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أن القرآن حق .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث