الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في محبة الجمال

[ ص: 124 ] وقال رحمه الله فصل في " محبة الجمال " ثبت في صحيح مسلم عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " { لا يدخل النار أحد في قلبه مثقال ذرة من إيمان ولا يدخل الجنة أحد في قلبه مثقال حبة خردل من كبر وفي رواية : لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر فقال : رجل يا رسول الله : إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنا فقال : إن الله جميل يحب الجمال الكبر بطر الحق وغمط الناس .

} فقوله : " { إن الله جميل يحب الجمال } " قد أدرج فيه حسن الثياب التي هي المسئول عنها فعلم أن الله يحب الجميل من الناس ويدخل في عمومه بطريق الفحوى الجميل من كل شيء . وهذا كقوله في الحديث الذي رواه الترمذي : " { إن الله نظيف يحب النظافة } " .

وقد ثبت عنه في الصحيح : " { إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا } " [ ص: 125 ] وهذا مما يستدل به على استحباب التجمل في الجمع والأعياد . كما في الصحيحين { أن عمر بن الخطاب رأى حلة تباع في السوق فقال : يا رسول الله لو اشتريت هذه تلبسها فقال : إنما يلبس هذه من لا خلاق له في الآخرة } " وهذا يوافقه في حسن الثياب ما في السنن { عن أبي الأحوص الجشمي قال : رآني النبي صلى الله عليه وسلم وعلي أطمار فقال : هل لك من مال ؟ قلت : نعم قال : من أي المال قلت : من كل ما آتاني الله من الإبل والشاء قال : فلتر نعمة الله عليك وكرامته عليك } .

وفيها عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده } لكن هذا لظهور نعمة الله وما في ذلك من شكره وأنه يحب أن يشكر وذلك لمحبة الجمال . وهذا الحديث قد ضل قوم بما تأولوه رأوه معارضا .

وكل مصنوع الرب جميل لقول الله تعالى : { الذي أحسن كل شيء خلقه } فيحب كل شيء وقد يستدلون بقول بعض المشايخ : المحبة نار تحرق من القلب كل ما سوى مراد المحبوب [ ص: 126 ] والمخلوقات كلها مرادة له وهؤلاء يصرح أحدهم بإطلاق الجمال في كل شيء وأقل ما يصيب هؤلاء أنهم يتركون الغيرة لله والنهي عن المنكر والبغض في الله والجهاد في سبيله وإقامة حدوده وهم في ذلك متناقضون إذ لا يتمكنون من الرضا بكل موجود . فإن المنكرات هي أمور مضرة لهم ولغيرهم فيبقى أحدهم مع طبعه وذوقه وينسلخون عن دين الله وربما دخل أحدهم في الاتحاد والحلول المطلق وفيهم من يخص الحلول والاتحاد ببعض المخلوقات كالمسيح أو علي أو غيرهما أو المشايخ والملوك والمردان .

فيقولون : بحلوله في الصور الجميلة ويعبدونها ومنهم من لا يرى ذلك بل يتدين بحب الصور الجميلة من النساء الأجانب والمردان وغير ذلك ويرى هذا من الجمال الذي يحبه الله فيحبه هو ويلبس المحبة الطبيعية المحرمة بالمحبة الدينية ويجعل ما حرمه الله مما يقرب إليه { وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء

} والآخرون قالوا : قد ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم } وقد قال تعالى عن المنافقين : { وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم } وقال تعالى : { وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن أثاثا ورئيا } والأثاث المال من اللباس ونحوه . والرئي المنظر .

فأخبر أن الذين أهلكهم قبلهم كانوا أحسن صورا وأحسن أثاثا وأموالا ليبين أن ذلك لا ينفع عنده ولا يعبأ به .

وقال النبي صلى الله عليه وسلم " { لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأبيض على أسود ولا لأسود على أبيض إلا بالتقوى } وفي السنن عنه أنه قال : { البذاذة من الإيمان

} وأيضا فقد حرم علينا من لباس الحرير والذهب وآنية الذهب والفضة ما هو من أعظم الجمال في الدنيا وحرم الله الفخر والخيلاء واللباس الذي فيه الفخر والخيلاء كإطالة الثياب حتى ثبت في الصحيح عنه أنه قال : " { من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة } ومثل ذلك ما في الصحيح عن أبي هريرة { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جر إزاره بطرا } " وفي الصحيح عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { بينما رجل يجر إزاره من الخيلاء خسف به فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة

} وقال تعالى : { يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير ذلك من آيات الله } فأخبر أن لباس التقوى خير من ذلك . وقال تعالى : { أومن ينشأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين } وقال تعالى في حق قارون : { فخرج على قومه في زينته } . قالوا : بثياب الأرجوان . ولهذا ثبت { عن عبد الله بن عمرو قال : رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم علي ثوبين معصفرين فقال : إن هذه من ثياب الكفار فلا تلبسهما . قلت : أغسلهما قال : احرقهما

} ولهذا كره العلماء الأحمر المشبع حمرة كما جاء النهي عن الميثرة الحمراء . وقال عمر بن الخطاب : دعوا هذه البراقات للنساء . والآثار في هذا ونحوه كثيرة . وقال تعالى : { قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم } إلى قوله { وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون } وقال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح عن جرير بن عبد الله قال : " { سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظرة الفجأة فقال : اصرف بصرك } وفي السنن أنه قال لعلي : { يا علي لا تتبع النظرة النظرة فإنما لك الأولى وليست لك الآخرة } .

وقد قال تعالى : { ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى } وقال : { لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم ولا تحزن عليهم واخفض جناحك للمؤمنين } وقال : { زين للناس حب الشهوات من النساء } إلى قوله { قل أؤنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار } وقد قال تعالى - مع ذمه لما ذمه من [ ص: 129 ] هذه الزينة - : { قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة } .

فنقول : اعلم أن ما يصفه النبي صلى الله عليه وسلم من محبته للأجناس . المحبوبة وما يبغضه من ذلك هو مثل ما يأمر به من الأفعال وينهى عنه من ذلك ; فإن الحب والبغض هما أصل الأمر والنهي وذلك نظير ما يعده على الأعمال الحسنة من الثواب ويتوعد به على الأعمال السيئة من العقاب فأمره ونهيه ووعده ووعيده وحبه وبغضه وثوابه وعقابه كل ذلك من

وقد بسطنا الكلام على ما يتعلق بهذه القاعدة في غير موضع لتعلقها بأصول الدين وفروعه فإن من أكبر شعبها " مسألة الأسماء والأحكام " في فساق أهل الملة . وهل يجتمع في حق الشخص الواحد الثواب والعقاب كما يقوله أهل السنة والجماعة أم لا يجتمع ذلك ؟ كما يقوله جمهور الخوارج والمعتزلة . وهل يكون الشيء الواحد محبوبا من وجه مبغوضا من وجه محمودا من وجه مذموما من وجه ؟ وقد تنازع في ذلك أهل العلم من الفقهاء والمتكلمين وغيرهم . والتعارض بين النصوص إنما هو لتعارض المقتضي للحمد والذم من الصفات [ ص: 130 ] القائمة بذلك ; ولهذا كان هذا الجنس موجبا للفرقة والفتنة .

فأول مسألة فرقت بين الأمة مسألة الفاسق الملي فأدرجته الخوارج في نصوص الوعيد فخلدوه في النار لكن لم يحكموا بكفره فلو كان شيء خيرا محضا لم يوجب فرقة ولو كان شرا محضا لم يخف أمره لكن لاجتماع الأمرين فيه أوجب الفتنة .

وكذلك " مسألة القدر " التي هي من جملة فروع هذا الأصل فإنه اجتمع في الأفعال الواقعة التي نهى الله عنها : أنها مرادة له لكونها من الموجودات وأنها غير محبوبة له بل ممقوتة مبغوضة فأثبتوا وجود الكائنات بدون مشيئته ; ولهذا لما قال غيلان القدري لربيعة بن أبي عبد الرحمن : يا ربيعة نشدتك الله أترى الله يحب أن يعصى ؟ فقال له ربيعة : أفترى الله يعصى قسرا فكأنه ألقمه حجرا . يقول له : نزهته عن محبة المعاصي فسلبته الإرادة والقدرة وجعلته مقهورا مقسورا .

وقال من عارض القدرية بل كل ما أراده فقد أحبه ورضيه ولزمهم أن يكون الكفر والفسوق والعصيان محبوبا لله مرضيا .

وقالوا أيضا : يأمر بما لا يريد كل ما أمر به من الحسنات [ ص: 131 ] فإنه لم يرده وربما قالوا : ولم يحبه ولم يرضه إلا إذا وجد . قالوا . ولكن أمر به وطلبه .

فقيل لهم : هل يكون طلب وإرادة واستدعاء بلا إرادة ولا محبة ولا رضى . هذا جمع بين النقيضين فتحيروا . فأولئك سلبوا الرب خلقه وقدرته وإرادته العامة وهؤلاء سلبوه محبته ورضاه وإرادته الدينية وما تضمنه أمره ونهيه من ذلك . فكما أن الأولين لم يثبتوا أن الشخص الواحد يكون مثابا معاقبا : بل إما مثابا وإما معاقبا فهؤلاء لم يثبتوا أن الفعل الواحد يكون مرادا من وجه دون وجه مرادا غير محبوب بل إما مراد محبوب وإما غير مراد ولا محبوب .

وكما تفرقوا في صفات الخالق تفرقوا في صفات المخلوق فأولئك لم يثبتوا إلا قدرة واحدة تكون قبل الفعل وهؤلاء لم يثبتوا له إلا قدرة واحدة تكون مع الفعل . أولئك نفوا القدرة الكونية التي بها يكون الفعل وهؤلاء نفوا القدرة الدينية التي بها يأمر الله العبد وينهاه وهذا من أصول تفرقهم في " مسألة تكليف ما لا يطاق " .

وانقسموا إلى قدرية مجوسية ; تثبت الأمر والنهي وتنفي القضاء والقدر . وإلى قدرية مشركية شر منهم : تثبت القضاء والقدر وتكذب بالأمر والنهي أو ببعض ذلك وإلى قدرية إبليسية : تصدق بالأمر لكن ترى ذلك تناقضا مخالفا للحق والحكمة وهذا [ ص: 132 ] شأن عامة ما تتعارض فيه الأسباب والدلائل .

تجد فريقا يقولون : بهذا دون هذا وفريقا بالعكس أو الأمرين فاعتقدوا تناقضهما فصاروا متحيرين معرضين عن التصديق بهما جميعا ومتناقضين مع هذا تارة ومع هذا تارة وهذا تجده في مسائل الكلام والاعتقادات ومسائل الإرادة والعبادات . كمسألة السماع الصوتي ومسألة الكلام ومسائل الصفات وكلام الله تعالى وغير ذلك من المسائل .

وأصل هذا كله : هو العدل بالتسوية بين المتماثلين فإن الله يقول : { لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط } . وقد بسطنا القول في ذلك . وبينا أن العدل جماع الدين والحق والخير كله : في غير موضع . والعدل الحقيقي قد يكون متعذرا أو متعسرا إما علمه وإما العمل به لكون التماثل من كل وجه غير متمكن أو غير معلوم فيكون الواجب في مثل ذلك ما كان أشبه بالعدل وأقرب إليه وهي الطريقة المثلى ; ولهذا قال سبحانه : { وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسا إلا وسعها } .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث