الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة قراءة المعوذتين دبر كل صلاة

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 492 ] باب الذكر بعد الصلاة وسئل رحمه الله عن { حديث عقبة بن عامر قال : أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن اقرأ بالمعوذات دبر كل صلاة } { وعن أبي أمامة قال : قيل : يا رسول الله أي الدعاء أسمع ؟ قال : جوف الليل الأخير ودبر الصلوات المكتوبة } { وعن معاذ بن جبل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ بيده فقال : يا معاذ والله إني لأحبك فلا تدعن في دبر كل صلاة أن تقول : اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك } فهل هذه الأحاديث تدل على أن الدعاء بعد الخروج من الصلاة سنة . أفتونا وابسطوا القول في ذلك مأجورين ؟

التالي السابق


فأجاب : الحمد لله رب العالمين . الأحاديث المعروفة في الصحاح والسنن والمساند تدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو في دبر صلاته قبل الخروج منها وكان يأمر أصحابه بذلك ويعلمهم ذلك ولم ينقل أحد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى بالناس يدعو بعد الخروج من الصلاة هو والمأمومون جميعا لا في الفجر ولا في العصر ولا في غيرهما من الصلوات بل قد ثبت عنه أنه كان [ ص: 493 ] يستقبل أصحابه ويذكر الله ويعلمهم ذكر الله عقيب الخروج من الصلاة .

ففي الصحيح { أنه كان قبل أن ينصرف يستغفر ثلاثا ويقول : اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام } وفي الصحيحين من حديث المغيرة بن شعبة أنه كان يقول : { لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد } . وفي الصحيح من حديث ابن الزبير " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يهلل بهؤلاء الكلمات : { لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير لا حول ولا قوة إلا بالله لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون } وفي الصحيح عن ابن عباس : { أن رفع الناس أصواتهم بالذكر كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم } . وفي لفظ كنا نعرف انقضاء صلاته بالتكبير .

والأذكار التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلمها المسلمين عقيب الصلاة أنواع : [ ص: 494 ] أحدها : { أنه يسبح ثلاثا وثلاثين ويحمد ثلاثا وثلاثين ويكبر ثلاثا وثلاثين . فتلك تسع وتسعون ويقول تمام المائة : لا إله إلا الله وحده . لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير } . رواه مسلم في صحيحه .

والثاني : يقولها خمسا وعشرين ويضم إليها " لا إله إلا الله " وقد رواه مسلم .

والثالث : يقول الثلاثة ثلاثا وثلاثين وهذا على وجهين : أحدهما : أن يقول كل واحدة ثلاثا وثلاثين .

والثاني : أن يقول كل واحدة إحدى عشرة مرة والثلاث والثلاثون في الحديث المتفق عليه في الصحيحين .

والخامس : يكبر أربعا وثلاثين ليتم مائة .

والسادس : يقول : الثلاثة عشرا عشرا . فهذا هو الذي مضت به سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك مناسب لأن المصلي يناجي ربه . فدعاؤه له ومسألته إياه وهو يناجيه أولى به من مسألته ودعائه بعد انصرافه عنه .

[ ص: 495 ] وأما الذكر بعد الانصراف فكما قالت عائشة - رضي الله عنها - هو مثل مسح المرآة بعد صقالها فإن الصلاة نور فهي تصقل القلب كما تصقل المرآة ثم الذكر بعد ذلك بمنزلة مسح المرآة وقد قال الله تعالى : { فإذا فرغت فانصب } { وإلى ربك فارغب } قيل : إذا فرغت من أشغال الدنيا فانصب في العبادة وإلى ربك فارغب .

وهذا أشهر القولين . وخرج شريح القاضي على قوم من الحاكة يوم عيد وهم يلعبون فقال : ما لكم تلعبون ؟ قالوا : إنا تفرغنا قال : أوبهذا أمر الفارغ ؟ وتلا قوله تعالى { فإذا فرغت فانصب } { وإلى ربك فارغب } . ويناسب هذا قوله تعالى { يا أيها المزمل } { قم الليل إلا قليلا } إلى قوله : { إن ناشئة الليل هي أشد وطئا وأقوم قيلا } { إن لك في النهار سبحا طويلا } أي ذهابا ومجيئا وبالليل تكون فارغا . وناشئة الليل في أصح القولين : إنما تكون بعد النوم يقال نشأ إذا قام بعد النوم ; فإذا قام بعد النوم كانت مواطأة قلبه للسانه أشد لعدم ما يشغل القلب وزوال أثر حركة النهار بالنوم وكان قوله ( أقوم .

وقد قيل : { فإذا فرغت } من الصلاة { فانصب } في الدعاء { وإلى ربك فارغب } . وهذا القول سواء كان صحيحا أو لم يكن فإنه يمنع الدعاء في آخر الصلاة لا سيما والنبي صلى الله عليه وسلم هو المأمور بهذا فلا بد أن يمتثل ما أمره الله به .

[ ص: 496 ] ودعاؤه في الصلاة المنقول عنه في الصحاح وغيرها إنما كان قبل الخروج من الصلاة وقد قال لأصحابه في الحديث الصحيح { إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من أربع . يقول : اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم ومن عذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات ومن فتنة المسيح الدجال } وفي حديث ابن مسعود الصحيح لما ذكر التشهد قال : { ثم ليتخير من الدعاء أعجبه إليه } وقد روت عائشة وغيرها دعاءه في صلاته بالليل . وأنه كان قبل الخروج من الصلاة .

فقول من قال : إذا فرغت من الصلاة فانصب في الدعاء يشبه قول من قال في حديث ابن مسعود لما ذكر التشهد فإذا فعلت ذلك فقد قضيت صلاتك فإن شئت أن تقوم فقم وإن شئت أن تقعد فاقعد . وهذه الزيادة سواء كانت من كلام النبي صلى الله عليه وسلم أو من كلام من أدرجها في حديث ابن مسعود كما يقول ذلك من ذكره من أئمة الحديث . ففيها أن قائل ذلك جعل ذلك قضاء للصلاة فهكذا جعله هذا المفسر فراغا من الصلاة مع أن تفسير قوله : { فإذا فرغت فانصب } أي فرغت من الصلاة قول ضعيف فإن قوله : إذا فرغت مطلق ولأن الفارغ إن أريد به الفارغ من العبادة فالدعاء أيضا عبادة وإن أريد به الفراغ من [ ص: 497 ] أشغال الدنيا بالصلاة فليس كذلك .

يوضح ذلك أنه لا نزاع بين المسلمين أن الصلاة يدعى فيها كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو فيها فقد ثبت عنه في الصحيح أنه كان يقول في دعاء الاستفتاح : { اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد } وأنه كان يقول : { اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت .

أنت ربي وأنا عبدك ظلمت نفسي واعترفت بذنبي فاغفر لي ذنوبي جميعا فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت واهدني لأحسن الأخلاق فإنه لا يهدي لأحسنها إلا أنت واصرف عني سيئها فإنه لا يصرف عني سيئها إلا أنت
} . وثبت عنه في الصحيح أنه كان يدعو إذا رفع رأسه من الركوع وثبت عنه الدعاء في الركوع والسجود سواء كان في النفل أو في الفرض وتواتر عنه الدعاء آخر الصلاة . وفي الصحيحين { أن أبا بكر الصديق - رضي الله عنه - قال : يا رسول الله علمني دعاء أدعو به في صلاتي فقال : قل : اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم } فإذا كان الدعاء مشروعا في الصلاة لا سيما في آخرها فكيف يقول : [ ص: 498 ] إذا فرغت من الصلاة فانصب في الدعاء والذي فرغ منه هو نظير الذي أمر به فهو في الصلاة كان ناصبا في الدعاء لا فارغا . ثم إنه لم يقل مسلم إن الدعاء بعد الخروج من الصلاة يكون أوكد وأقوى منه في الصلاة ثم لو كان قوله : ( فانصب في الدعاء لم يحتج إلى قوله : { وإلى ربك فارغب } فإنه قد علم أن الدعاء إنما يكون لله .

فعلم أنه أمره بشيئين : أن يجتهد في العبادة عند فراغه من أشغاله وأن تكون رغبته إلى ربه لا إلى غيره كما في قوله : { إياك نعبد وإياك نستعين } فقوله : { إياك نعبد } موافق لقوله فانصب . وقوله : { وإياك نستعين } موافق لقوله : { وإلى ربك فارغب } ومثله قوله { فاعبده وتوكل عليه } وقوله : { هو ربي لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه متاب } وقول شعيب عليه السلام { عليه توكلت وإليه أنيب } ومنه الذي يروى عند دخول المسجد : { اللهم اجعلني من أوجه من توجه إليك وأقرب من تقرب إليك وأفضل من سألك ورغب إليك } والأثر الآخر وإليك الرغباء والعمل وذلك أن دعاء الله المذكور في القرآن نوعان : دعاء عبادة ودعاء مسألة ورغبة فقوله : { فانصب } { وإلى ربك فارغب } يجمع نوعي دعاء الله قال تعالى : { وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا } وقال تعالى : { ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه } الآية ونظائره كثيرة .

[ ص: 499 ] وأما لفظ " دبر الصلاة " فقد يراد به آخر جزء منه وقد يراد به ما يلي آخر جزء منه . كما في دبر الإنسان فإنه آخر جزء منه ومثله لفظ " العقب " قد يراد به الجزء المؤخر من الشيء كعقب الإنسان وقد يراد به ما يلي ذلك . فالدعاء المذكور في دبر الصلاة إما أن يراد به آخر جزء منها ليوافق بقية الأحاديث أو يراد به ما يلي آخرها ويكون ذلك ما بعد التشهد كما سمي ذلك قضاء للصلاة وفراغا منها حيث لم يبق إلا السلام المنافي للصلاة ; بحيث لو فعله عمدا في الصلاة بطلت صلاته ولا تبطل سائر الأذكار المشروعة في الصلاة أو يكون مطلقا أو مجملا . وبكل حال فلا يجوز أن يخص به ما بعد السلام ; لأن عامة الأدعية المأثورة كانت قبل ذلك ولا يجوز أن يشرع سنة بلفظ مجمل يخالف السنة المتواترة بالألفاظ الصريحة .

والناس لهم في هذه فيما بعد السلام ثلاثة أحوال : منهم من لا يرى قعود الإمام مستقبل المأموم لا بذكر ولا دعاء ولا غير ذلك وحجتهم ما يروى عن السلف أنهم كانوا يكرهون للإمام أن يستديم استقبال القبلة بعد السلام فظنوا أن ذلك يوجب قيامه من مكانه ولم يعلموا أن انصرافه مستقبل المأمومين بوجهه كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل يحصل هذا المقصود [ ص: 500 ] وهذا يفعله من يفعله من أصحاب مالك .

ومنهم من يرى دعاء الإمام والمأموم بعد السلام ثم منهم من يرى ذلك في الصلوات الخمس ومنهم من يراه في صلاة الفجر والعصر كما ذكر ذلك من ذكره من أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهم وليس مع هؤلاء بذلك سنة وإنما غايتهم التمسك بلفظ مجمل أو بقياس كقول بعضهم ما بعد الفجر والعصر ليس بوقت صلاة فيستحب فيه الدعاء ومن المعلوم أن ما تقدمت به سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الثابتة الصحيحة بل المتواترة لا يحتاج فيه إلى مجمل ولا إلى قياس .

وأما قول عقبة بن عامر : أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن اقرأ بالمعوذات دبر كل صلاة فهذا بعد الخروج منها .

وأما { حديث أبي أمامة قيل : يا رسول الله أي الدعاء أسمع ؟ قال : جوف الليل الأخير ودبر الصلوات المكتوبة } فهذا يجب أن لا يخص ما بعد السلام بل لا بد أن يتناول ما قبل السلام . وإن قيل : إنه يعم ما قبل السلام وما بعده لكن ذلك لا يستلزم أن يكون دعاء الإمام والمأموم جميعا بعد السلام سنة كما لا يلزم مثل ذلك قبل السلام بل إذا دعا كل واحد وحده بعد السلام فهذا لا يخالف السنة . وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل : [ ص: 501 ] { لا تدعن في دبر كل صلاة أن تقول : اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك } يتناول ما قبل السلام . ويتناول ما بعده أيضا كما تقدم فإن معاذا كان يصلي إماما بقومه كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي إماما وقد بعثه إلى اليمن معلما لهم فلو كان هذا مشروعا للإمام والمأموم مجتمعين على ذلك كدعاء القنوت لكان يقول : اللهم أعنا على ذكرك وشكرك فلما ذكره بصيغة الإفراد علم أنه لا يشرع للإمام والمأموم ذلك بصيغة الجمع .

ومما يوضح ذلك ما في الصحيح عن البراء بن عازب قال : { كنا إذا صلينا خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم أحببنا أن نكون عن يمينه يقبل علينا بوجهه قال : فسمعته يقول : رب قني عذابك يوم تبعث عبادك أو يوم تجمع عبادك } فهذا فيه دعاؤه صلى الله عليه وسلم بصيغة الإفراد كما في حديث معاذ وكلاهما إمام .

وفيه أنه كان يستقبل المأمومين وأنه لا يدعو بصيغة الجمع وقد ذكر حديث معاذ بعض من صنف الأحكام : في الأدعية في الصلاة قبل السلام موافقة لسائر الأحاديث كما في مسلم والسنن الثلاثة عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { إذا فرغ أحدكم من التشهد الأخير فليتعوذ بالله من أربع : من عذاب جهنم ومن عذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات ومن فتنة المسيح الدجال } [ ص: 502 ] وفي مسلم وغيره عن ابن عباس " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعلمهم هذا الدعاء كما يعلمهم السورة من القرآن يقول : { اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم وأعوذ بك من عذاب القبر وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال } .

وفي السنن { أنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل : ما تقول في الصلاة ؟ قال : أتشهد ثم أقول : اللهم إني أسألك الجنة وأعوذ بك من النار أما والله ما أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ فقال صلى الله عليه وسلم حولهما ندندن } رواه أبو داود وأبو حاتم في صحيحه وظاهر هذا أن دندنتهما أيضا بعد التشهد في الصلاة ليكون نطير ما قاله . وعن شداد بن أوس { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول في صلاته : اللهم إني أسألك الثبات في الأمر والعزيمة على الرشد وأسألك شكر نعمتك وحسن عبادتك وأسألك قلبا سليما ولسانا صادقا وأسألك من خير ما تعلم وأعوذ بك من شر ما تعلم وأستغفرك لما تعلم } رواه النسائي .

وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو في الصلاة { : اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات اللهم إني أعوذ بك من المغرم والمأثم فقال له قائل : ما أكثر ما تستعيذ [ ص: 503 ] يا رسول الله من المغرم قال : إن الرجل إذا غرم حدث فكذب ووعد فأخلف } .

قال المصنف في الأحكام : والظاهر أن هذا يدل على أنه كان بعد التشهد . يدل عليه حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول بعد التشهد : { اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم وأعوذ بك من عذاب القبر وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال } . وقد تقدم حديث ابن عباس الذي في الصحيحين أنه كان يعلمهم هذا الدعاء كما يعلمهم السورة من القرآن وحديث أبي هريرة وأنه يقال بعد التشهد : وقد روى في لفظ الدبر ما رواه البخاري وغيره عن سعد بن أبي وقاص أنه كان يعلم بنيه هؤلاء الكلمات كما يعلم المعلم الغلمان الكتابة ويقول : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتعوذ بهن دبر الصلاة : { اللهم إني أعوذ بك من البخل وأعوذ بك من الجبن وأعوذ بك أن أرد إلى أرذل العمر وأعوذ بك من فتنة الدنيا وأعوذ بك من عذاب القبر } .

وفي النسائي عن أبي بكرة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في دبر الصلاة : { اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر وعذاب القبر } . وفي النسائي أيضا { عن عائشة رضي الله عنها قالت : دخلت علي [ ص: 504 ] امرأة من اليهود . فقالت : إن عذاب القبر من البول فقلت كذبت فقالت : بلى إنا لنقرض منه الجلود والثوب فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الصلاة وقد ارتفعت أصواتنا فقال : ما هذا فأخبرته بما قالت قال : صدقت فما صلى بعد يومئذ إلا قال في دبر الصلاة : اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل أجرني من حر النار وعذاب القبر } .

قال المصنف في " الأحكام " : والظاهر أن المراد بدبر الصلاة في الأحاديث الثلاثة قبل السلام توفيقا بينه وبين ما تقدم من حديث ابن عباس وأبي هريرة . قلت : وهذا الذي قاله صحيح فإن هذا الحديث في الصحيح من حديث عائشة - رضي الله عنها - أن يهودية دخلت عليها فذكرت عذاب القبر فقالت لها : أعاذك الله من عذاب القبر فسألت عائشة - رضي الله عنها - رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عذاب القبر فقال : { نعم عذاب القبر حق } . قالت عائشة : فما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد صلى صلاة إلا تعوذ من عذاب القبر . والأحاديث في هذا الباب يوافق بعضها بعضا وتبين ما تقدم والله أعلم .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث