الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في إقام الصلاة وإتمامها والطمأنينة فيها

وأيضا فعن أبي مسعود البدري رضي الله عنه قال : قال رسول [ ص: 534 ] الله صلى الله عليه وسلم { لا تجزئ صلاة الرجل حتى يقيم ظهره في الركوع والسجود } رواه أهل السنن الأربعة . وقال الترمذي : حديث حسن صحيح . فهذا صريح في أنه لا تجزئ الصلاة حتى يعتدل الرجل من الركوع وينتصب من السجود . فهذا يدل على إيجاب الاعتدال في الركوع والسجود .

وهذه المسألة - وإن لم تكن هي مسألة الطمأنينة - : فهي تناسبها وتلازمها . وذلك : أن هذا الحديث نص صريح في وجوب الاعتدال . فإذا وجب الاعتدال لإتمام الركوع والسجود . فالطمأنينة فيهما أوجب .

وذلك : أن قوله { يقيم ظهره في الركوع والسجود } أي عند رفعه رأسه منهما . فإن إقامة الظهر تكون من تمام الركوع والسجود . لأنه إذا ركع كان الركوع من حين ينحني إلى أن يعود فيعتدل ويكون السجود من حين الخرور من القيام أو القعود إلى حين يعود فيعتدل . فالخفض والرفع : هما طرفا الركوع والسجود وتمامهما . فلهذا قال : { يقيم صلبه في الركوع والسجود } .

ويبين ذلك أن وجوب هذا من الاعتدالين كوجوب إتمام الركوع والسجود . وهذا كقوله في الحديث المتقدم : { ثم يكبر فيسجد [ ص: 535 ] فيمكن وجهه حتى تطمئن مفاصله وتسترخي ثم يكبر فيستوي قاعدا على مقعدته ويقيم صلبه } . فأخبر أن إقامة الصلب في الرفع من السجود لا في حال الخفض .

والحديثان المتقدمان بين فيهما وجوب هذين الاعتدالين ووجوب الطمأنينة ; لكن قال في الركوع والسجود والقعود { حتى تطمئن راكعا وحتى تطمئن ساجدا وحتى تطمئن جالسا } . وقال في الرفع من الركوع { حتى تعتدل قائما وحتى تستوي قائما } لأن القائم يعتدل ويستوي . وذلك مستلزم للطمأنينة .

وأما الراكع والساجد فليسا منتصبين . وذلك الجالس لا يوصف بتمام الاعتدال والاستواء . فإنه قد يكون فيه انحناء إما إلى أحد الشقين ولا سيما عند التورك وإما إلى أمامه . لأن أعضاءه التي يجلس عليها منحنية غير مستوية ومعتدلة . مع أنه قد روى ابن ماجه : أنه صلى الله عليه وسلم قال في الرفع من الركوع { حتى تطمئن قائما } .

وعن علي بن شيبان الحنفي قال { خرجنا حتى قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعناه وصلينا خلفه فلمح بمؤخر عينه رجلا لا يقيم صلاته - يعني صلبه في الركوع والسجود - فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة قال : يا معشر المسلمين لا صلاة [ ص: 536 ] لمن لا يقيم صلبه في الركوع والسجود } رواه الإمام أحمد وابن ماجه وفي رواية للإمام أحمد : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال { لا ينظر الله إلى رجل لا يقيم صلبه بين ركوعه وسجوده } .

وهذا يبين أن إقامة الصلب : هي الاعتدال في الركوع كما بيناه وإن كان طائفة من العلماء من أصحابنا وغيرهم فسروا ذلك بنفس الطمأنينة . واحتجوا بهذا الحديث على ذلك وحده لا على الاعتدالين وعلى ما ذكرناه : فإنه يدل عليهما .

وروى الإمام أحمد في المسند عن أبي قتادة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { أسوأ الناس سرقة الذي يسرق من صلاته . قالوا : يا رسول الله كيف يسرق من صلاته ؟ قال : لا يتم ركوعها ولا سجودها } أو قال { لا يقيم صلبه في الركوع والسجود } وهذا التردد في اللفظ ظاهره : أن المعنى المقصود من اللفظين واحد وإنما شك في اللفظ . كما في نظائر ذلك .

وأيضا : فعن عبد الرحمن بن شبل رضي الله عنه قال : { نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نقر الغراب وافتراش السبع وأن يوطن الرجل المكان في المسجد كما يوطن البعير } أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه .

[ ص: 537 ] وإنما جمع بين الأفعال الثلاثة - وإن كانت مختلفة الأجناس - لأنه يجمعها مشابهة البهائم في الصلاة فنهى عن مشابهة فعل الغراب وعما يشبه فعل السبع وعما يشبه فعل البعير وإن كان نقر الغراب أشد من ذينك الأمرين لما فيه من أحاديث أخر . وفي الصحيحين عن قتادة عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { اعتدلوا في الركوع والسجود ولا يبسطن أحدكم ذراعيه انبساط الكلب } لا سيما وقد بين في حديث آخر : { أنه من صلاة المنافقين } والله تعالى أخبر في كتابه أنه لن يقبل عمل المنافقين .

فروى مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { تلك صلاة المنافق . يمهل حتى إذا كانت الشمس بين قرني شيطان قام فنقر أربعا لا يذكر الله فيها إلا قليلا } فأخبر أن المنافق يضيع وقت الصلاة المفروضة ويضيع فعلها وينقرها فدل ذلك على ذم هذا وهذا وإن كان كلاهما تاركا للواجب .

وذلك حجة واضحة في أن نقر الصلاة غير جائز وأنه من فعل من فيه نفاق . والنفاق كله حرام . وهذا الحديث حجة مستقلة بنفسها . وهو مفسر لحديث قبله . وقال الله تعالى : { إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا } وهذا وعيد شديد لمن ينقر في صلاته [ ص: 538 ] فلا يتم ركوعه وسجوده بالاعتدال والطمأنينة .

والمثل الذي ضربه النبي صلى الله عليه وسلم من أحسن الأمثال فإن الصلاة قوت القلوب كما أن الغذاء قوت الجسد . فإذا كان الجسد لا يتغذى باليسير من الأكل فالقلب لا يقتات بالنقر في الصلاة بل لا بد من صلاة تامة تقيت القلوب .

وأما ما يرويه طوائف من العامة : أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه " رأى رجلا ينقر في صلاته فنهاه عن ذلك . فقال : لو نقر الخطاب من هذه نقرة لم يدخل النار . فسكت عنه عمر " فهذا لا أصل له ولم يذكره أحد من أهل العلم فيما بلغني لا في الصحيح ولا في الضعيف . والكذب ظاهر عليه . فإن المنافقين قد نقروا أكثر من ذلك وهم في الدرك الأسفل من النار .

وأيضا : فعن أبي عبد الله الأشعري الشامي قال : { صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأصحابه ثم جلس في طائفة منهم فدخل رجل فقام يصلي فجعل يركع وينقر في سجوده ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إليه . فقال : ترون هذا ؟ لو مات مات على غير ملة محمد ينقر صلاته كما ينقر الغراب الرمة . إنما مثل الذي يصلي ولا يتم ركوعه وينقر في سجوده كالجائع لا يأكل إلا تمرة أو تمرتين [ ص: 539 ] لا تغنيان عنه شيئا . فأسبغوا الوضوء . ويل للأعقاب من النار وأتموا الركوع والسجود } قال أبو صالح : فقلت لأبي عبد الله الأشعري : من حدثك بهذا الحديث ؟ قال : أمراء الأجناد : خالد بن الوليد وعمرو بن العاص ; وشرحبيل بن حسنة ويزيد بن أبي سفيان . كل هؤلاء يقولون : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم . رواه أبو بكر بن خزيمة في صحيحه بكماله . وروى ابن ماجه بعضه .

وأيضا : ففي صحيح البخاري عن أبي وائل عن زيد بن وهب : " أن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه رأى رجلا لا يتم ركوعه ولا سجوده . فلما قضى صلاته دعاه وقال له حذيفة : ما صليت ولو مت مت على غير الفطرة التي فطر الله عليها محمدا صلى الله عليه وسلم ولفظ أبي وائل { ما صليت - وأحسبه قال : لو مت مت على غير سنة محمد صلى الله عليه وسلم .

وهذا الذي لم يتم صلاته إنما ترك الطمأنينة أو ترك الاعتدال أو ترك كلاهما . فإنه لا بد أن يكون قد ترك بعض ذلك إذ نقر الغراب والفصل بين السجدتين بحد السيف والهبوط من الركوع إلى السجود لا يمكن أن ينقص منه مع الإتيان بما قد يقال : إنه ركوع أو سجود . وهذا الرجل كان يأتي بما قد يقال له ركوع وسجود لكنه لم يتمه . ومع هذا قال له حذيفة : ما صليت فنفى عنه الصلاة ثم قال : لو [ ص: 540 ] مت مت على غير الفطرة التي فطر الله عليها محمدا صلى الله عليه وسلم و على غير السنة
} وكلاهما المراد به هنا : الدين والشريعة ; ليس المراد به فعل المستحبات ; فإن هذا لا يوجب هذا الذم والتهديد . فلا يكاد أحد يموت على كل ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم من المستحبات . ولأن لفظ " الفطرة والسنة " في كلامهم : هو الدين والشريعة . وإن كان بعض الناس اصطلحوا على أن لفظ " السنة " يراد به ما ليس بفرض إذ قد يراد بها ذلك . كما في قوله صلى الله عليه وسلم { إن الله فرض عليكم صيام رمضان وسننت لكم قيامه } فهي تتناول ما سنه من الواجبات أعظم مما سنه من التطوعات . كما في الصحيح عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : " إن الله شرع لنبيكم صلى الله عليه وسلم سنن الهدى . وإن هذه الصلوات في جماعة من سنن الهدى وإنكم لو صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم . ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم . ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق " ومنه قوله صلى الله عليه وسلم { عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ } .

ولأن الله سبحانه وتعالى أمر في كتابه بإقامة الصلاة وذم المصلين الساهين عنها المضيعين لها فقال تعالى في غير موضع : { وأقيموا الصلاة } وإقامتها : تتضمن إتمامها بحسب الإمكان كما سيأتي في حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال : { أقيموا الركوع والسجود فإني أراكم من بعد ظهري } وفي رواية . { أتموا الركوع والسجود } وسيأتي تقرير دلالة ذلك .

والدليل على ذلك من القرآن : أنه سبحانه وتعالى قال : { وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا } فأباح الله القصر من عددها والقصر من صفتها ; ولهذا علقه بشرطين السفر والخوف . فالسفر : يبيح قصر العدد فقط . كما قال النبي صلى الله عليه وسلم { إن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة } ولهذا كانت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم المتواترة عنه التي اتفقت الأمة على نقلها عنه { أنه كان يصلي الرباعية في السفر ركعتين } ولم يصلها في السفر أربعا قط ولا أبو بكر ولا عمر رضي الله عنهما لا في الحج ولا في العمرة ولا في الجهاد . والخوف يبيح قصر صفتها كما قال الله في تمام الكلام : { وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم } فذكر صلاة الخوف وهي صلاة ذات الرقاع إذ كان العدو في جهة القبلة . وكان فيها [ ص: 542 ] { أنهم كانوا يصلون خلفه . فإذا قام إلى الثانية فارقوه وأتموا لأنفسهم الركعة الثانية ثم ذهبوا إلى مصاف أصحابهم } كما قال : { فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم } فجعل السجود لهم خاصة . فعلم أنهم يفعلونه منفردين ثم قال : { ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك } فعلم أنهم يفعلونه .

وفي هذه الصلاة تفريق المأمومين ومفارقة الأولين للإمام . وقيام الآخرين قبل سلام الإمام ويتمون لأنفسهم ركعة . ثم قال تعالى : { فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة } فأمرهم بعد الأمن بإقامة الصلاة . وذلك يتضمن الإتمام وترك القصر منها الذي أباحه الخوف والسفر . فعلم أن الأمر بالإقامة يتضمن الأمر بإتمامها بحسب الإمكان .

وأما قوله في صلاة الخوف : { فأقمت لهم الصلاة } فتلك إقامة وإتمام في حال الخوف . كما أن الركعتين في السفر إقامة وإتمام . كما ثبت في الصحيح عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال { : صلاة السفر ركعتان وصلاة الجمعة ركعتان وصلاة الفطر ركعتان تمام غير قصر على لسان نبيكم صلى الله عليه وسلم } . وهذا يبين ما رواه مسلم وأهل السنن عن يعلى بن أمية قال : قلت لعمر بن الخطاب رضي الله عنه { إقصار الناس الصلاة اليوم وإنما قال الله عز وجل : { إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا } وقد ذهب ذلك اليوم ؟ فقال : عجبت مما عجبت منه فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته } فإن المتعجب ظن أن القصر مطلقا مشروط بعدم الأمن فبينت السنة أن القصر نوعان كل نوع له شرط .

وثبتت السنة أن الصلاة مشروعة في السفر تامة . لأنه بذلك أمر الناس ليست مقصورة في الأجر والثواب . وإن كانت مقصورة في الصفة والعمل إذ المصلي يؤمر بالإطالة تارة ويؤمر بالاقتصار تارة .

وأيضا : فإن الله تعالى قال : { فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا } والموقوت : قد فسره السلف بالمفروض وفسروه بما له وقت . والمفروض : هو المقدر المحدد . فإن التوقيت والتقدير والتحديد والفرض : ألفاظ متقاربة . وذلك يوجب أن الصلاة مقدرة محددة مفروضة موقوتة . وذلك في زمانها وأفعالها وكما أن زمانها محدود : فأفعالها أولى أن تكون محدودة موقوتة . وهو يتناول تقدير عددها : بأن جعله خمسا وجعل بعضها أربعا في الحضر واثنتين في السفر وبعضها ثلاثا وبعضها اثنتين في الحضر والسفر . وتقدير عملها أيضا . ولهذا يجوز عند العذر الجمع المتضمن لنوع من التقديم والتأخير في الزمان كما يجوز أيضا القصر من عددها [ ص: 544 ] ومن صفتها بحسب ما جاءت به الشريعة . وذلك أيضا مقدر عند العذر كما هو مقدر عند غير العذر . ولهذا فليس للجامع بين الصلاتين أن يؤخر صلاة النهار إلى الليل أو صلاة الليل إلى النهار وصلاتا النهار : الظهر والعصر وصلاتا الليل : المغرب والعشاء . وكذلك أصحاب الأعذار الذين ينقصون من عددها وصفتها وهو موقوت محدود . ولا بد أن تكون الأفعال محدودة الابتداء والانتهاء . فالقيام محدود بالانتصاب بحيث لو خرج عن حد المنتصب إلى حد المنحني الراكع باختياره : لم يكن قد أتى بحد القيام .

ومن المعلوم : أن ذكر القيام - الذي هو القراءة - أفضل من ذكر الركوع والسجود ; ولكن نفس عمل الركوع والسجود أفضل من عمل القيام ; ولهذا كان عبادة بنفسه . ولم يصح في شرعنا إلا لله بوجه من الوجوه وغير ذلك من الأدلة المذكورة في غير هذا الموضع . وإذا كان كذلك فمن المعلوم أن هذه الأفعال مقدرة محدودة بقدر التمكن منها . فالساجد : عليه أن يصل إلى الأرض وهو غاية التمكن ليس له غاية دون ذلك إلا لعذر وهو من حين انحنائه أخذ في السجود سواء سجد من قيام أو من قعود . فينبغي أن يكون ابتداء السجود مقدرا بذلك بحيث يسجد من قيام أو قعود لا [ ص: 545 ] يكون سجوده من انحناء . فإن ذلك يمنع كونه مقدرا محدودا بحسب الإمكان . ومتى وجب ذلك وجب الاعتدال في الركوع وبين السجدتين . وأيضا : ففي ذلك إتمام الركوع والسجود .

وأيضا : فأفعال الصلاة إذا كانت مقدرة وجب أن يكون لها قدر . وذلك هو الطمأنينة . فإن من نقر نقر الغراب لم يكن لفعله قدر أصلا . فإن قدر الشيء ومقداره فيه زيادة على أصل وجوده . ولهذا يقال للشيء الدائم : ليس له قدر فإن القدر لا يكون لأدنى حركة بل لحركة ذات امتداد .

وأيضا : فإن الله عز وجل أمرنا بإقامتها والإقامة : أن تجعل قائمة والشيء القائم : هو المستقيم المعتدل فلا بد أن تكون أفعال الصلاة مستقرة معتدلة . وذلك إنما يكون بثبوت أبعاضها واستقرارها . وهذا يتضمن الطمأنينة . فإن من نقر نقر الغراب لم يقم السجود ولا يتم سجوده إذا لم يثبت ولم يستقر . وكذلك الراكع .

يبين ذلك : ما جاء في الصحيحين عن قتادة عن أنس بن مالك رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { سووا صفوفكم فإن تسوية الصف من تمام الصلاة } وأخرجاه من حديث [ ص: 546 ] عبد العزيز بن صهيب عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { أتموا الصفوف فإني أراكم من خلف ظهري } وفي لفظ { أقيموا الصفوف } وروى البخاري من حديث حميد عن أنس قال { : أقيمت الصلاة فأقبل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أقيموا صفوفكم وتراصوا فإني أراكم من وراء ظهري . وكان أحدنا يلصق منكبه بمنكب صاحبه وبدنه ببدنه } .

فإذا كان تقويم الصف وتعديله من تمامها وإقامتها بحيث لو خرجوا عن الاستواء والاعتدال بالكلية حتى يكون رأس هذا عند النصف الأسفل من هذا لم يكونوا مصطفين ولكانوا يؤمرون بالإعادة وهم بذلك أولى من الذي صلى خلف الصف وحده فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يعيد صلاته فكيف بتقويم أفعالها وتعديلها بحيث لا يقيم صلبه في الركوع والسجود .

ويدل على ذلك - وهو دليل مستقل في المسألة - ما أخرجاه في الصحيحين عن شعبة عن قتادة عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال { : أقيموا الركوع والسجود فوالله إني لأراكم من بعدي - وفي رواية : من بعد ظهري - إذا ركعتم وسجدتم } وفي رواية للبخاري عن همام عن قتادة عن أنس رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول : { أتموا الركوع [ ص: 547 ] والسجود فوالذي نفسي بيده إني لأراكم من بعد ظهري إذا ما ركعتم وإذا ما سجدتم } ورواه مسلم من حديث هشام الدستوائي وابن أبي عروبة عن قتادة عن أنس رضي الله عنه أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال : { أتموا الركوع والسجود - ولفظ ابن أبي عروبة : أقيموا الركوع والسجود فإني أراكم - وذكره } .

فهذا يبين أن إقامة الركوع والسجود توجب إتمامهما كما في اللفظ الآخر .

وأيضا : فأمره لهم بإقامة الركوع والسجود يتضمن السكون فيهما إذ من المعلوم أنهم كانوا يأتون بالانحناء في الجملة ; بل الأمر بالإقامة يقتضي أيضا الاعتدال فيهما وإتمام طرفيهما وفي هذا رد على من زعم أنه لا يجب الرفع فيهما وذلك أن هذا أمر للمأمومين خلفه . ومن المعلوم أنه لم يكن يمكنهم الانصراف قبله .

وأيضا : فقوله تعالى { حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين } أمر بالقنوت في القيام لله والقنوت : دوام الطاعة لله عز وجل سواء كان في حال الانتصاب أو في حال السجود كما قال تعالى { أم من هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه } وقال تعالى { فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله } وقال { ومن يقنت منكن لله ورسوله } وقال : { وله من في السماوات والأرض كل له قانتون } .

فإذا كان ذلك كذلك فقوله تعالى : { وقوموا لله قانتين } إما أن يكون أمرا بإقامة الصلاة مطلقا كما في قوله : { كونوا قوامين بالقسط } فيعم أفعالها ويقتضي الدوام في أفعالها وإما أن يكون المراد به : القيام المخالف للقعود فهذا يعم ما قبل الركوع وما بعده ويقتضي الطول وهو القنوت المتضمن للدعاء كقنوت النوازل وقنوت الفجر عند من يستحب المداومة عليه .

وإذا ثبت وجوب هذا ثبت وجوب الطمأنينة في سائر الأفعال . بطريق الأولى .

ويقوي الوجه الأول : حديث زيد بن أرقم الذي في الصحيحين عنه قال : { كان أحدنا يكلم الرجل إلى جنبه إلى الصلاة فنزلت { وقوموا لله قانتين } قال فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام } حيث أخبر أنهم كانوا يتكلمون في الصلاة . ومعلوم أن السكوت عن خطاب الآدميين واجب في جميع الصلاة فاقتضى ذلك الأمر بالقنوت في جميع الصلاة ودل الأمر بالقنوت على السكوت عن مخاطبة الناس لأن القنوت هو دوام الطاعة فالمشتغل بمخاطبة العباد تارك للاشتغال [ ص: 549 ] بالصلاة التي هي عبادة الله وطاعته فلا يكون مداوما على طاعته ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لما سلم عليه ولم يرد بعد أن كان يرد { إن في الصلاة لشغلا } فأخبر أن في الصلاة ما يشغل المصلي عن مخاطبة الناس وهذا هو القنوت فيها وهو دوام الطاعة . ولهذا جاز عند جمهور العلماء تنبيه الناسي بما هو مشروع فيها من القراءة والتسبيح لأن ذلك لا يشغله عنها . ولا ينافي القنوت فيها .

وأيضا فإنه سبحانه قال : { إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجدا وسبحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون } فأخبر أنه لا يكون مؤمنا إلا من سجد إذا ذكر بالآيات وسبح بحمد ربه . ومعلوم أن قراءة القرآن في الصلاة هي تذكير بالآيات ولذلك وجب السجود مع ذلك . وقد أوجب خرورهم سجدا وأوجب تسبيحهم بحمد ربهم وذلك يقتضي وجوب التسبيح في السجود وهذا يقتضي وجوب الطمأنينة . ولهذا قال طائفة من العلماء من أصحاب أحمد وغيرهم : إن مقدار الطمأنينة الواجبة مقدار التسبيح الواجب عندهم .

والثاني : أن الخرور هو السقوط والوقوع وهذا إنما يقال فيما يثبت ويسكن لا فيما لا يوجد منه سكون على الأرض ولهذا قال [ ص: 550 ] الله : { فإذا وجبت جنوبها } والوجوب في الأصل : هو الثبوت والاستقرار .

وأيضا : فعن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال : { لما نزلت { فسبح باسم ربك العظيم } . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اجعلوها في ركوعكم ولما نزلت : { سبح اسم ربك الأعلى } قال : اجعلوها في سجودكم } . رواه أبو داود وابن ماجه . فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بجعل هذين التسبيحين في الركوع والسجود وأمره على الوجوب . وذلك يقتضي وجوب ركوع وسجود تبعا لهذا التسبيح . وذلك هو الطمأنينة .

ثم إن من الفقهاء من قد يقول : التسبيح ليس بواجب وهذا القول يخالف ظاهر الكتاب والسنة . فإن ظاهرهما يدل على وجوب الفعل والقول جميعا فإذا دل دليل على عدم وجوب القول : لم يمنع وجوب الفعل .

وأما من يقول بوجوب التسبيح : فيستدل لذلك بقوله تعالى : { وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب } .

وهذا أمر بالصلاة كلها كما ثبت في الصحيحين عن جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه قال : { كنا جلوسا عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ نظر [ ص: 551 ] إلى القمر ليلة البدر . فقال : إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضارون في رؤيته . فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا . ثم قرأ : { وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب } } . وإذا كان الله عز وجل قد سمى الصلاة تسبيحا فقد دل ذلك على وجوب التسبيح . كما أنه لما سماها قياما في قوله تعالى { قم الليل إلا قليلا } دل على وجوب القيام . وكذلك لما سماها قرآنا في قوله تعالى { وقرآن الفجر } دل على وجوب القرآن فيها ولما سماها ركوعا وسجودا في مواضع دل على وجوب الركوع والسجود فيها .

وذلك : أن تسميتها بهذه الأفعال دليل على أن هذه الأفعال لازمة لها . فإذا وجدت هذه الأفعال . فتكون من الأبعاض اللازمة كما أنهم يسمون الإنسان بأبعاضه اللازمة له . فيسمونه رقبة ورأسا ووجها ونحو ذلك . كما في قوله تعالى { فتحرير رقبة } ولو جاز وجود الصلاة بدون التسبيح لكان الأمر بالتسبيح لا يصلح أن يكون أمرا بالصلاة . فإن اللفظ حينئذ لا يكون دالا على معناه . ولا على ما يستلزم معناه .

وأيضا : فإن الله عز وجل ذم عموم الإنسان واستثنى المصلين الذين هم على صلاتهم دائمون . قال تعالى : { إن الإنسان خلق هلوعا } [ ص: 552 ] { إذا مسه الشر جزوعا } { وإذا مسه الخير منوعا } { إلا المصلين } { الذين هم على صلاتهم دائمون } والسلف من الصحابة ومن بعدهم قد فسروا الدائم على الصلاة بالمحافظ على أوقاتها وبالدائم على أفعالها بالإقبال عليها . والآية تعم هذا وهذا . فإنه قال : { على صلاتهم دائمون } والدائم على الفعل هو المديم له الذي يفعله دائما . فإذا كان هذا فيما يفعل في الأوقات المتفرقة : وهو أن يفعله كل يوم بحيث لا يفعله تارة ويتركه أخرى وسمى ذلك دواما عليه . فالدوام على الفعل الواحد المتصل أولى أن يكون دواما وأن تتناول الآية ذلك . وذلك يدل على وجوب إدامة أفعالها لأن الله عز وجل ذم عموم الإنسان واستثنى المداوم على هذه الصفة . فتارك إدامة أفعالها يكون مذموما من الشارع والشارع لا يذم إلا على ترك واجب أو فعل محرم .

وأيضا : فإنه سبحانه وتعالى قال : { إلا المصلين } { الذين هم على صلاتهم دائمون } فدل ذلك على أن المصلي قد يكون دائما على صلاته وقد لا يكون دائما عليها وأن المصلي الذي ليس بدائم مذموم . وهذا يوجب ذم من لا يديم أفعالها المتصلة والمنفصلة . وإذا وجب دوام أفعالها فذلك هو نفس الطمأنينة . فإنه يدل على وجوب إدامة الركوع والسجود وغيرهما ولو كان المجزئ أقل مما ذكر من الخفض - وهو نقر الغراب - لم يكن ذلك دواما ولم يجب الدوام على الركوع [ ص: 553 ] والسجود وهما أصل أفعال الصلاة .

فعلم أنه كما تجب الصلاة يجب الدوام عليها المتضمن للطمأنينة والسكينة في أفعالها .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث