الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل دخول المدينة قبل الحج أو بعده

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

ورفع الصوت في المساجد منهي عنه وقد ثبت أن عمر بن الخطاب [ ص: 155 ] - رضي الله عنه - رأى رجلين يرفعان أصواتهما في المسجد فقال : لو أعلم أنكما من أهل البلد لأوجعتكما ضربا إن الأصوات لا ترفع في مسجده ; فما يفعل بعض جهال العامة من رفع الصوت عقيب الصلاة من قولهم : السلام عليك يا رسول الله بأصوات عالية . من أقبح المنكرات . ولم يكن أحد من السلف يفعل شيئا من ذلك عقيب السلام بأصوات عالية ولا منخفضة بل ما في الصلاة من قول المصلي السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته هو المشروع كما أن الصلاة عليه مشروعة في كل زمان ومكان .

وقد ثبت في الصحيح أنه قال : { من صلى علي مرة صلى الله عليه بها عشرا } وفي المسند { أن رجلا قال : يا رسول الله : أجعل عليك ثلث صلاتي قال : إذا يكفيك الله ثلث أمرك قال : أجعل عليك ثلثي صلاتي قال : إذا يكفيك الله ثلثي أمرك قال : أجعل صلاتي كلها عليك قال : إذا يكفيك الله ما أهمك من أمر دنياك وأمر آخرتك } . وفي السنن عنه أنه قال : { لا تتخذوا قبري عيدا وصلوا علي حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني } وقد رأى عبد الله بن حسن شيخ الحسنيين في زمنه رجلا ينتاب قبر النبي صلى الله عليه وسلم للدعاء عنده قال : يا هذا إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { لا تتخذوا قبري عيدا وصلوا علي حيثما كنتم فإن [ ص: 156 ] صلاتكم تبلغني } فما أنت ورجل بالأندلس إلا سواء .

ولهذا كان السلف يكثرون الصلاة والسلام عليه في كل مكان وزمان ولم يكونوا يجتمعون عند قبره لا لقراءة ختمة ولا إيقاد شمع وإطعام وإسقاء ولا إنشاد قصائد ولا نحو ذلك بل هذا من البدع بل كانوا يفعلون في مسجده ما هو المشروع في سائر المساجد من الصلاة والقراءة والذكر والدعاء والاعتكاف وتعليم القرآن والعلم وتعلمه ونحو ذلك .

وقد علموا أن النبي صلى الله عليه وسلم له مثل أجر كل عمل صالح تعمله أمته فإنه صلى الله عليه وسلم قال : { من دعا إلى هدى فله من الأجر مثل أجور من اتبعه من غير أن ينقص من أجورهم شيئا } وهو الذي دعا أمته إلى كل خير فكل خير يعمله أحد من الأمة فله مثل أجره فلم يكن صلى الله عليه وسلم يحتاج إلى أن يهدى إليه ثواب صلاة أو صدقة أو قراءة من أحد فإن له مثل أجر ما يعملونه من غير أن ينقص من أجورهم شيئا .

وكل من كان له أطوع وأتبع كان أولى الناس به في الدنيا والآخرة قال تعالى : { قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني } { وقال صلى الله عليه وسلم إن آل أبي فلان ليسوا لي [ ص: 157 ] بأولياء إنما وليي الله وصالح المؤمنين } وهو أولى بكل مؤمن من نفسه وهو الواسطة بين الله وبين خلقه في تبليغ أمره ونهيه ووعده ووعيده فالحلال ما حلله والحرام ما حرمه والدين ما شرعه .

والله هو المعبود المسئول المستعان به الذي يخاف ويرجى ويتوكل عليه . قال تعالى : { ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون } فجعل الطاعة لله والرسول كما قال تعالى : { من يطع الرسول فقد أطاع الله } وجعل الخشية والتقوى لله وحده لا شريك له فقال تعالى : { ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون } فأضاف الإيتاء إلى الله والرسول كما قال تعالى : { وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا } فليس لأحد أن يأخذ إلا ما أباحه الرسول وإن كان الله آتاه ذلك من جهة القدرة والملك فإنه يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء ولهذا { كان صلى الله عليه وسلم يقول في الاعتدال من الركوع وبعد السلام : اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد } أي من آتيته جدا وهو البخت والمال والملك فإنه لا ينجيه منك إلا الإيمان والتقوى .

وأما التوكل فعلى الله وحده والرغبة فإليه وحده كما قال [ ص: 158 ] تعالى : { وقالوا حسبنا الله } ولم يقل ورسوله وقالوا : { إنا إلى الله راغبون } ولم يقولوا هنا ورسوله كما قال في الإيتاء بل هذا نظير قوله : { فإذا فرغت فانصب } { وإلى ربك فارغب } وقال تعالى : { الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل } وفي صحيح البخاري عن ابن عباس أنه قال : حسبنا الله ونعم الوكيل قالها إبراهيم حين ألقي في النار وقالها محمد صلى الله عليه وسلم حين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا : حسبنا الله ونعم الوكيل . وقد قال تعالى : { يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين } أي الله وحده حسبك وحسب المؤمنين الذين اتبعوك .

ومن قال : إن الله والمؤمنين حسبك فقد ضل بل قوله من جنس الكفرة فإن الله وحده هو حسب كل مؤمن به والحسب الكافي كما قال تعالى : { أليس الله بكاف عبده } .

ولله تعالى حق لا يشركه فيه مخلوق . كالعبادات والإخلاص والتوكل . والخوف . والرجاء . والحج . والصلاة . والزكاة . والصيام والصدقة . والرسول له حق : كالإيمان به وطاعته واتباع سنته وموالاة من يواليه ومعاداة من يعاديه وتقديمه في المحبة على الأهل والمال والنفس كما { قال صلى الله عليه وسلم والذي نفسي بيده [ ص: 159 ] لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين } بل يجب تقديم الجهاد الذي أمر به على هذا كله كما قال تعالى : { قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين } وقال تعالى : { والله ورسوله أحق أن يرضوه إن كانوا مؤمنين } .

وبسط ما في هذا المختصر وشرحه مذكور في غير هذا الموضع . والله سبحانه وتعالى أعلم . وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم . والحمد لله رب العالمين .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث