الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

والأماكن المفضلة هي المساجد وهي أحب البقاع إلى الله ; كما ثبت ذلك في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم . وفيها الاعتكاف [ ص: 252 ] فلا يكون الاعتكاف إلا في المساجد باتفاق العلماء كما قال تعالى : { ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد } لا يكون الاعتكاف لا بخلوة ولا غير خلوة ; لا في غار ولا عند قبر ولا غير ذلك مما يقصد الضالون السفر إليه والعكوف عنده كعكوف المشركين على أوثانهم . قال الخليل : { ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون } وقال تعالى : { وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم قالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون } { إن هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون } . وبسط هذا له موضع آخر .

وقد صح عن سعيد بن المسيب أنه قال : من نذر أن يعتكف في مسجد إيليا فاعتكف في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة أجزأ عنه ومن نذر أن يعتكف في مسجد المدينة فاعتكف في المسجد الحرام أجزأ عنه ومن نذر أن يعتكف على رءوس الجبال فإنه لا ينبغي له ذلك ليعتكف في مسجد جماعة . وهذا الذي نهى عنه سعيد متفق عليه عند عامة العلماء وإن قدر أن الرجل لا يسمي ذلك اعتكافا فمن فعل ما يفعل المعتكف في المسجد فهو معتكف في غير المسجد وذلك منهي عنه بالاتفاق . وبسط هذا له موضع آخر .

والمقصود هنا : أن السفر إلى غير المساجد الثلاثة من قبر وأثر [ ص: 253 ] نبي ومسجد وغير ذلك : ليس بواجب ولا مستحب بالنص والإجماع والسفر إلى مسجد نبينا مستحب بالنص والإجماع وهو مراد العلماء الذين قالوا : تستحب زيارة قبره بالإجماع . فهذا هو الذي أجمع عليه الصحابة والتابعون ومن بعدهم من المجتهدين . ولله الحمد . والمجيب قد ذكر استحباب هذا بالنص والإجماع فكلام المجيب يبين أنه متبع للصحابة والتابعين ومن بعدهم من العلماء المجتهدين وأنهم منزهون عن تقرير الحرام أو خرق الإجماع منزهون أن يجمعوا على ضلالة أو يسلكوا طريق العماية والجهالة .

وهذا المعترض وأشباهه من الجهال سووا بين هذا السفر الذي ثبت استحبابه بنص الرسول وإجماع أمته وبين السفر الذي ثبت أنه ليس مستحبا بنص الرسول وإجماع أمته . وقاسوا هذا بهذا والمجيب إنما ذكر القولين في النوع الثاني : في الذي لا يسافر إلا لقصد زيارة قبور الأنبياء والصالحين وذكر أن الذي يسافر إلى مسجد الرسول وزيارته الشرعية يستحب السفر إليه بالنص والإجماع . فحكوا عن المجيب أنه ينهى عن زيارة قبر الرسول والسفر إليه ويحرم ذلك ويحرم قصر الصلاة فيه بحيث جعلوه ينهى عما يفعله الحجاج من السفر إلى مسجده وأن من سافر إلى هناك لا يقصر الصلاة . وهذا كله افتراء وبهتان .

[ ص: 254 ] وذلك أنه لا حجة لهم على السفر إلى سائر قبور الأنبياء إلا السفر إلى نبينا . فلما كان السفر إلى ذلك المكان مشروعا في الجملة قاسوا عليه السفر إلى سائر القبور فضلوا وأضلوا وخالفوا كتاب الله وسنة رسوله وإجماع المسلمين . وضلوا من وجوه كثيرة .

منها : أنه ليس في الأرض قبر نبي معلوم بالتواتر والإجماع إلا قبر نبينا وما سواه ففيه نزاع .

ومنها : أن الذين استحبوا السفر إلى زيارة قبر نبينا مرادهم السفر إلى مسجده وهذا مشروع بالإجماع ولو قصد المسافر إليه فهو إنما يصل إلى المسجد والمسجد منتهى سفره ; لا يصل إلى القبر ; بخلاف غيره فإنه يصل إلى القبر ; إلا أن يكون متوغلا في الجهل والضلال فيظن أن مسجده إنما شرع السفر إليه لأجل القبر وأنه لذلك كانت الصلاة فيه بألف صلاة وأنه لولا القبر لم يكن له فضيلة على غيره أو يظن أن المسجد بني أو جعل تبعا للقبر كما تبنى المساجد على قبور الأنبياء والصالحين ويظن أن الصلاة في المسجد تبع والمقصود هو القبر كما يظن المسافرون إلى قبور الأنبياء والصالحين غير قبر نبينا وكما أن الذي يذهب إلى الجمعة يصلي إذا دخل تحية المسجد ركعتين ; ولكن هو إنما جاء لأجل الجمعة لا لأجل ركعتي التحية . فمن ظن هذا في مسجد نبينا صلى الله عليه وسلم فهو من أضل الناس وأجهلهم بدين [ ص: 255 ] الإسلام وأجهلهم بأحوال الرسول وأصحابه وسيرته وأقواله وأفعاله . وهذا محتاج إلى أن يتعلم ما جهله من دين الإسلام حتى يدخل في الإسلام ولا يأخذ بعض الإسلام ويترك بعضه ; فإن مسجده أسس على التقوى في السنة الأولى من الهجرة وهو أفضل مسجد على وجه الأرض إلا المسجد الحرام . وقيل : هو أفضل مطلقا .

فهل يقول عاقل إن مساجد المسلمين - مساجد الجوامع التي يصلى فيها الجمعة وغيرها - فضيلتها واستحباب قصدها للصلاة فيها لأجل قبر عندها . فإذا لم يجز أن يقال هذا في مثل هذه المساجد فكيف يقال فيما هو خير منها كلها وأفضل .

و " المسجد " الحرام أفضل المساجد مطلقا عند الجمهور والصلاة فيه بمائة ألف صلاة كما في المسند والسنن . فهل يقول عاقل : إن فضيلته لقبر هناك .

و " المسجد الأقصى " أفضل المساجد بعد المسجد النبوي وببيت المقدس من قبور الأنبياء ما لا يحصيه إلا الله . فهل يقول عاقل إن فضيلته لأجل القبور نعم هذا اعتقاد النصارى : يعتقدون أن فضيلة بيت المقدس لأجل " الكنيسة " التي يقال إنها بنيت على قبر المصلوب ويفضلونها على بيت المقدس . وهؤلاء من أضل الناس وأجهلهم [ ص: 256 ] وهذا يضاهي ما كان المشركون عليه في المسجد الحرام لما كانت فيه الأوثان وكانوا يقصدونه لأجل تلك الأوثان التي فيه لم يكونوا يصلون فيه ; بل كما قال تعالى : { وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية } لكن كانوا يعظمون نفس البيت ويطوفون به كما كانوا يحجون كل عام مع ما كانوا غيروه من شريعة إبراهيم حتى بعث الله محمدا بالهدى ودين الحق وأمر باتباع ملة إبراهيم فأظهرها ودعا إليها وأقام الحج على ما شرعه الله لإبراهيم ونفى الشرك عن البيت وأنزل الله تعالى : { ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر أولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون } { إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين } .

فبين أن عمار المساجد هم الذين لا يخشون إلا الله ومن لم يخش إلا الله فلا يرجو ويتوكل إلا عليه فإن الرجاء والخوف متلازمان .

والذين يحجون إلى القبور يدعون أهلها ويتضرعون لهم ويعبدونهم ويخشون غير الله ويرجون غير الله كالمشركين الذين يخشون آلهتهم ويرجونها ; ولهذا لما قالوا لهود عليه السلام { إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء قال إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون } { من دونه فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون } { إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم } ولما حاجوا إبراهيم عليه السلام قال لهم : { أتحاجوني في الله وقد هداني ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا وسع ربي كل شيء علما أفلا تتذكرون } { وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون } { الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون } ولما خوفوا محمدا - عليه الصلاة والسلام - بمن دون الله قال الله تعالى : { أليس الله بكاف عبده ويخوفونك بالذين من دونه ومن يضلل الله فما له من هاد } { ومن يهد الله فما له من مضل أليس الله بعزيز ذي انتقام } { ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون } وقال تعالى : { قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون فلا تنظرون } { إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين } .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث