الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الخلع هل يقع به طلقة بائنة محسوبة من الثلاث أو تقع به فرقة بائنة

والمرأة إذا أبغضت الرجل كان لها أن تفتدي نفسها منه كما قال تعالى { ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون } وهذا الخلع تبين به المرأة فلا يحل له أن يتزوجها بعده إلا برضاها وليس هو كالطلاق المجرد ; فإن ذلك يقع رجعيا له أن يرتجعها في العدة بدون رضاها ; لكن تنازع العلماء في هذا الخلع : هل يقع به طلقة بائنة محسوبة من الثلاث ؟ أو [ ص: 153 ] تقع به فرقة بائنة وليس من الطلاق الثلاث بل هو فسخ ؟ على قولين مشهورين .

و " الأول " مذهب أبي حنيفة ومالك وكثير من السلف ونقل عن طائفة من الصحابة ; لكن لم يثبت عن واحد منهم بل ضعف أحمد بن حنبل وابن خزيمة وابن المنذر وغيرهم جميع ما روي في ذلك عن الصحابة . و " الثاني " أنه فرقة بائنة وليس من الثلاث وهذا ثابت عن ابن عباس باتفاق أهل المعرفة بالحديث وهو قول أصحابه : كطاوس وعكرمة وهو أحد قولي الشافعي وهو ظاهر مذهب أحمد بن حنبل وغيره من فقهاء الحديث وإسحاق بن راهويه ; وأبي ثور وداود وابن المنذر وابن خزيمة وغيرهم .

واستدل ابن عباس على ذلك بأن الله تعالى ذكر الخلع بعد طلقتين ثم قال : { فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره } فلو كان الخلع طلاقا لكان الطلاق أربعا . ثم أصحاب هذا القول تنازعوا : هل يشترط أن يكون الخلع بغير لفظ الطلاق ؟ أو لا يكون إلا بلفظ الخلع والفسخ والمفاداة ويشترط مع ذلك أن لا ينوي الطلاق ؟ أو لا فرق بين أن ينويه أو لا ينويه وهو خلع بأي لفظ وقع بلفظ الطلاق أو غيره ؟ على أوجه في مذهب أحمد وغيره : أصحها الذي دل عليه كلام ابن عباس وأصحابه وأحمد بن حنبل وقدماء أصحابه وهو الوجه الأخير وهو : أن الخلع هو الفرقة بعوض فمتى فارقها بعوض فهي [ ص: 154 ] مفتدية لنفسها به وهو خالع لها بأي لفظ كان ولم ينقل أحد قط لا عن ابن عباس وأصحابه ولا عن أحمد بن حنبل أنهم فرقوا بين الخلع بلفظ الطلاق وبين غيره ; بل كلامهم لفظه ومعناه يتناول الجميع .

والشافعي رضي الله عنه لما ذكر القولين في الخلع هل هو طلاق أم لا ؟ قال : وأحسب الذين قالوا هو طلاق هو فيما إذا كان بغير لفظ الطلاق ؟ ولهذا ذكر محمد بن نصر والطحاوي أن هذا لا نزاع فيه والشافعي لم يحك عن أحد هذا ; بل ظن أنهم يفرقون . وهذا بناه الشافعي على أن العقود وإن كان معناها واحدا فإن حكمها يختلف باختلاف الألفاظ . وفي مذهبه في نزاع في الأصل وأما أحمد بن حنبل فإن أصوله ونصوصه وقول جمهور أصحابه أن الاعتبار في العقود بمعانيها لا بالألفاظ وفي مذهبه قول آخر : أنه تختلف الأحكام باختلاف الألفاظ وهذا يذكر في التكلم بلفظ البيع وفي المزارعة بلفظ الإجارة وغير ذلك . وقد ذكرنا ألفاظ ابن عباس وأصحابه وألفاظ أحمد وغيره وبينا أنها بينة في عدم التفريق . وأن أصول الشرع لا تحتمل التفريق وكذلك أصول أحمد .

وسببه ظن الشافعي أنهم يفرقون . وقد ذكرنا في غير هذا الموضع وبينا أن الآثار الثابتة في هذا الباب عن النبي صلى الله عليه وسلم وابن عباس وغيره تدل دلالة بينة أنه خلع ; وإن كان بلفظ الطلاق وهذه الفرقة توجب البينونة . والطلاق الذي ذكره الله تعالى في كتابه هو الطلاق الرجعي . [ ص: 155 ] قال هؤلاء وليس في كتاب الله طلاق بائن محسوب من الثلاث أصلا بل كل طلاق ذكره الله تعالى في القرآن فهو الطلاق الرجعي . وقال هؤلاء : ولو قال لامرأته : أنت طالق طلقة بائنة لم يقع بها إلا طلقة رجعية ; كما هو مذهب أكثر العلماء ; وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد في ظاهر مذهبه .

قالوا : وتقسيم الطلاق إلى رجعي وبائن تقسيم مخالف لكتاب الله وهذا قول فقهاء الحديث وهو مذهب الشافعي وظاهر مذهب أحمد ; فإن كل طلاق بغير عوض لا يقع إلا رجعيا وإن قال : أنت طالق طلقة بائنة أو طلاقا بائنا : لم يقع به عندهما إلا طلقة رجعية . وأما الخلع ففيه نزاع في مذهبهما . فمن قال بالقول الصحيح طرد هذا الأصل واستقام قوله ولم يتناقض كما يتناقض غيره ; إلا من قال من أصحاب الشافعي وأحمد : إن الخلع بلفظ الطلاق يقع طلاقا بائنا فهؤلاء أثبتوا في الجملة طلاقا بائنا محسوبا من الثلاث فنقضوا أصلهم الصحيح الذي دل عليه الكتاب والسنة .

وقال بعض الظاهرية : إذا وقع بلفظ الطلاق كان طلاقا رجعيا ; لا بائنا ; لأنه لم يمكنه أن يجعله طلاقا بائنا لمخالفة القرآن ; وظن أنه بلفظ الطلاق يكون طلاقا فجعله رجعيا وهذا خطأ ; فإن مقصود الافتداء لا يحصل إلا مع البينونة ; ولهذا كان حصول البينونة بالخلع مما لم يعرف فيه خلاف بين المسلمين ; لكن بعضهم جعله جائزا ; فقال : للزوج أن يرد العوض ويراجعها ; والذي عليه الأئمة الأربعة والجمهور أنه لا يملك الزوج وحده أن يفسخه ولكن لو اتفقا على فسخه كالتقايل : فهذا فيه نزاع آخر كما بسط في موضعه .

[ ص: 156 ] والمقصود هنا أن كتاب الله يبين أن الطلاق بعد الدخول لا يكون إلا رجعيا وليس في كتاب الله طلاق بائن إلا قبل الدخول . وإذا انقضت العدة فإذا طلقها ثلاثا فقد حرمت عليه وهذه البينونة الكبرى وهي إنما تحصل بالثلاث لا بطلقة واحدة مطلقة ; لا يحصل بها لا بينونة كبرى ولا صغرى . وقد ثبت عن ابن عباس أنه قيل له . إن أهل اليمن عامة طلاقهم الفداء فقال ابن عباس : ليس الفداء بطلاق . ورد المرأة على زوجها بعد طلقتين وخلع مرة . وبهذا أخذ أحمد بن حنبل في ظاهر مذهبه والشافعي في أحد قوليه ; لكن تنازع أهل هذا القول : هل يختلف الحكم باختلاف الألفاظ ؟ والصحيح أن المعنى إذا كان واحدا فالاعتبار بأي لفظ وقع ; وذلك أن الاعتبار بمقاصد العقود وحقائقها لا باللفظ وحده فما كان خلعا فهو خلع بأي لفظ كان وما كان طلاقا فهو طلاق بأي لفظ كان وما كان يمينا فهو يمين بأي لفظ كان وما كان إيلاء فهو إيلاء بأي لفظ كان وما كان ظهارا فهو ظهار بأي لفظ كان .

والله تعالى ذكر في كتابه " الطلاق " و " اليمين " و " الظهار " و " الإيلاء " و " الافتداء " وهو الخلع وجعل لكل واحد حكما فيجب أن نعرف حدود ما أنزل الله على رسوله وندخل في الطلاق ما كان طلاقا وفي اليمين ما كان يمينا وفي الخلع ما كان خلعا وفي الظهار ما كان ظهارا ; وفي الإيلاء ما كان إيلاء . وهذا هو الثابت عن أئمة الصحابة وفقهائهم والتابعين لهم بإحسان . ومن العلماء من اشتبه عليه بعض ذلك ببعض [ ص: 157 ] فيجعل ما هو ظهار طلاقا : فيكثر بذلك وقوع الطلاق الذي يبغضه الله ورسوله ويحتاجون إما إلى دوام المكروه ; وإما إلى زواله بما هو أكره إلى الله ورسوله منه وهو " نكاح التحليل " .

وأما الطلاق الذي شرعه الله ورسوله فهو أن يطلق امرأته إذا أراد طلاقها طلقة واحدة في طهر لم يصبها فيه أو كانت حاملا قد استبان حملها ثم يدعها تتربص ثلاثة قروء فإن كان له غرض راجعها في العدة وإن لم يكن له فيها غرض : ؟ سرحها بإحسان . ثم إن بدا له بعد هذا إرجاعها يتزوجها بعقد جديد ثم إذا أراد ارتجاعها أو تزوجها وإن أراد أن يطلقها طلقها فهذا طلاق السنة المشروع . ومن لم يطلق إلا طلاق السنة لم يحتج إلى ما حرم الله ورسوله من نكاح التحليل وغيره ; بل إذا طلقها ثلاث تطليقات له في كل طلقة رجعة أو عقد جديد : فهنا قد حرمت عليه حتى تنكح زوجا غيره ولا يجوز عودها إليه بنكاح تحليل أصلا ; بل قد { لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المحلل والمحلل له } واتفق على ذلك أصحابه وخلفاؤه الراشدون وغيرهم فلا يعرف في الإسلام أن النبي صلى الله عليه وسلم أو أحدا من خلفائه أو أصحابه أعاد المطلقة ثلاثا إلى زوجها بعد نكاح تحليل أبدا ولا كان نكاح التحليل ظاهرا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم بل كان من يفعله سرا وقد لا تعرف المرأة ولا وليها وقد { لعن النبي صلى الله عليه وسلم المحلل والمحلل له } وفي الربا قال : { لعن الله آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه } فلعن الكاتب والشهود لأنهم كانوا يشهدون على دين الربا ولم يكونوا يشهدون على نكاح التحليل .

[ ص: 158 ] و " أيضا " فإن النكاح لم يكن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم يكتب فيه صداق كما تكتب الديون ولا كانوا يشهدون فيه لأجل الصداق ; بل كانوا يعقدونه بينهم وقد عرفوا به ويسوق الرجل المهر للمرأة فلا يبقى لها عليه دين ; فلهذا لم يذكر رسول الله في نكاح التحليل الكاتب والشهود كما ذكرهم في الربا . ولهذا لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في الإشهاد على النكاح حديث . ونزاع العلماء في ذلك على أقوال في مذهب أحمد وغيره . فقيل : يجب الإعلان أشهدوا أو لم يشهدوا فإذا أعلنوه ولم يشهدوا تم العقد وهو مذهب مالك وأحمد في إحدى الروايات . وقيل : يجب الإشهاد : أعلنوه أو لم يعلنوه فمتى أشهدوا وتواصوا بكتمانه لم يبطل وهذا مذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد في إحدى الروايات . وقيل : يجب الأمران الإشهاد والإعلان . وقيل : يجب أحدهما . وكلاهما يذكر في مذهب أحمد .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث