الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


محاسن دخول " إن " على ضمير الشأن وأمثلته

374- ومن خصائصها أنك ترى لضمير الأمر والشأن معها من الحسن واللطف ما لا تراه إذا هي لم تدخل عليه، بل تراه لا يصلح حيث صلح إلا بها، وذلك في مثل قوله تعالى : « إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين » [ سورة يوسف : 9 ] وقوله : « أنه من يحادد الله ورسوله فأن له نار جهنم » [ سورة التوبة : 63 ] وقوله : « أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب » [ سورة الأنعام : 54 ] وقوله : « إنه لا يفلح الكافرون » [ سورة المؤمنون : 117 ] ومن ذلك قوله : « فإنها لا تعمى الأبصار » [ سورة الحج : 46 ] . وأجاز أبو الحسن فيها وجها آخر، وهو أن يكون الضمير في " إنها " للأبصار، أضمرت قبل الذكر على شريطة التفسير . والحاجة في هذا الوجه أيضا إلى " إن " قائمة، كما كانت في الوجه الأول فإنه لا يقال : " هي لا تعمى الأبصار " كما لا يقال : " هو من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع " . فإن قلت : أوليس قد جاء ضمير الأمر مبتدأ به معرى من العوامل في قوله تعالى : « قل هو الله أحد » ؟ [ ص: 318 ] قيل : هو وإن جاء هاهنا فإنه لا يكاد يوجد مع الجملة من الشرط والجزاء بل تراه لا يجيء إلا ب " إن " . على أنهم قد أجازوا في « قل هو الله أحد » أن لا يكون الضمير للأمر .

375- ومن لطيف ما جاء في هذا الباب ونادره ما تجده في آخر هذه الأبيات، أنشدها الجاحظ لبعض الحجازيين :


إذا طمع يوما عراني قريته كتائب يأس كرها وطرادها

    أكد ثمادي والمياه كثيرة
أعالج منها حفرها واكتدادها

    وأرضى بها من بحر آخر إنه
هو الري أن ترضى النفوس ثمادها



المقصود قوله : " إنه هو الري " وذلك أن الهاء في " إنه " تحتمل أمرين :

أحدهما أن تكون ضمير الأمر، ويكون قوله " هو " ضمير " أن ترضى " وقد أضمره قبل الذكر على شريطة التفسير. الأصل: " إن الأمر أن ترضى النفوس ثمادها الري " ثم أضمر قبل الذكر كما أضمرت " الأبصار " في " فإنها لا تعمى الأبصار " على مذهب أبي الحسن، ثم أتى بالمضمر مصرحا به في آخر الكلام، فعلم بذلك أن الضمير السابق له، وأنه المراد به .

[ ص: 319 ]

والثاني أن تكون الهاء في " إنه " ضمير " أن ترضى " قبل الذكر، ويكون " هو " فصلا، ويكون أصل الكلام : " إن أن ترضى النفوس ثمادها هو الري " ثم أضمر على شريطة التفسير .

وأي الأمرين كان، فإنه لا بد فيه من " إن " ولا سبيل إلى إسقاطها لأنك إن أسقطتها أفضى ذلك بك إلى شيء شنيع، وهو أن تقول : " وأرضى بها من بحر آخر هو هو الري أن ترضى النفوس ثمادها " .

" إن " تربط الجملة بما قبلها

376- هذا وفي " إن " هذه شيء آخر يوجب الحاجة إليها وهو أنها تتولى من ربط الجملة بما قبلها نحوا مما ذكرت لك في بيت بشار . ألا ترى أنك لو أسقطت " إن " والضميرين معا واقتصرت على ذكر ما يبقى من الكلام لم تقله إلا بالفاء كقولك : وأرضى بها من بحر آخر، فالري أن ترضى النفوس ثمادها .

فلو أن الفيلسوف قد كان تتبع هذه المواضع لما ظن الذي ظن . هذا، وإذا كان خلف الأحمر وهو القدوة ومن يؤخذ عنه، ومن هو بحيث يقول الشعر فينحله الفحول الجاهليين فيخفى ذلك له ، ويجوز أن يشتبه ما نحن فيه عليه حتى يقع له أن ينتقد على بشار . فلا غرو أن تدخل الشبهة في ذلك على الكندي .

[ ص: 320 ]

" إن " تهيئ النكرة لأن يكون لها حكم المبتدأ في الحديث عنها

ومما تصنعه " إن " في الكلام أنك تراها تهيئ النكرة وتصلحها لأن يكون لها حكم المبتدأ، أعني أن تكون محدثا عنها بحديث من بعدها . ومثال ذلك قوله :


إن شواء ونشوة     وخبب البازل الأمون



قد ترى حسنها وصحة المعنى معها ثم إنك إن جئت بها من غير " إن " فقلت :


شواء ونشوة وخبب البازل الأمون



لم يكن كلاما .

378- فإن كانت النكرة موصوفة، وكانت لذلك تصلح أن يبتدأ بها، فإنك تراها مع " إن " أحسن، وترى المعنى حينئذ أولى بالصحة وأمكن . أفلا ترى إلى قوله :


إن دهرا يلف شملي بسعدى     لزمان يهم بالإحسان



ليس بخفي - وإن كان يستقيم أن تقول : دهر يلف شملي بسعدى دهر صالح : - أن ليس الحالان على سواء . وكذلك ليس يخفى أنك لو عمدت إلى قوله :


إن أمرا فادحا     عن جوابي شغلك



[ ص: 321 ]

فأسقطت منه " إن " لعدمت منه الحسن والطلاوة والتمكن الذي أنت واجده الآن، ووجدت ضعفا وفتورا .

" إن " أثرها في الجملة أنها تغني عن الخبر، ومثال ذلك

379- ومن تأثير " إن " في الجملة أنها تغني إذا كانت فيها عن الخبر في بعض الكلام . ووضع صاحب الكتاب في ذلك بابا فقال : " هذا باب ما يحسن عليه السكوت في هذه الأحرف الخمسة ، لإضمارك ما يكون مستقرا لها وموضعا لو أظهرته، وليس هذا المضمر بنفس المظهر . وذلك " إن مالا " و " إن ولدا " و " إن عددا " أي : " إن لهم مالا " . فالذي أضمرت هو " لهم " . ويقول الرجل للرجل : " هل لكم أحد؟ إن الناس ألب عليكم؟ " فتقول : " إن زيدا وإن عمرا " أي: " لنا " وقال الأعشى :


إن محلا وإن مرتحلا     وإن في السفر إذ مضوا مهلا



ويقول : " إن غيرها إبلا وشاء " كأنه قال : " إن لنا أو عندنا غيرها " . قال : وانتصب " الإبل " و " الشاء " كانتصاب " الفارس " إذا قلت : " ما في الناس مثله فارسا " . وقال : ومثل ذلك قوله :


يا ليت أيام الصبا رواجعا



قال : فهذا كقولهم : " ألا ماء باردا " : كأنه قال : " ألا ماء لنا باردا " : وكأنه قال : يا ليت أيام الصبا أقبلت رواجع .

[ ص: 322 ]



380- فقد أراك في هذا كله أن الخبر محذوف . وقد ترى حسن الكلام وصحته مع حذفه وترك النطق به . ثم إنك إن عمدت إلى " إن " فأسقطتها، وجدت الذي كان حسن من حذف الخبر لا يحسن أو لا يسوغ فلو قلت : " مال " و " عدد " و " محل " و " مرتحل " و " غيرها إبلا وشاء " لم يكن شيئا . وذلك أن " إن " كانت السبب في أن حسن حذف الذي حذف من الخبر، وأنها حاضنته، والمترجم عنه، والمتكفل بشأنه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث