الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بيان في شأن " إن " و " الفاء " التي يحتاج إليها إذا أسقطت " إن "

381- واعلم أن الذي قلنا في " إن " من أنها تدخل على الجملة، من شأنها إذا هي أسقطت منها أن يحتاج فيها إلى " الفاء " لا يطرد في كل شيء وكل موضع، بل يكون في موضع دون موضع وفي حال دون حال . فإنك قد تراها قد دخلت على الجملة ليست هي مما يقتضي " الفاء " . وذلك فيما لا يحصى كقوله تعالى : « إن المتقين في مقام أمين . في جنات وعيون » وذاك أن قبله « إن هذا ما كنتم به تمترون » [ سورة الدخان : 50- 52 ] . ومعلوم أنك لو قلت : " إن هذا ما كنتم به تمترون، فالمتقون في جنات وعيون " لم يكن كلاما . وكذلك قوله : « إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون » لأنك لو قلت : « لهم فيها زفير وهم فيها لا يسمعون » [ سورة الأنبياء : 100، 101 ] . فالذين سبقت لهم منا الحسنى لم تجد لإدخالك الفاء فيه وجها . وكذا قوله : « إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة » [ سورة الحج : 17 ] [ ص: 323 ] « الذين آمنوا » اسم إن وما بعده معطوف عليه، وقوله : « إن الله يفصل بينهم يوم القيامة » جملة في موضع الخبر . ودخول " الفاء " فيها محال لأن الخبر لا يعطف على المبتدأ. ومثله سواء « إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا » [ سورة الكهف : 30 ] .

فإذن إنما يكون الذي ذكرنا في الجملة من حديث اقتضاء " الفاء " إذا كان مصدرها مصدر الكلام يصحح به ما قبله، ويحتج له ويبين وجه الفائدة فيه . ألا ترى أن الغرض من قوله :


إن ذاك النجاح في التكبير



جله أن يبين المعنى في قوله لصاحبيه " بكرا " وأن يحتج لنفسه في الأمر بالتبكير، ويبين وجه الفائدة فيه؟

وكذلك الحكم في الآي التي تلوناها فقوله : « إن زلزلة الساعة شيء عظيم » بيان للمعنى في قوله تعالى : « يا أيها الناس اتقوا ربكم » ولم أمروا بأن يتقوا وكذلك قوله : « إن صلاتك سكن لهم » . بيان للمعنى في أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالصلاة أي بالدعاء لهم . وهذا سبيل كل ما أنت ترى فيه الجملة يحتاج فيها إلى " الفاء " . فاعرف ذلك .

383- فأما الذي ذكر عن أبي العباس من جعله لها جواب [ ص: 324 ] سائل إذا كانت وحدها . وجواب منكر إذا كان معها اللام . فالذي يدل على أن لها أصلا في الجواب أنا رأيناهم قد ألزموها الجملة من المبتدأ والخبر إذا كانت جوابا للقسم نحو : " والله إن زيدا منطلق " . وامتنعوا من أن يقولوا : " والله زيد منطلق " .

مجيء " إن " في الجواب عن سؤال سائل وأمثلته

384- ثم إنا إذا استقرينا الكلام وجدنا الأمر بينا في الكثير من مواقعها، أنه يقصد بها إلى الجواب كقوله تعالى : « ويسألونك عن ذي القرنين قل سأتلو عليكم منه ذكرا . إنا مكنا له في الأرض » [ سورة الكهف :83، 84 ] وكقوله عز وجل في أول السورة : « نحن نقص عليك نبأهم بالحق إنهم فتية آمنوا بربهم » [ سورة الكهف : 13 ] وكقوله تعالى : « فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون » [ سورة الشعراء : 216 ] وقوله تعالى : « قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله » [ سورة الأنعام : 56، سورة غافر : 66 ] وقوله : « وقل إني أنا النذير المبين » [ سورة الحجر : 89 ] وأشباه ذلك مما يعلم به أنه كلام أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يجيب به الكفار في بعض ما جادلوا وناظروا فيه . وعلى ذلك قوله تعالى : « فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين » [ سورة الشعراء : 16 ] وذاك أنه يعلم أن المعنى : فأتياه، فإذا قال لكما: ما شأنكما وما جاء بكما وما تقولان؟ فقولا : « إنا رسول رب العالمين » . وكذا قوله : « وقال موسى يا فرعون إني رسول من رب العالمين » [ سورة الأعراف : 104 ] هذا سبيله .

ومن البين في ذلك قوله تعالى في قصة السحرة : « قالوا إنا إلى ربنا منقلبون » [ سورة الأعراف : 125 ] . وذلك لأنه عيان أنه جواب فرعون عن قوله : « آمنتم له قبل أن آذن لكم » [ سورة الأعراف : 123 ] فهذا هو وجه القول في نصرة هذه الحكاية .

[ ص: 325 ]

بيان في " إن " ومجيئها للتأكيد

385- ثم إن الأصل الذي ينبغي أن يكون عليه البناء، هو الذي دون في الكتب من أنها للتأكيد . وإذا كان قد ثبت ذلك فإذا كان الخبر بأمر ليس للمخاطب ظن في خلافه البتة، ولا يكون قد عقد في نفسه أن الذي تزعم أنه كائن غير كائن، وأن الذي تزعم أنه لم يكن كائن، فأنت لا تحتاج هناك إلى " إن " وإنما تحتاج إليها إذا كان له ظن في الخلاف، وعقد قلب على نفي ما تثبت أو إثبات ما تنفي . ولذلك تراها تزداد حسنا إذا كان الخبر بأمر يبعد مثله في الظن، وبشيء قد جرت عادة الناس بخلافه، كقول أبي نواس :


عليك باليأس من الناس     إن غنى نفسك في الياس



فقد ترى حسن موقعها، وكيف قبول النفس لها وليس ذلك إلا لأن الغالب على الناس أنهم لا يحملون أنفسهم على اليأس ولا يدعون الرجاء والطمع، ولا يعترف كل أحد ولا يسلم أن الغنى في اليأس . فلما كان كذلك كان الموضع موضع فقر إلى التأكيد، فلذلك كان من حسنها ما ترى .

ومثله سواء قول محمد بن وهيب :


أجارتنا إن التعفف بالياس     وصبرا على استدرار دنيا بإبساس


حريان أن لا يقذفا بمذلة     كريما وأن لا يحوجاه إلى الناس


أجارتنا إن القداح كواذب     وأكثر أسباب النجاح مع الياس



[ ص: 326 ]

هو كما لا يخفى كلام مع من لا يرى أن الأمر كما قال، بل ينكره ويعتقد خلافه . ومعلوم أنه لم يقله إلا والمرأة تحدوه وتبعثه على التعرض للناس وعلى الطلب .

" إن " ومجيئها في التهكم وشرطها إذا كانت في جواب سائل

386- ومن لطيف مواقعها أن يدعى على المخاطب ظن لم يظنه ولكن يراد التهكم به، وأن يقال : " إن حالك والذي صنعت يقتضي أن تكون قد ظننت ذلك " . ومثال ذلك قول الأول :


جاء شقيق عارضا رمحه     إن بني عمك فيهم رماح



يقول : إن مجيئه هكذا مدلا بنفسه وبشجاعته قد وضع رمحه عرضا، دليل على إعجاب شديد وعلى اعتقاد منه أنه لا يقوم له أحد حتى كأن ليس مع أحد منا رمح يدفعه به، وكأنا كلنا عزل .

وإذا كان كذلك وجب - إذا قيل أنها جواب سائل - أن يشترط فيه أن يكون للسائل ظن في المسؤول عنه على خلاف ما أنت تجيبه به، فأما أن يجعل مجرد الجواب أصلا فيه فلا، لأنه يؤدي إلى أن لا يستقيم لنا إذا قال الرجل : " كيف زيد ؟ " أن تقول : " صالح " . وإذا قال : " أين هو؟ " أن تقول : " في الدار " . وأن لا يصح حتى تقول : " إنه صالح " و " إنه في الدار " . وذلك ما لا يقوله أحد .

[ ص: 327 ]

وأما جعلها إذا جمع بينها وبين " اللام " نحو : " إن عبد الله لقائم " للكلام مع المنكر، فجيد، لأنه إذا كان الكلام مع المنكر كانت الحاجة إلى التأكيد أشد، وذلك أنك أحوج ما تكون إلى الزيادة في تثبيت خبرك، إذا كان هناك من يدفعه وينكر صحته ، إلا أنه ينبغي أن يعلم أنه كما يكون للإنكار قد كان من السامع، فإنه يكون للإنكار يعلم أو يرى أنه يكون من السامعين . وجملة الأمر أنك لا تقول : " إنه لكذلك " حتى تريد أن تضع كلامك وضع من يزع فيه عن الإنكار .

" إن " تدخل للدلالة على أن ظنك الذي ظننت مردود

387- واعلم أنها قد تدخل للدلالة على أن الظن قد كان منك أيها المتكلم في الذي كان أنه لا يكون . وذلك قولك للشيء : هو بمرأى من المخاطب ومسمع: " إنه كان من الأمر ما ترى، وكان مني إلى فلان إحسان ومعروف، ثم إنه جعل جزائي ما رأيت " . فتجعلك كأنك ترد على نفسك ظنك الذي ظننت وتبين الخطأ الذي توهمت . وعلى ذلك، والله أعلم، قوله تعالى حكاية عن أم مريم رضي الله عنها : « قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت » [ سورة آل عمران : 36 ] وكذلك قوله عز وجل حكاية عن نوح عليه السلام : « قال رب إن قومي كذبون » [ سورة الشعراء : 117 ] . وليس الذي يعرض بسبب هذا الحرف من الدقائق والأمور الخفية، بالشيء يدرك بالهوينا ونحن نقتصر الآن على ما ذكرنا، ونأخذ في القول عليها إذا اتصلت بها " ما " .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث