الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


[ ص: 328 ]

باب القصر والاختصاص - فصل في " إنما " ومواقعها

فصل في مسائل " إنما "

قول الفارسي في " إنما " في كتابه الشيرازيات

388- قال الشيخ أبو علي في " الشيرازيات " : يقول ناس من النحويين في نحو قوله تعالى : « قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن » [ سورة الأعراف : 33 ]: إن المعنى : ما حرم ربي إلا الفواحش . قال: وأصبت ما يدل على صحة قولهم في هذا، وهو قول الفرزدق :


أنا الذائد الحامي الذمار وإنما يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي



فليس يخلو هذا الكلام من أن يكون موجبا أو منفيا . فلو كان المراد به الإيجاب لم يستقم . ألا ترى أنك لا تقول : " يدافع أنا " و " لا يقاتل أنا " وإنما تقول : " أدافع " و " أقاتل " . إلا أن المعنى لما كان : " ما يدافع إلا أنا " فصلت الضمير كما تفصله مع النفي إذا ألحقت معه " إلا " حملا على المعنى . وقال أبو إسحاق الزجاج في قوله تعالى : « إنما حرم عليكم الميتة والدم » [ سورة البقرة : 173 ، سورة النحل : 115 ] النصب في " الميتة " هو القراءة ويجوز : " إنما حرم عليكم " . قال أبو إسحاق : والذي أختاره أن تكون " ما " هي التي تمنع " إن " من العمل ويكون المعنى : " ما حرم عليكم إلا الميتة " لأن إنما تأتي إثباتا لما يذكر بعدها " ونفيا لما سواه وقول الشاعر :


وإنما يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي



المعنى : ما يدافع عن أحسابهم إلا أنا أو مثلي . انتهى كلام أبي علي .

[ ص: 329 ]

ليس كل كلام يصلح فيه " ما " و " إلا " يصلح فيه " إنما "

389- اعلم أنهم وإن كانوا قد قالوا هذا الذي كتبته لك، فإنهم لم يعنوا بذلك أن المعنى في هذا هو المعنى في ذلك بعينه، وأن سبيلهما سبيل اللفظين يوضعان لمعنى واحد . وفرق بين أن يكون في الشيء معنى الشيء، وبين أن يكون الشيء الشيء على الإطلاق .

يبين لك أنهما لا يكونان سواء، أنه ليس كل كلام يصلح فيه " ما " وإلا يصلح فيه " إنما " . ألا ترى أنها لا تصلح في مثل قوله تعالى : « وما من إله إلا الله » [ سورة آل عمران : 62 ] ولا في نحو قولنا : " ما أحد إلا وهو يقول ذاك " . إذ لو قلت : " إنما من إله الله " و " إنما أحد وهو يقول ذاك " قلت ما لا يكون له معنى .

فإن قلت : إن سبب ذلك أن " أحدا " لا يقع إلا في النفي وما يجري مجرى النفي من النهي والاستفهام، وأن " من " المزيدة في " ما من إله إلا الله " كذلك لا تكون إلا في النفي .

قيل : ففي هذا كفاية، فإنه اعتراف بأن ليسا سواء، لأنهما لو كانا سواء لكان ينبغي أن يكون في " إنما " من النفي مثل ما يكون في " ما " و " إلا " . وكما وجدت إنما لا تصلح فيما ذكرنا ، كذلك تجد " ما " و " إلا " لا تصلح في ضرب من الكلام قد صلحت فيه " إنما " وذلك في مثل قولك : " إنما هو درهم لا دينار " . لو قلت : " ما هو إلا درهم لا دينار " لم يكن شيئا . وإذ قد بان بهذه الجملة أنهم حين جعلوا " إنما " في معنى " ما " و " إلا " لم يعنوا أن المعنى فيهما واحد على الإطلاق، وأن يسقطوا الفرق فإني أبين لك أمرهما، وما هو أصل في كل واحد منهما بعون الله وتوفيقه.

[ ص: 330 ]

" إنما " تجيء لخبر لا يجهله المخاطب وتفسير ذلك

390 - اعلم أن موضوع إنما على أن تجيء لخبر لا يجهله المخاطب ولا يدفع صحته أو لما ينزل هذه المنزلة .

تفسير ذلك أنك تقول للرجل : " إنما هو أخوك " و " إنما هو صاحبك القديم " لا تقوله لمن يجهل ذلك ويدفع صحته ولكن لمن يعلمه ويقر به . إلا أنك تريد أن تنبهه للذي يجب عليه من حق الأخ وحرمة الصاحب . ومثله قوله :


إنما أنت والد والأب     القاطع أحنى من واصل الأولاد



لم يرد أن يعلم كافورا أنه والد، ولا ذاك مما يحتاج كافور فيه إلى الإعلام، ولكنه أراد أن يذكره منه بالأمر المعلوم ليبني عليه استدعاء ما يوجبه كونه بمنزلة الوالد .

ومثل ذلك قولهم : " إنما يعجل من يخشى الفوت " . وذلك أن من المعلوم الثابت في النفوس أن من لم يخش الفوت لم يعجل .

ومثاله من التنزيل قوله تعالى : « إنما يستجيب الذين يسمعون » [ سورة الأنعام : 36 ] وقوله تعالى : « إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب » [ سورة يس : 11 ] وقوله تعالى : « إنما أنت منذر من يخشاها » [ سورة النازعات : 45 ] . كل ذلك تذكير بأمر ثابت معلوم . وذلك أن كل عاقل يعلم أنه لا تكون استجابة إلا ممن [ ص: 331 ] يسمع ويعقل ما يقال له ويدعى إليه . وأن من لم يسمع ولم يعقل لم يستجب . وكذلك معلوم أن الإنذار إنما يكون إنذارا ويكون له تأثير، إذا كان مع من يؤمن بالله ويخشاه ويصدق بالبعث والساعة . فأما الكافر الجاهل فالإنذار وترك الإنذار معه واحد . فهذا مثال ما الخبر فيه خبر بأمر يعلمه المخاطب ولا ينكره بحال .

391- وأما مثال ما ينزل هذه المنزلة فكقوله :


إنما مصعب شهاب من الله     تجلت عن وجهه الظلماء



ادعى في كون الممدوح بهذه الصفة أنه أمر ظاهر معلوم للجميع على عادة الشعراء إذا مدحوا أن يدعوا في الأوصاف التي يذكرون بها الممدوحين أنها ثابتة لهم وأنهم قد شهروا بها وأنهم لم يصفوا إلا بالمعلوم الظاهر الذي لا يدفعه أحد كما قال :


وتعذلني أفناء سعد عليهم     وما قلت إلا بالذي علمت سعد



وكما قال البحتري :


لا أدعي لأبي العلاء فضيلة     حتى يسلمها إليه عداه



ومثله قولهم : " إنما هو أسد " و " إنما هو نار " وإنما هو سيف [ ص: 332 ] صارم " . إذا أدخلوا إنما جعلوا ذلك في حكم الظاهر المعلوم الذي لا ينكر ولا يدفع ولا يخفى .

وأما الخبر بالنفي والإثبات نحو: " ما هذا إلا كذا " و " إن هو إلا كذا " فيكون للأمر ينكره المخاطب ويشك فيه . فإذا قلت : " ما هو إلا مصيب " أو : " ما هو إلا مخطئ " قلته لمن يدفع أن يكون الأمر على ما قلت . وإذا رأيت شخصا من بعيد فقلت : " ما هو إلا زيد " لم تقله إلا وصاحبك يتوهم أنه ليس بزيد وأنه إنسان آخر، ويجد في الإنكار أن يكون " زيدا " .

وإذا كان الأمر ظاهرا كالذي مضى لم تقله كذلك فلا تقول للرجل ترققه على أخيه وتنبهه للذي يجب عليه من صلة الرحم ومن حسن التحاب :، ما هو إلا أخوك . وكذلك لا يصلح في : " " إنما أنت والد " " ما أنت إلا والد " . فأما نحو : إنما مصعب شهاب " فيصلح فيه أن تقول : " ما مصعب إلا شهاب " . لأنه ليس من المعلوم على الصحة وإنما ادعى الشاعر فيه أنه كذلك . وإذا كان هذا هكذا جاز أن تقوله بالنفي والإثبات . إلا أنك تخرج المدح حينئذ عن أن يكون على حد المبالغة، من حيث لا تكون قد ادعيت فيه أنه معلوم، وأنه بحيث لا ينكره منكر ولا يخالف فيه مخالف.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث