الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في أحكام الاستنجاء وآدابه

جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 137 ] ولا يكره استقبالها باستنجاء أو جماع أو إخراج ريح أو فصد أو حجامة ( ويبعد ) عن الناس في الصحراء أو نحوها ولو في البول إلى حيث لا يسمع للخارج منه صوت ولا يشم له ريح .

ويسن أن يغيب شخصه حيث أمكن للاتباع ( ويستتر ) عن أعين الناس لما صح من قوله صلى الله عليه وسلم { من أتى الغائط فليستتر ، فإن لم يجد إلا أن يجمع كثيبا من رمل فليستتر به ، فإن الشيطان يلعب بمقاعد بني آدم ، من فعل فقد أحسن ، ومن لا فلا حرج عليه } ويحصل الستر بمرتفع قدر ثلثي ذراع وقد قرب منه ثلاثة أذرع فأقل بذراع الآدمي ولو براحلته ونحو ذيله ، ولا بد هنا أخذا مما تقدم في الستر عن القبلة أن يكون الساتر عريضا ومرتفعا في حق القائم إلى محاذاة سرته ، بخلاف الساتر للمصلي كما هو ظاهر .

نعم إن كان في محل مسقف أو يمكن تسقيفه كفاه الستر بنحو جدار وإن تباعد عنه [ ص: 138 ] أكثر من ثلاثة أذرع ولا يكفي مثل ذلك في القبلة ، وبعضهم توهم اتحاد الموضعين فاحذره ، ومحل عد ذلك من الآداب إذا لم يكن بحضرة من يرى عورته ممن لا يحل له نظرها ، أما بحضرته فيكون واجبا ، إذ كشفها بحضرته حرام كما صرح به في شرح مسلم واعتمده المتأخرون وهو ظاهر .

ووجوب غض البصر لا يمنع الحرمة عليه خلافا لمن توهمه ، ولو أخذه البول وهو محبوس بين جماعة جاز له التكشف وعليهم الغض ، فإن احتاج للاستنجاء وقد ضاق الوقت ولم يجد إلا ماء بحضرة الناس جاز له كشفها أيضا كما بحثه بعضهم فيهما ، وظاهر التعبير بالجواز في الثانية أنه لا يجب فيها والأوجه الوجوب ، وفارق ما أفتى به الوالد رحمه الله تعالى في نظيرها من الجمعة حيث خاف فوتها إلا بالكشف المذكور حيث جعله جائزا لا واجبا .

قال : لأن كشفها يسوء صاحبها بأن للجمعة بدلا ولا كذلك الوقت

التالي السابق


حاشية الشبراملسي

( قوله أو حجامة ) أي أو قيء أو حيض ، أو نفاس ، لأن ذلك ليس في معنى البول والغائط ( قوله : ويبعد ) بفتح أوله من بعد لا بضمه من أبعد لأن ذلك إنما هو من أبعد غيره .

وعبارة المختار : البعد ضد القرب ، وقد بعد بالضم بعدا فهو بعيد : أي متباعد وأبعد غيره وباعده وبعده تبعيدا ا هـ .

لكن في المصباح أن أبعد يستعمل لازما ومتعديا وعليه فيجوز قراءته بضم الياء وكسر العين ( قوله : إلى حيث إلخ ) وقوله ولا يشم إلخ : أي فهما سنتان م ر ا هـ سم على منهج ( قوله : فليستتر به ) عبارة المشكاة والمصابيح فليستدبره .

قال في شرح المشكاة : أي فليجمعه ثم يستدبره أو يستقبله ، وأوثر الاستدبار لأن القبل يسهل ستره بالذيل غالبا ، فالحاجة بالدبر أمس ا هـ .

وقال في شرح المصابيح : أي يجعله خلفه لئلا يراه أحد . [ فرع ] هل يكفي في هذا الباب الستر بالزجاج الذي لا يحجب الرؤية ؟ قال م ر بحثا عن البديهة : ينبغي الاكتفاء به في الستر عن القبلة لا عن العيون سم على منهج ، ثم قال في قولة أخرى : وهل يكفي الستر بالماء كما لو بال وأسافل بدنه منغمسة في ماء مستبحر لا يبعد ؟ نعم وفاقا لمر ، نعم ينبغي تقييده بالكدر بخلاف الصافي كالزجاج الصافي فليتأمل ، وتقدم عنه بحثه الاكتفاء بالزجاج في ستر القبلة لا في الستر عن العيون ( قوله : يلعب بمقاعد بني آدم ) أي بإدامة النظر إليها مع كثرة وسوسة الغير وحمله على النظر إليها أيضا ووسوسة المتبرز وحمله على الفساد بها شرح المشكاة لحج ( قوله : ثلثي ذراع ) ظاهره ولو صغر قاضي الحاجة ، ونقل سم على منهج عن الشارح أنه تردد فيه ثم وافق على ما يقتضي ترجيح الاكتفاء بما دونهما عند حصول الستر به .

أقول : وقد يتوقف فيه بأنه لا يسمى سترة شرعية وقد تقدم له نقله عن م ر ( قوله إلى محاذاة سرته ) المتبادر من هذه العبارة أن المراد أن ابتداء الساتر من الأرض وانتهاؤه محاذاة السرة ، وقد يقال : يكفي هنا ستر ما بين السرة والركبة لأن الغرض المنع من النظر للعورة وهو يحصل بذلك .

ثم رأيت في حج ما نصه : ومحله في الجالس ، إلى أن قال : فأفهم أنه لا بد فيه بالنسبة إلى القائم من ارتفاعه زيادة على ما مر حتى يستر من سرته إلى ركبته ا هـ .

وكتب عليه سم ما نصه .

قوله إلى ركبته ، لا يقال : قضية ما سبق بالهامش عن شيخنا الرملي أن يقال إلى الأرض .

لأنا نقول : الفرق ممكن ظاهر فليتأمل ا هـ .

قلت : والفرق أن المقصود ثم تعظيم القبلة فوجب لذلك الستر عن العورة وحريمها ، والمقصود هنا منع النظر المحرم ، وذلك ليس إلا لما بين السرة والركبة ( قوله : أو يمكن تسقيفه ) أي عادة ، وليس داخله من ينظر إليه ممن يحرم [ ص: 138 ] نظره وإلا حرم كما سيأتي ا هـ سم على منهج ( قوله : ولو أخذه البول ) أي بأن احتاج إليه وشق عليه تركه ، وينبغي أن لا يشترط وصوله إلى حد يخشى معه من عدم البول محذور تيمم ، ثم تعبيره بالجواز مقتض لإباحته مطلقا ، وينبغي وجوبه إذا تحقق الضرر بتركه ( قوله : جاز له كشفها ) أفهم حرمة الاستنجاء بحضرة الناس مع اتساع الوقت ، وينبغي أن محل الحرمة حيث لم يغلب على ظنه إمكان الاستنجاء في محل لا ينظر إليه أحد ممن يحرم نظره ، وإلا جاز له الكشف في أول الوقت كما قيل بمثله في فاقد الطهورين والمتيمم في محل فيه يغلب وجود الماء ( قوله : في الثانية ) هي قوله فإن احتاج للاستنجاء وقد ضاق الوقت ( قوله : حيث جعله جائزا لا واجبا ) ظاهره وإن لم يخل بمروءته وهو ظاهر لأنه في حد ذاته مستقبح فلا نظر إلى عدم مبالاته بذلك ، لكن قال ابن عبد الحق : حيث لم يخل ذلك بمروءته فالمتجه الوجوب ( قوله : ولا كذلك الوقت ) وينبغي أن كشفها والحالة ما ذكر مستحب لأن غايته أن هذا عذر مجوز للترك ، والأصل في الأعذار أنها مسقطة للإثم فقط ، وتحمل المشقة معها أولى .

وأيضا فقد قالوا : لو علم من قوم عدم رد السلام سن له أن يسلم عليهم وإن أثموا فما هنا كذلك



حاشية المغربي

( قول المصنف ، ويستتر ) أي يستر عورته ، فهو غير تغييب شخصه المار في كلام الشارح ( قوله : عن أعين الناس ) أي الذين لا يحرم نظرهم إليه كزوجاته وإمائه بقرينة [ ص: 138 ] ما يأتي ، أو عن أعين الناس بفرض وجودهم ( قوله : من يرى عورته ) أي بالفعل ممن يحرم نظره إليها



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث