الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

وقت زوال موانع وجوب الصلاة

جزء التالي صفحة
السابق

ثم انتقل المصنف إلى بيان وقت الضرورة والمراد به وقت زوال موانع الوجوب وهي الصبا والكفر والجنون والإغماء والحيض والنفاس فقال ( ولو زالت هذه الأسباب ) أي الموانع ( و ) قد ( بقي من الوقت قدر تكبيرة ) أي قدر زمنها فأكثر ( وجبت الصلاة ) أي صلاة ذلك الوقت لخبر { من أدرك ركعة } السابق بجامع إدراك ما يسع ركنا وقياسا على اقتداء [ ص: 395 ] المسافر بالمتم بجامع اللزوم ، وإنما لم تدرك الجمعة بدون ركعة لأن ذاك إدراك إسقاط وهذا إدراك إيجاب فاحتيط فيهما ، ومفهوم الخبر لا ينافي القياس المذكور لأن مفهومه أنها لا تكون أداء لا أنها لا تجب قضاء ، أما إذا بقي دون تكبيرة فلا لزوم وإن تردد فيه الجويني ( وفي قول يشترط ركعة ) بأخف ما يمكن ، كما أن الجمعة لا تدرك بأقل من ركعة ولمفهوم خبر { من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح ، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر } متفق عليه ، وشرط الوجوب على القولين بقاء السلامة عن الموانع بقدر فعل الطهارة والصلاة بأخف ما يمكن ، فلو عاد العذر قبل ذلك لم تجب الصلاة .

قال في المهمات : والقياس باعتبار وقت الستر ، ولو قيل باعتبار زمن التحري في القبلة لكان متجها انتهى ، وفيه نظر .

والفرق بين اعتبار زمن الطهارة وعدم اعتبار زمن الستر أن الطهارة تختص بالصلاة ، بخلاف ستر العورة ، وقد أشار ابن الرفعة إلى [ ص: 396 ] هذا الفرق فإنه نقل عن بعضهم فيما إذا طرأ العذر بعد دخول الوقت أنه لا يعتبر مضي قدر السترة لتقدم إيجابها على وقت الصلاة ، وحاصل ذلك أن الأوجه عدم اعتبار كل من السترة والتحري في القبلة ، ولا يشترط أن يدرك مع التكبيرة أو الركعة قدر الطهارة على الأظهر ، لأن الطهارة شرط للصحة لا للزوم ولأنها لا تختص بالوقت ( والأظهر ) على الأول ( وجوب الظهر ) مع العصر ( بإدراك تكبيرة آخر العصر و ) وجوب ( المغرب ) مع العشاء بإدراك ذلك ( آخر ) وقت ( العشاء ) لأن وقت العصر وقت للظهر ، ووقت العشاء وقت للمغرب في حالة العذر ، ففي حالة الضرورة أولى لأنها فوق العذر ، والثاني لا بد مع التكبيرة التي في آخر العصر من أربع ركعات ، لأن إيجاب الصلاتين سببه الحمل على الجمع كما ذكرناه ، وصورة الجمع إنما تتحقق إذا أوقع إحدى الصلاتين في الوقت وشرع في الأخرى ، وفهم من كلام المصنف أن الصلاة التي لا تجمع مع ما قبلها وهي الصبح والظهر والمغرب إذا زال العذر في آخرها وجبت هي فقط وهو كذلك لانتفاء العلة وهي جعل الوقت كالوقت الواحد ، ولا بد في إيجابهما من زوال المانع مدة تسعهما معا ، فقد صرح الرافعي بأنه إذا زال العذر وعاد أنه لا بد من ذلك .

قال الإسنوي : ومسألتنا هذه أولى من تلك بالاشتراط لأن الإدراك في الوقت أولى منه خارج الوقت ، ولو أدرك من وقت العصر قدر تكبيرة ومضى بعد المغرب ما يسع العصر معها وجبتا دون الظهر ، ولو أدرك ركعة آخر العصر مثلا وخلا من الموانع ما يسعها وطهرها فعاد المانع بعد أن أدرك من وقت المغرب ما يسعها فيتعين صرفه إلى المغرب وما فضل لا يكفي للعصر فلا تجب ، ذكره البغوي في فتاويه ، وظاهره أنه لا فرق بين أن يشرع في العصر أو لا وهو المعتمد ، وإن قال ابن العماد : إن ما ذكره ظاهر إذا لم يشرع في العصر قبل المغرب ، وإلا فيتعين صرفه لها لعدم تمكنه من المغرب لاشتغاله بالعصر التي شرع فيما وجوبا قبل المغرب ويطرد ذلك في غير المغرب أيضا

التالي السابق


حاشية الشبراملسي

( قوله : والكفر ) أي الأصلي ( قوله : والإغماء ) أي والسكر بلا تعد ، ولعله لم يذكره لعدم ذكره في المتن ( قوله : أي الموانع ) بين به أن في التعبير بالأسباب تجوزا ، ولعل علاقة المجاز الضدية فإن المانع مضاد للسبب ( قوله : لخبر من أدرك ) قد يناقش بأنه إن كان الخبر في إدراك الوجوب نافى قوله الآتي لأن مفهومه إلخ ، أو في إدراك الأداء لم ينهض الاستدلال ولا بطريق القياس ا هـ سم على بهجة . [ ص: 395 ] أقول : قوله ولا بطريق القياس بأن يقال ثبت كونها مؤداة بإدراك الركعة فيقاس الوجوب بإدراكها على عدم النهوض أنها إنما جعلت أداء بتبعية ما بعد الوقت لما فيه وهذا ليس موجودا في الوجوب ، فلا يقال وجبت الصلاة بإدراك الركعة بتبعية ما بعد الوقت لما فيه لأن وجوب ما في الوقت من الركعة لم يثبت فهو قياس مع انتفاء العلة ( قوله : بجامع اللزوم ) قال حج وكان قياسه الوجوب بدون تكبيره لكن لما لم يظهر ذلك غالبا هنا أسقطوا اعتباره لعسر تصوره ، إذ المدار على إدراك قدر جزء محسوس من الوقت ، وبه يفرق بين اعتبار التكبير هنا دون المقيس عليه لأن المدار فيه على مجرد الربط ( قوله : لا ينافي القياس المذكور ) أي في قوله وقياسا على اقتداء المسافر بالمتم ( قوله : بأخف ما يمكن ) أي لأي شخص ، وعبارة المحلي أخف ما يقدر عليه أحد ( قوله : بقدر فعل الطهارة ) ظاهره وإن أمكنه تقديم الطهارة على زوال المانع بأن كان المانع الصبا أو الكفر وهو مشكل على ما يأتي فيما لو طرأ المانع فإنه لا يعتبر فيه الخلو بقدر طهر يمكن تقديمه ، وسيأتي عن حج الفرق بينهما في قوله ويمكن أن المتبوع إلخ ( قوله : والصلاة بأخف إلخ ) كأربع في المقيم واثنين في المسافر ، وإن أراد الإتمام بل وإن شرع فيها على قصد الإتمام فعاد المانع بعد مجاوزة ركعتين فتستقر في ذمته ( قوله : بأخف ما يمكن ) أي من فعل نفسه لأن المقصود مضي زمن يتمكن فيه من الفعل ولا يتمكن بدون ذلك ، وعليه فيفرق بين هذا وبين ما تقدم حيث لم يعتبر فعل نفسه بأن المدار ثم على وجود زمن يكون فيه من أهل العبادة ، والمدار هنا على ما يتمكن فيه من الفعل ثم ما ذكر من التفرقة بين زمن الوجوب وزمن استقرار الفعل في ذمته ، أخذه الشيخ عميرة من كلام المحلي حيث قال : استمرار السلامة أخف ما يمكنه : أي من فعل نفسه ، وفي آخر الوقت بالنسبة لزمن الوجوب أخف ما يقدر عليه أحد ، فلم يقيد بفعل نفسه ولا بالوسط المعتدل .

وقوله ولا يتمكن بدون ذلك : أي والتحري يمكن فعله قبل زوال المانع ، وقد يتوقف فيما ذكر بالنسبة لنحو المجنون فإنه لا يمكنه الاجتهاد في القبلة زمن جنونه ( قوله : وفيه نظر ) نقل سم [ ص: 396 ] عن الشارح الجزم بمقتضى النظر ، ثم رأيت قوله الآتي وحاصل إلخ ( قوله : قدر الطهارة ) أي في الوقت فلا ينافي ما تقدم من اشتراط بقاء السلامة ما يسع الفرض والطهر لأنه أعم من أن يكون في الوقت وبعده ( قوله : وشرع في الأخرى ) قد يخالف هذا ما تقدم للشارح في وقت المغرب من أنه يعتبر لصحة الجمع وقوع الصلاتين في وقت الأولى ، لكن ما هنا موافق لما في صلاة المسافر كما مر نقلا عن شيخ الإسلام إلى آخر ما مر فليراجع ( قوله : ومسألتنا هذه ) هي ما أفهمه المتن ( قوله : أولى من تلك ) أي ما صرح به الرافعي



حاشية المغربي

( قوله : قدر ) الذي أدخله في خلال كلام المصنف يلزم عليه تغيير إعراب المتن ( قوله : أي صلاة ذلك الوقت إلخ ) [ ص: 395 ] عبارة شرح الروض : أي صلاة الوقت كما يلزم وقد بقي منه قدر ركعة لخبر إلخ ، فجعل الخبر دليلا على الوجوب بإدراك الركعة المتفق عليه بين القولين ، ثم قاس عليه إدراك الركن ، ولعل في الشرح سقطا ( قوله : لخبر ) لعل هذا من باب التنزل مع القول الثاني المستدل بالخبر المذكور كما يأتي ، وإلا فسيأتي في الشرح أنه بالنسبة للأداء لا للوجوب ، وهو تابع فيما ذكره لما في شرح البهجة .

واعترضه سم بقوله : قد يناقش بأنه إن كان الخبر في إدراك الوجوب نافى قوله الآتي ; لأن مفهومه إلخ ، أو في إدراك الأداء لم ينهض الاستدلال ولا بطريق القياس انتهى ( قوله : والفرق بين اعتبار زمن الطهارة إلخ ) لم يتعرض للفرق بين الطهر والتحري ( قوله تختص بالصلاة ) فيه وقفة [ ص: 396 ] قوله : لتقدم إيجابها ) بمعنى أن وجوبها سابق على الصلاة لا للصلاة بل لذاتها وإن لم يرد الصلاة ، وفرق بين تقدم إيجابها وإيجاب تقدمها فاندفع ما توهمه بعضهم هنا فافهم ( قوله : زال العذر وعاد ) أي في الوقت بقرينة ما يأتي في كلام الإسنوي



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث