الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

( وتتعين الفاتحة ) في السرية والجهرية حفظا أو تلقينا أو نظرا في مصحف ( في كل ركعة ) في قيامها ، ومنه القيام الثاني من ركعتي صلاة الخسوف ، أو بدله للمنفرد وغيره فرضا كانت أو نفلا ، لخبر { لا صلاة لمن لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب } ويدل على دخول المأمومين في العموم [ ص: 477 ] ما صح عن عبادة { كنا خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة الفجر فثقلت عليه القراءة ، فلما فرغ قال : لعلكم تقرءون خلفي ؟ قلنا نعم ، قال : لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها } وخبر { من صلى خلف إمام فقراءة الإمام له قراءة } ضعيف عند الحفاظ كما بينه الدارقطني وغيره ، وأما قوله تعالى { فاقرءوا ما تيسر منه } فوارد في قيام الليل أو محمول كخبر { ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن } على الفاتحة لما صح من قوله عليه الصلاة والسلام للمسيء صلاته { كبر ثم اقرأ بأم القرآن ثم افعل ذلك في كل ركعة } أو على العاجز عنها جمعا بين الأدلة ، وخبر مسلم { وإذا قرأ فأنصتوا } محمول على السورة لحديث عبادة وغيره ، ودل على أن محلها القيام فلا تجزئ في نحو الركوع ما صح من قوله عليه الصلاة والسلام { إني نهيت أن أقرأ القرآن راكعا أو ساجدا } ولشرف الفاتحة على غيرها كثرت أسماؤها ، فقد ذكرت لها في شرح شروط الإمامة ثلاثين اسما ( إلا ركعة مسبوق ) بها حقيقة أو حكما فلا تتعين فيها بل يتحملها عنه إمامه ، إذ الأصح أنها وجبت عليه فيدرك الركعة بإدراكه معه ركوعه المحسوب له كما يأتي بيانه مع ذكر من في معناه من كل متخلف بعذر كزحمة ونسيان للصلاة لا لقراءة الفاتحة [ ص: 478 ] وبطء حركة وشك في قراءة الفاتحة بعد ركوع إمامه فلم يزل عذره حتى سبقه الإمام بأكثر من ثلاثة أركان طويلة وزال عذره والإمام راكع أو هاو للركوع وحينئذ فقد يتصور سقوط الفاتحة في سائر الركعات ، وما قررناه هنا هو المعتمد كما يعلم مما ذكره الشيخان ، وإن وقع في عبارة الشيخ ما يخالفه ، ولو نوى مفارقة إمامه بعد الركعة الأولى ثم اقتدى بإمام راكع وقصد بذلك إسقاط الفاتحة عنه صحت في أوجه احتمالين كما أفتى به الوالد رحمه الله تعالى واستقر رأيه عليه آخرا .

التالي السابق


حاشية الشبراملسي

( قوله : وتتعين الفاتحة في كل ركعة ) .

[ فرع ] وقع السؤال في الدرس عما لو انبهمت عليه الفاتحة في القرآن بأن كان يحفظ السور ولا يعرف أسماءها ، وأعلم بأن الصلاة واجبة عليه وأنها لا تصح بدون الفاتحة ولم يجد من يوقفه عليها فهل يجتهد أم لا ؟ فيه نظر ، ويمكن الجواب عنه بأن الأقرب أن يجتهد ، فإن لم يظهر له دليل لا تصح صلاته إلا بقراءة جميع القرآن ليتحقق بقراءته أنه أتى بالواجب قياسا على ما لو اشتغلت ذمته بمنذور وانبهم عليه هل هو عتق أو صلاة أو زكاة فإنه لا يخرج عن ذلك [ ص: 477 ] إلا بالإتيان بالجميع ( قوله : فثقلت عليه ) أي شقت عليه لكثرة الأصوات خلفه ، وقوله { لعلكم تقرءون خلفي } ، وإنما لم ينههم من القراءة خلفه ابتداء مع أن الظاهر من حاله أنه سمع قراءتهم تلطفا بهم على ما جرت به عادته صلى الله عليه وسلم معهم في تعليمهم الأحكام ( قوله : لما صح من قوله ) أي في رواية غير الشيخين لما مر له من أن روايتهما : ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن ( قوله : فقد ذكرت لها في شرح شروط الإمامة ) عبارته ثم والفاتحة لها ثلاثون اسما : أشهرها الفاتحة ، الثاني : الحمد لله ، الثالث : أم الكتاب ، الرابع : أم القرآن ، الخامس : الشفاء ، السادس : الشافية ، السابع : تعليم المسألة ، الثامن الواقية ، التاسع سورة الوفاء ، العاشر : الكافية ، الحادي عشر : سورة الكافية ، الثاني عشر : الرقية ، الثالث عشر : الأساس ، الرابع عشر : الصلاة ، الخامس عشر : سورة الصلاة ، السادس عشر : سورة الكنز ، السابع عشر : سورة الثناء ، الثامن عشر : سورة التفويض ، التاسع عشر : المثاني ، العشرون : القرآن العظيم ، الحادي والعشرون : المجزئة ، الثاني والعشرون : سورة الإجزاء ، الثالث والعشرون : : المنجية ، الرابع والعشرون : النجاة ، الخامس والعشرون : سورة الرحمة ، السادس والعشرون : سورة النعمة ، السابع والعشرون : سورة الاستعانة ، الثامن والعشرون : سورة الهداية ، التاسع والعشرون : سورة الجزاء ، الثلاثون : سورة الشكر ا هـ .

وعليه فلو نذر قراءة سورة الشكر مثلا انصرف إلى الفاتحة ( قوله : حقيقة ) أي كأن وجده راكعا وقوله أو حكما : أي كأن زحم عن السجود ( قوله فيدرك الركعة بإدراكه ) أي وهل يثاب على القراءة التي فاتته في هذه الحالة أم لا ؟ فيه نظر ، والأقرب الثاني لأن الثواب على الفعل ولم يوجد منه ومن ثم قالوا يتحمل عنه القراءة ، والتحمل عبارة عن عدم المؤاخذة بتركه وصحة الصلاة بدون القراءة ( قوله : من كل متخلف بعذر إلخ ) الأولى إدراج هذا في المسبوق حكما كأن يقول : وسيأتي أن من المسبوق حكما كل متخلف بعذر ، أو يجعله مثلا لقوله أو حكما فيقول كمتخلف بعذر ( قوله : لا لقراءة الفاتحة ) محترز للصلاة : أي فلا يكون متخلفا بعذر ، بل إذا تذكر الفاتحة [ ص: 478 ] وجب عليه أن يتخلف ويقرأها ، فإن فرغ منها قبل تمام ركنين فعليين من الإمام فذاك وإلا وجبت المفارقة ، فإن لم يفعل حتى هوى الإمام للسجود بطلت صلاته كما هو شأن كل متخلف بغير عذر ، لكن نقل عن الزيادي أن نسيان القراءة كنسيان الصلاة ، وهو المتبادر من إطلاق غير الشارح رحمه الله تعالى فيتخلف لقراءتها ويغتفر له ثلاثة أركان طويلة وهو ظاهر ، ويدل له قول الشارح في فصل تجب متابعة الإمام بعد قول المصنف وإن كان عذر إلخ ، أو سها عنها : أي القراءة حتى ركع إمامه ا هـ .

وهو مخالف لما هنا .

وفي بعض النسخ إسقاط لا لقراءة وعليها فلا مخالفة بين كلاميه وعلى تسليمها يمكن أن يفرق بأن نسيان الصلاة يكثر بخلاف نسيان القراءة فإنه يعد مقصرا فيه ( قوله : وبطء حركة ) عطف على قوله كزحمة ( قوله : فلم يزل عذره ) أي وهو ما اشتغل به من القراءة أو فعل الأركان فيما لو كان بطيء الحركة ( قوله أو هاو ) أي من الركعة الثانية مثلا ، وقوله فلم يزل عذره ، قضيته أن صورة المسألة أنه إذا زحم عن السجود فانتظر زوال الزحمة أو شك في القراءة فشرع فيها فلم تزل الزحمة ولا فرغ من القراءة حتى سبقه الإمام بأكثر من ثلاثة أركان صار مسبوقا ، والمطابق لما يأتي في متابعة الإمام تصوير ذلك بما إذا زالت الزحمة أو فرغ من القراءة قبل أن يسبقه الإمام بما ذكر فسعى على نظم صلاة نفسه حتى فرغ المأموم من السجود فقام وجد الإمام راكعا فيركع معه ، ومن ثم صور شيخنا الزيادي كونه يصير مسبوقا بما ذكر ( قوله : فقد يتصور سقوط الفاتحة ) أي بأسباب مختلفة بأن أدركه في ركوع الأولى فسقطت عنه الفاتحة لكونه مسبوقا ، ثم حصل له زحمة عن السجود فيها فتمكن منه قبل أن يركع الإمام في الثانية فأتى به ، ثم قام من السجود وجده راكعا في الثانية وهكذا تأمل ا هـ زيادي ( قوله : وإن وقع في عبارة الشيخ ) لعله في غير شرح المنهج ( قوله : ثم اقتدى بإمام راكع ) ومثله ما لو فعل ذلك في بقية الركعات .



حاشية المغربي

( قوله : فثقلت عليه ) أي شقت لكثرة الأصوات خلفه ، قاله شيخنا في الحاشية ، ولا ينافيه الترجي في قوله صلى الله عليه وسلم { لعلكم تقرءون خلفي } لاحتمال أنه كان يسمع الأصوات ولا يميز ما يقولون ( قوله : فلا تتعين ) أشار به إلى دفع ما قيل إن ظاهر عبارة المصنف عدم وجوبها عليه بالكلية عنه ( قوله : كما يأتي بيانه أي المسبوق الحقيقي بقرينة قوله مع من في معناه ، ففي عبارته مسامحة ; لأنها توهم أن المسبوق الحكمي غير من في معنى المسبوق وظاهر أنه هو ( قوله : لا لقراءة الفاتحة ) يخالف ما يأتي له في صلاة الجماعة ، وهو ساقط في بعض النسخ [ ص: 478 ] قوله : فلم يزل عذره ) يعني : لم يفرغ من قراءته في مسألتي الشك والنسيان ولم تزل الزحمة من مسألتها ولم تتم الأركان في مسألة البطء ( قوله : حتى سبقه الإمام بأكثر من ثلاثة أركان إلخ ) يعني : أنه فرغ من قراءة الفاتحة قبل انفصال الإمام عن السجود الثاني واشتغل بالركوع وبما بعده فلم يفرغ من ذلك إلا والإمام راكع في مسائل الشك والنسيان ( قوله : وحينئذ فقد يتصور ) سقوط الفاتحة في سائر الركعات هو ظاهر في مسألتي الزحمة وبطء الحركة لا في مسألتي الشك والنسيان ، إذ يتصور في الأوليين أن يكون مسبوقا في الركعة الأولى فسقطت عنه الفاتحة ، ثم حصل له العذر في غيرها فسقطت عنه الفاتحة أيضا ، بخلاف الأخريين إذ يجب عليه القراءة عند التذكر كما يأتي



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث