الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

( فإن ) ( جهل الفاتحة ) ولم يمكنه تعلمها [ ص: 485 ] لضيق وقت أو بلادة ولا قراءتها في نحو مصحف ولا التسبب إلى حصوله بنحو شراء لو وجد ما يحصله به فاضلا عما يعتبر في الفطرة حتى لو لم يكن بالبلد إلا مصحف واحد ولم يمكن التعلم إلا منه لم يلزم مالكه إعارته ، وكذا لو لم يكن بالبلد إلا معلم واحد لم يلزمه التعليم بلا أجرة على ظاهر المذهب ، كما لو احتاج إلى السترة أو الوضوء ومع غيره ثوب أو ماء فينتقل إلى البدل ( فسبع آيات ) عدد آياتها لأنه أشبه بها ، واستحسن الشافعي قراءة ثمان آيات لتكون الثامنة بدلا عن السورة ، أما دون السبع فلا يجزئه وإن طال لرعاية العدد فيها في قوله تعالى { ولقد آتيناك سبعا من المثاني } وقوله صلى الله عليه وسلم { هي السبع المثاني } وفي اشتراط كون البدل مشتملا على ثناء ودعاء كالفاتحة وجهان للطبري أوجههما عدمه ، ومتى أمكنه التعلم ولو بالسفر لزمه ولا يكتفي عنها بالترجمة بغير العربية لقوله تعالى { إنا أنزلناه قرآنا عربيا } فدل على أن العجمي ليس بقرآن ، بخلاف ما إذا عجز عن التكبير أو الخطبة أو الإتيان بالشهادتين فإنه تجزئه الترجمة عنها لأن نظم القرآن معجز ، كما مر بعض ذلك ( متوالية فإن عجز ) عن المتوالية ( فمتفرقة ) لأنه مقدوره ( قلت : الأصح المنصوص جواز المتفرقة ) من سورة أو سور ( مع حفظه متوالية ، والله أعلم ) كما في قضاء رمضان ، وسواء أفادت المتفرقة معنى منظوما أم لا كما اختاره في المجموع [ ص: 486 ] واقتضاه إطلاق الجمهور لإطلاق الأخبار وهو قياس حرمة قراءتها على الجنب ، ويلزم القائل بالمنع أنه لو كان يحفظ أوائل السور خاصة كالم والر والمر وطسم أنه لا يجب عليه قراءتها عند من يجعلها أسماء للسور ، قال بعضهم : وهو بعيد لأنا متعبدون بقراءتها وهي قرآن متواتر .

وادعى الأذرعي أن المختار ما ذكره الإمام ، وأن إطلاقهم محمول على الغالب ، وما اختاره المصنف إنما ينقدح إذا لم يحسن غير ذلك ، أما مع حفظه متوالية أو متفرقة منتظمة المعنى فلا وجه له وإن شمله إطلاقهم انتهى .

والمعتمد الأول مطلقا .

ولو عرف بعض الفاتحة فقط وعرف لبعضها الآخر بدلا أتى ببدل البعض الآخر موضعه مع رعاية الترتيب بين ما يعرفه منها والبدل حتى يقدم بدل النصف الأول على الثاني ، فإن كان وسطها أتى ببدل الأول ثم قرأ ما في الوسط ثم أتى ببدل الآخر ، ولا يكفيه أن يكرر ما يحسنه منها بقدرها إذ لا يكون الشيء الواحد أصلا وبدلا بلا ضرورة ، بخلاف ما إذا لم يقدر عليه .

لا يقال : كيف يجب ترتيب ذلك ، { وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم من لم يحسن الفاتحة بأن يقول : سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله } ، ومن جملتها الحمد لله وهو من الفاتحة ولم يأمره بتقديم قدر البسملة عليه ، على أن من له قدرة على حفظ هذه الأذكار له قدرة على حفظ البسملة بل الغالب حفظه لها ولم يأمره بها فضلا عن تقديمها .

لأنا نقول : الخبر ضعيف ، وعلى تقدير صحته [ ص: 487 ] فيحتمل أن المأمور كان عالما بالحكم على أن الحمد لله بعض آية ، فإن عرف مع الذكر آية من غيرها ولم يعرف شيئا منها أتى بها ، ثم بالذكر تقديما للجنس على غيره ، ولو عرف بعض آية لزمه أن يأتي به في تلك دون هذه كما اقتضاه كلام الروضة ، وخالف ابن الرفعة فجزم بعدم لزومه فيهما قال : لأنه لا إعجاز فيه : أي مع كونه بعض آية ، وإلا فالآية والآيتان بل والثلاث المتفرقة لا إعجاز فيها مع أنه يلزم الإتيان بها ، هذا ولكن قال الأذرعي والدميري وفيما زعمه ابن الرفعة نظر ظاهر لاقتضائه أن من أحسن معظم آية الدين أو آية كان الناس أمة واحدة أنه لا يلزمه قراءته وهو بعيد بل هو أولى من كثير من الآيات القصار ، فإن لم يعرف لما لا يحسنه منها بدلا كرره ليبلغ سبعا ، ولو قدر على قراءة الفاتحة في أثناء البدل أو قبله لم يجزه البدل وأتى بها أو بعده وقبل الركوع أجزأه ، ومثل ذلك قدرته على الذكر قبل أن تمضي وقفة بقدر الفاتحة فيلزمه الإتيان به وهذا غير خاص بالفاتحة ، بل يطرد في التكبير والتشهد ، ومراد المصنف بالمتوالية التوالي على ترتيب المصحف فيستفاد الترتيب مع التوالي جميعا بخلاف ما لو عبر بالمرتبة لم يستفد منها التوالي .

التالي السابق


حاشية الشبراملسي

( قوله : لم يلزم مالكه إعارته ) ولا إجارته انتهى سم على منهج ، وعبارته قال م ر : والصحيح أنه يلزمه التعليم بالأجرة ولا يلزمه بدونها ، بخلاف مصحف لا يلزمه إعارته ولا إجارته ، والفرق أن البدن محل التكليف ، ولم يعهد وجوب بذل مال الإنسان لغيره ولو بعوض إلا في المضطر انتهى بحروفه .

ومحل عدم وجوب الإعارة والإجارة ما لم تتوقف صحة صلاة المالك على ذلك ، وإلا وجب كأن توقفت صحة صلاة الجمعة على ذلك لكون من لم يحفظها من الأربعين ( قوله : فينتقل إلى البدل ) هذا مع قول المتن فسبع آيات لا رابطة بينهما ، ويقدر له ذلك فيقال : فينتقل إلى البدل الذي أشار إليه المصنف بقوله فسبع آيات إلخ ( قوله : عدد آياتها ) أي التي هي سبع الأولى { بسم الله الرحمن الرحيم } .

الثانية { الحمد لله رب العالمين } .

الثالثة { الرحمن الرحيم } .

الرابعة { مالك يوم الدين } .

الخامسة { إياك نعبد وإياك نستعين } .

السادسة { اهدنا الصراط المستقيم } .

السابعة { صراط الذين } إلى آخر السورة .

وينبغي للقارئ مراعاة ذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك ( قوله : أوجههما عدمه ) أي عدم اشتراطه ( قوله : ولو بالسفر لزمه ) أي وإن طال كما قدمناه في تكبيرة الإحرام ( قوله ولا يكتفي عنها بالترجمة ) أي بل لا يجوز لأن القرآن معجز والترجمة تخل بإعجازه ، وعبارة شرح الإرشاد لحج بعد قول المصنف : وترجم عاجز لا بقرآن : أي فيه فلا تجوز الترجمة عنه مطلقا لأن الإعجاز مختص بنظمه العربي دون معناه انتهى .

وعليه فلو ترجم عامدا عالما عنه بطلت صلاته لأن ما أتى به أجنبي ( قوله : فإنه تجزئه الترجمة ) أي بل تجب كما تقدم ( قوله : أم لا ) [ ص: 486 ] لكن يتجه في هذا أنه لا بد أن ينوي به القراءة لأنه حينئذ لا ينصرف للقرآن بمجرد التلفظ به انتهى حج .

وعليه فلو أطلق بطلت صلاته لأنه كلام أجنبي . [ فائدة ] لو لم يحفظ غير التعوذ هل يكرره بقدر الفاتحة وهل يطلب منه الإتيان به أولا بقصد التعوذ المطلوب أم لا ؟ فيه نظر ، والأقرب فيهما نعم ( قوله : بعيد ) معتمد ( قوله : إن المختار ما ذكره الإمام ) لم يتقدم هنا شيء عن الإمام ، لكن قوله واقتضاه إطلاق الجمهور مشعر بوجود خلاف ، فلعل الإمام من غير الجمهور فيقول بعدم إجزاء المتفرقة حيث لم تفد معنى منظوما ويحمل إطلاقهم على الغالب ، ثم رأيت شارح الروض صرح بذلك بعد قول المتن إن أفادت معنى منظوما ، ونصه بخلاف ما إذا لم تفد معنى كثم نظر كذا شرطه الإمام .

قال في المجموع وغيره : والمختار ما أطلقه الجمهور لإطلاق الأخبار انتهى ( قوله : وما اختاره المصنف ) أي من إجزاء المتفرقة وإن لم تفد معنى منظوما ( قوله إنما ينقدح ) أي يظهر ( قوله : والمعتمد الأول ) هو قوله سواء أفادت المتفرقة معنى منظوما إلخ حفظ غيرها أم لا ( قوله : وعرف لبعضها الآخر بدلا ) شامل للقراءة والذكر عند العجز عن القرآن ، ويصرح به قوله في شرح البهجة الصغير : فلو حفظ أولها فقط أخر الذكر عنه أو آخرها فقط قدم الذكر انتهى فتقييد حج البدل من كونه من القرآن لعله مجرد تصوير ، ومن ثم قال بعد : فإن لم يحسن بدلا كرر ما يحفظه منها ولم يقل فإن لم يحسن قرآنا ( قوله : فإن كان ) أي ما يعرفه ( قوله : بخلاف ما إذا لم يقدر عليه ) أي بدل البعض الآخر فإنه يكرر ما يحفظه من الفاتحة حتى يبلغ عدد حروفها ( قوله : ولا قوة إلا بالله ) زاد الشيخ عميرة : العلي العظيم ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن ، كذا ورد انتهى .

وفي حج مثل كلام الشارح ، ثم قال : أشار فيه إلى السبعة : أي الأنواع السبعة بذكر خمسة منها ، ولعله لم يذكر له الآخرين لأن الظاهر حفظه للبسملة وشيء من الدعاء انتهى [ ص: 487 ] قوله : على أن الحمد لله بعض آية ) هذا إنما يتم على القول : إن بعض الآية لا يجب قراءته وسيأتي ما فيه قريبا ( قوله ولو عرف بعض آية لزمه ) وعليه فيشكل قوله قبل على أن الحمد لله بعض آية ( قوله : في تلك ) وهي ما لو عرف بعض الفاتحة وعرف لبعضها الآخر بدلا ، وقوله دون هذه : أي قوله فإن عرف مع الذكر آية إلخ ( قوله : هذا ولكن قال الأذرعي إلخ ) هذا الاستدراك هو المعتمد كما قاله في شرحه على العباب من أنه إذا ذكر كلاما وتعقبه بما يخالفه كان الثاني هو المعتمد ( قوله : لاقتضائه أن من أحسن إلخ ) أي وحيث لم يحسن إلا ذلك قرأه ، فإن بلغ عدد حروف الفاتحة فذاك وإلا كرره بعدد حروفها ( قوله : كرره ليبلغ سبعا ) وانظر لو عرف بدل بعض ما لا يحسنه منها كأن عرف منها آيتين وقدر على ثلاث من البدل أو عكسه ، فهل الذي يكرره مما يحسنه منها أو من البدل ؟ فيه نظر ، والأقرب أن الذي يكرره من البدل أخذا من تعليله السابق بأن الشيء لا يكون أصلا وبدلا بلا ضرورة ، وهنا لا ضرورة إلى تكرير الفاتحة التي هي أصل حقيقة ، ويحتمل التخيير بينهما لأن البدل حينئذ منزل منزلة الأصل في وجوب الإتيان به عينا ( قوله : وقبل الركوع ) أي ولو قبل الركوع كما صرح في شرح الروض ( قوله : قبل أن تمضي وقفة إلخ ) بخلاف ما لو قدر عليه بعد وقفة تسعها فلا يلزمه لأن الوقوف بدل وقد تم ، لكن يرد على جعل الوقوف بدلا ما يأتي من قول الشارح لأنه واجب في نفسه فلا يسقط بسقوط غيره .



حاشية المغربي

( قوله : ولا التسبب إلى حصوله ) أي فيما إذا لم يكن حاصلا ، ويقدر نقيضه في قوله : ولا قراءتها في نحو مصحف أي : إذا كان حاصلا ، والمراد بالمصحف الذي يجب عليه التسبب في حصوله ما فيه الفاتحة فقط كما هو ظاهر ( قوله : حتى لو لم يكن إلخ ) لا موقع للتعبير بالغاية هنا ( قوله : لم يلزم مالكه إعارته ) أي : ولا إجارته كما في حواشي سم على المنهج ، وفرق بينه وبين وجوب التعليم بالأجرة الذي أفهمه ما بعده ( قوله : فينتقل إلى البدل ) لا ينسجم مع المتن بعده ، ولعل فاء فينتقل هي فاء المتن فتكتب بالأحمر فتكون الفاء المتصلة بسبع زادها النساخ ، لكن كان عليه أن يأتي قبل المتن [ ص: 486 ] بلفظ ، وهو لئلا يتغير إعرابه ، ويجوز أن يكون قد جعله جوابا لشرط محذوف ( قوله : ما ذكره الإمام ) يعني : المقابل ما اختاره في المجموع ، وهو وجوب إفادتها معنى منظوما وإن لم ي صرح به ( قوله : وما اختاره المصنف ) ينبغي أن يزيد قبله لفظ قال ( قوله : ولم يأمره بتقديم قدر البسملة ) أي بل إنما أمره بسبحان الله ، وهو أقل من البسملة [ ص: 487 ] قوله : فيحتمل أن المأمور كان عالما بالحكم ) أي : الذي هو تقديم البسملة ، لكن يشكل عليه حينئذ تقديم سبحان الله على الحمد لله ، والقرآن يجب تقديمه .

ولا يقال : سيأتي أنه بعض آية ; لأنا نقول : هذا جواب آخر ، والكلام في هذا الجواب على حدته على أن ذاك مبني على كلام ابن الرفعة الآتي ، وهو خلاف الراجح ( قوله : في تلك ) يعني : فيما إذا كان المحفوظ من الفاتحة وقوله دون هذه : يعني : فيما إذا كان المحفوظ من غيرها ; لأن هذا هو محل كلام ابن الرفعة وغيره كما يعلم بمراجعة شرح الروض ، وليس المراد ما في حاشية الشيخ كما هو ظاهر ( قوله : دون هذه ) أي وإن كان ذلك البعض معظم آية الدين أو نحوها ، وإن استبعده الأذرعي والدميري كما يأتي كما هو الظاهر من سياق [ ص: 488 ] الشارح



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث