الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

استعمال الطيب في بدنه قبيل الإحرام

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

( قوله ولب دبر الصلاة تنوي بها الحج ) أي لب عقبها ناويا بالتلبية الحج والدبر بضم الباء وسكونها آخر الشيء كذا في الصحاح ، وإنما يلبي لما صح عنه عليه السلام من تلبيته بعد الصلاة ، وفي قوله تنوي بها إشارة إلى أن ما ذكره المشايخ من أنه يقول اللهم إني أريد الحج إلى آخره ليس محصلا للنية ، ولهذا قال في فتح القدير ولم نعلم أن أحدا من الرواة لنسكه روى أنه سمعه عليه السلام يقول نويت العمرة ولا الحج ، ولهذا قال مشايخنا إن الذكر باللسان حسن ليطابق القلب وعلى قياس ما قدمناه في نية الصلاة إنما يحسن إذا لم تجتمع عزيمته وإلا فلا ، فالحاصل أن التلفظ باللسان بالنية بدعة مطلقا في جميع العبادات وفي بعض النسخ وقل اللهم إني أريد الحج فيسره لي وتقبله مني ولب ، وقوله تنوي الحج بيان للأكمل ، وإلا فيصح الحج بمطلق النية وإذا أبهم الإحرام بأن لم يعين ما أحرم به جاز وعليه التعيين قبل أن يشرع في الأفعال ، والأصل حديث { علي رضي الله عنه حين قدم من اليمن فقال أهللت بما أهل به رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجازه } فإن لم يعين ، وطاف شوطا كان للعمرة ، وكذا إذا أحصر قبل الأفعال فتحلل بدم تعين للعمرة حتى يجب عليه قضاؤها لا قضاء حجة ، وكذا إذا جامع فأفسد وجب عليه المضي في عمرة قال في الظهيرية ولم يذكر في الكتاب أن حجة الإسلام تتأدى بنية التطوع ا هـ .

والمنقول في الأصول أنها لا تتأدى بنية النفل ، وتتأدى بمطلق النية نظرا إلى أن الوقت له فيه شبهة المعيارية وشبهة الظرفية فالأول للثاني والثاني للأول .

( قوله وهي لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك ) هكذا روى أصحاب الكتب الستة تلبيته صلى الله عليه وسلم ولفظها مصدر مثنى تثنية يراد بها التكثير ، وهو ملزوم النصب والإضافة ، والناصب له من غير لفظه تقديره أجبت إجابتك إجابة بعد إجابة إلى ما لا نهاية له ، وكأنه من ألب بالمكان إذا أقام فهو مصدر محذوف الزوائد ، والقياس إلباب ومفرد لبيك لب ، واختلف في الداعي فقيل هو الله تعالى وقيل إبراهيم الخليل عليه السلام ورجحه المصنف في الكافي ، وقال إنه الأظهر وقيل رسولنا صلى الله عليه وسلم واختلف في همز إن الحمد بعد الاتفاق على جواز الكسر والفتح ، واختار في الهداية أن الأوجه الكسر على استئناف الثناء ، وتكون التلبية للذات ، وقال الكسائي الفتح أحسن على أنه تعليل للتلبية أي لبيك ; لأن الحمد ورجح الأول في فتح القدير بأن تعليق الإجابة التي لا نهاية لها بالذات أولى منه باعتبار صفة هذا ، وإن كان استئناف الثناء لا يتعين مع الكسر لجواز كونه تعليلا مستأنفا كما في قولك علم ابنك العلم إن العلم نافعه قال تعالى { وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم } وهذا مقرر في مسالك العلة من علم الأصول لكن لما جاز فيه كل منهما يحمل على الأول لأولويته ولأكثريته بخلاف الفتح ، ليس فيه سوى أنه تعليل .

( قوله وزد فيها ولا تنقص ) أي في التلبية ولا تنقص منها ، والزيادة مثل لبيك وسعديك والخير بيديك والرغباء إليك والعمل لبيك إله [ ص: 347 ] الخلق غفار الذنوب لبيك ذا النعمة والفضل الحسن لبيك عدد التراب لبيك إن العيش عيش الآخرة كما ورد ذلك عن عدة من الصحابة وصرح المصنف في الكافي بأن الزيادة حسنة كالتكرار ، وصرح الحلبي في مناسكه باستحبابها عندنا ، وأما النقص فقال المصنف إنه لا يجوز ، وقال ابن الملك في شرح المجمع إنه مكروه اتفاقا ، والظاهر أنها كراهة تنزيهية لما أن التلبية إنما هي سنة فإن الشرط إنما هو ذكر الله تعالى فارسيا كان أو عربيا هو المشهور عن أصحابنا ، وخصوص التلبية سنة فإذا تركها أصلا ارتكب كراهة تنزيهية فإذا نقص عنها فكذلك بالأولى فقول المصنف لا يجوز فيه نظر ظاهر وقول من قال إن التلبية شرط مراده ذكر يقصد به التعظيم لا خصوصها ، قيدنا بالزيادة في التلبية ; لأن الزيادة في الأذان غير مشروعة ; لأنه للإعلام ولا يحصل بغير المتعارف وفي التشهد في الصلاة إن كان الأول فليست بمشروعة كتكراره ; لأنه في وسط الصلاة فيقتصر فيه على الوارد ، وإن كان الأخير فهي مشروعة ; لأنه محل الذكر والثناء .

( قوله فإذا لبيت ناويا فقد أحرمت ) أفاد أنه لا يكون محرما إلا بهما فإذا أتى بهما فقد دخل في حرمات مخصوصة فهما عين الإحرام شرعا ، وذكر حسام الدين الشهيد أنه يصير شارعا بالنية لكن عند التلبية لا بالتلبية كما يصير شارعا في الصلاة بالنية لكن عند التكبير لا بالتكبير ولا يصير شارعا بالنية وحدها قياسا على الصلاة ، وروي عن أبي يوسف أن النية تكفي قياسا على الصوم بجامع أنهما عبادة كف عن المحظورات وقياسنا أولى ; لأنه التزام أفعال كالصلاة لا مجرد كف بل التزام الكف شرط فكان بالصلاة أشبه ، والمراد بالتلبية شرط من خصوصيات النسك سواء كان تلبية أو ذكرا يقصد به التعظيم أو سوق الهدي أو تقليد البدن كما ذكره المصنف في المستصفى ، وذكر الإسبيجابي أنه لو ساق هديا قاصدا إلى مكة صار محرما بالسوق نوى الإحرام أو لم ينو شيئا وسيأتي تفصيله إن شاء الله ` تعالى ثم إذا أحرم صلى على النبي صلى الله عليه وسلم عقب إحرامه سرا وهكذا يفعل عقب التلبية ودعا بما شاء من الأدعية وإن تبرك بالمأثور فهو حسن .

[ ص: 346 ]

التالي السابق


[ ص: 346 ] ( قوله ناويا بالتلبية الحج ) قال الرملي أشار إلى أن قوله في المتن تنوي بها ليس بإضمار قبل الذكر ; لأن قوله لب يدل على ذلك ذكره العيني ( قوله وفي بعض النسخ إلخ ) أي قبل قوله ولب ولهذا قال ولب بعد وتقبله مني . ( قوله بيان للأكمل إلخ ) قال في لباب المناسك وتعيين النسك ليس بشرط فصح مبهما وبما أحرم به الغير ، ثم قال في محل آخر ولو أحرم بما أحرم به غيره فهو مبهم فيلزمه حجة أو عمرة وقيده شارحه بما إذا لم يعلم بما أحرم به غيره . ( قوله وإلا فيصح الحج بمطلق النية ) أي وعليه التعيين قبل الشروع في الأفعال وإلا لم يصح الحج بل هو عمرة كما يعلم من لاحقه . ( قوله ولم يذكر في الكتاب إلخ ) قال في شرح اللباب ولو أحرم بالحج ولم ينو فرضا ولا تطوعا فهو فرض أي فيقع عن حجة الإسلام استحسانا بالاتفاق في ظاهر المذهب ، وقيل يقع نفلا ولو نوى الحج عن الغير أو النذر أو النفل كان عما نوى وإن لم يحج للفرض أي لحجة الإسلام كذا ذكره غير واحد وهو الصحيح المعتمد المنقول الصريح عن أبي حنيفة وأبي يوسف من أنه لا يتأدى الفرض بنية النفل في هذا الباب وروي عن أبي يوسف وهو مذهب الشافعي أنه يقع عن حجة الإسلام ، ولو نوى للمنذور والنفل معا قيل هو نفل وهو قول محمد وقيل نذر وهو قول أبي يوسف والأول أظهر وأحوط والثاني أوسع ويؤيده أنه لو نوى فرضا ونفلا فهو فرض ا هـ .

متنا وشرحا ملخصا وفي متنه أحرم بشيء ثم نسيه لزمه حج وعمرة يقدم أفعالها عليه ولا يلزمه هدي القران .

( قوله فالأول للثاني ) أي عدم تأديها بنية النفل لشبهة الظرفية كالصلاة والثاني للأول أي وتأديها بمطلق النية لشبهة المعيارية كالصوم ( قول المصنف وزد فيها ) أي زد على هذه الألفاظ ما شئت كذا في الشرح قال في النهر فالظرف بمعنى على ; لأن الزيادة إنما تكون بعد الإتيان بها لا في خلالها كما في السراج [ ص: 347 ] ( قوله فإذا نقص عنها فكذلك بالأولى ) قال في النهر فيه نظر ففي الفتح التلبية مرة شرط والزيادة سنة قال في المحيط حتى لا يلزمه الإساءة بتركها ، ثم قال إن رفع الصوت بها سنة فإن تركه كان مسيئا ا هـ .

فالنقص بالإساءة أولى ا هـ لكن في الفتح أيضا ، ويستحب في التلبية كلها رفع الصوت من غير أن يبلغ الجهد في ذلك كي لا يضعف ، وقد نقله المؤلف عن الحلبي وقد ينازع في دعوى الأولوية على أنه قد ذكر المؤلف فيما سبق أن الإساءة دون الكراهة فليتأمل .

( قوله أفاد أنه لا يكون محرما إلا بهما ) قال في النهر ثم إن هذه العبارة لا يستفاد منها إلا أنه يصير محرما عند النية والتلبية ، أما أن الإحرام بهما أو بأحدهما بشرط ذكر الآخر فلا وذكر الشهيد أنه يصير شارعا بالنية لكن عند التلبية لا بها كشروعه في الصلاة لكن عند التكبير لا به كذا في الفتح تبعا للشارح وبه اندفع ما قد يتوهم من ظاهر كلام المصنف أنه يصير شارعا بالتلبية بشرط النية مع أن المحكي عن الشهيد عكسه كما مر ، ومن ثم غير بعض المتأخرين العبارة فقال إذا نوى ملبيا فقد أحرم ; لأن الأصل في انعقاد الإحرام هو النية ، وأنت خبير بأنه إذا كان المفاد إنما هو صيرورته محرما عندهما فالعبارتان على حد سواء .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث