الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب الصلاة بعد الفجر حتى ترتفع الشمس

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 258 ] 30 - باب

الصلاة بعد الفجر حتى ترتفع الشمس

فيه حديث عن عمر ، وابن عمر ، وأبي هريرة :

فحديث عمر ، قال فيه :

557 581 - حدثنا حفص بن عمر : ثنا هشام ، عن قتادة ، عن أبي العالية ، عن ابن عباس ، قال : شهد عندي رجال مرضيون - وأرضاهم عندي عمر - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الصلاة بعد الصبح حتى تشرق الشمس ، وبعد العصر حتى تغرب .

حدثنا مسدد : ثنا يحيى ، عن شعبة ، عن قتادة : سمعت أبا العالية ، عن ابن عباس ، قال : حدثني ناس بهذا .

التالي السابق


إنما أعاده من طريق شعبة لتصريح قتادة فيه بالسماع من أبي العالية .

وقد قال شعبة : لم يسمع قتادة من أبي العالية إلا ثلاثة أشياء : هذا الحديث ، وحديث ابن عباس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( لا ينبغي لأحد أن يقول : أنا خير من يونس بن متى ) ، وحديث علي : ( القضاة ثلاثة ) .

ذكره أبو داود والترمذي في ( كتابيهما ) عن شعبة ، تعليقا .

وقد خرج في ( الصحيحين ) لقتادة عن أبي العالية ، حديث ابن عباس في ( دعاء الكرب ) ، وحديثه : في رؤية النبي - صلى الله عليه وسلم - ليلة الإسراء الأنبياء .

[ ص: 259 ] وقد روي هذا الحديث من حديث الحسن ، عن أبي العالية ، وليس بمحفوظ: ذكره العقيلي .

وقول ابن عباس : شهد عندي رجال مرضيون وأرضاهم عندي عمر ، معناه : أخبرني بذلك وحدثني به ، ولم يرد أنهم أخبروه به بلفظ الشهادة عنده .

وهذا ما استدل به من يسوي بين لفظ الإخبار والشهادة ، وقد نص عليه أحمد في الشهادة بالجنة للصحابة الذين روي أنهم في الجنة ; فإن من الناس من قال : يقال : إنهم في الجنة ، ولا نشهد ، فقال أحمد : إذا قال فقد شهد . وسوى بين القول والشهادة في ذلك .

وأما في أداء الشهادة عند الحاكم ، فاعتبر أكثر أصحابنا لفظ الشهادة ، وذكر القاضي أبو يعلى في موضع احتمالا آخر ، بأنه لا يشترط ذلك .

وكان ابن عباس يروي - أحيانا - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ما شهده وسمعه منه ، ويقول : أشهد على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما قال ذلك في روايته لخطبة العيد ، وقد سبق حديثه بهذا في ( كتاب العلم ) في ( باب : عظة الإمام النساء وتعليمهن ) .

وقوله : ( نهى عن الصلاة بعد الصبح حتى تشرق الشمس ) ، أول هذا الوقت المنهي عن الصلاة فيه إذا طلع الفجر ، وهو المراد بقوله في هذه الرواية : ( بعد الصبح ) ; فإن الصبح هو الفجر ، كما قال تعالى : والصبح إذا تنفس وقال : إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب

وفي رواية لمسلم في هذا الحديث : نهى عن الصلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس .

وهذا قول جمهور العلماء : أن أول وقت النهي عن الصلاة إذا طلع الفجر .

[ ص: 260 ] وروي معنى ذلك عن ابن عمر وابن عباس وعبد الله بن عمرو وأبي هريرة .

وقال النخعي : كانوا يكرهون ذلك .

وكرهه سعيد بن المسيب ، قال : هو خلاف السنة .

وعطاء والحسن - [قال] : وما سمعت فيه بشيء - والعلاء بن زياد وحميد بن عبد الرحمن .

وهو مذهب الثوري ومالك وأبي حنيفة وأحمد في ظاهر مذهبه .

وذكر أبو نصر بن الصباغ من الشافعية : أنه ظاهر مذهب الشافعي .

وحكى الترمذي في ( جامعه ) أن أهل العلم أجمعوا عليه ، وكرهوا أن يصلي الرجل بعد طلوع الفجر إلا ركعتي الفجر .

وخرج الإمام أحمد وأبو داود والترمذي من حديث ابن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( لا صلاة بعد الفجر إلا سجدتين ) .

وله طرق متعددة عن ابن عمر .

وخرج الطبراني والدارقطني والبزار نحوه من حديث عبد الله بن عمرو ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .

[ ص: 261 ] وخرج الطبراني نحوه من حديث ابن المسيب ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .

وله عنه طرق .

وروي عن ابن المسيب مرسلا ، وهو أصح .

ومراسيل ابن المسيب أصح المراسيل .

وفي ( صحيح مسلم ) ، عن حفصة ، قالت : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا طلع الفجر لا يصلي إلا ركعتين خفيفتين .

وخرج الإمام أحمد من حديث شهر بن حوشب ، عن عمرو بن عبسة ، قال : قلت : يا رسول الله ، أي الساعات أفضل ؟ قال : ( جوف الليل الآخر ، ثم الصلاة مكتوبة مشهودة حتى يطلع الفجر ، فإذا طلع الفجر فلا صلاة ، إلا الركعتين حتى تصلي الفجر ) .

وخرجه ابن ماجه من حديث عبد الرحمن بن البيلماني ، عن عمرو بن عبسة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بمعناه ، وقال فيه : ( فصل ما بدا لك حتى يطلع الصبح ، ثم انته حتى تطلع الشمس ) .

وخرجه النسائي ، وعنده : ( حتى تصلي الصبح ) .

فقد تعارضت الروايتان في حديث عمرو بن عبسة .

ومما يدل على أن وقت النهي يدخل بطلوع الفجر : قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( إن [ ص: 262 ] بلالا يؤذن بليل حتى يرجع قائمكم ويوقظ نائمكم ) .

وقد خرجاه في ( الصحيحين ) من حديث ابن مسعود .

فإن معنى : ( يرجع قائمكم ) أن المصلي بالليل يمسك عن الصلاة ويكف عنها .

وقد رخص طائفة من العلماء في بعض الصلوات بعد طلوع الفجر ، قبل صلاة الفجر ، كالوتر وصلاة الليل .

روي عن عمر وعائشة في صلاة الليل .

وإلى ذلك ذهب مالك في الوتر وقضاء صلاة الليل .

وروي عن عطاء .

ونص أحمد عليه في الوتر ، وحكى ابن أبي موسى مذهب أحمد جواز قضاء صلاة الليل فيه بغير خلاف حكاه في المذهب ، وحكى الخلاف في بقية ذوات الأسباب ، كتحية المسجد وغيرها .

وقال آخرون : لا يدخل وقت النهي حتى يصلي الفجر .

ورويت الرخصة في الصلاة قبل صلاة الفجر عن الحسن وطاوس .

والمشهور عند عامة أصحاب الشافعي من مذهبه : الرخصة في ذلك ، حتى يصلي الفجر .

وحكي رواية عن أحمد .

وفي ( صحيح مسلم ) عن عمرو بن عبسة ، أنه قال للنبي - صلى الله عليه وسلم - : يا رسول الله ، أخبرني عن الصلاة ؟ فقال : ( صل صلاة الصبح ، ثم أقصر عن الصلاة حتى تطلع الشمس ، حتى ترتفع ; فإنها تطلع حين تطلع بين قرني شيطان [ ص: 263 ] ، وحينئذ يسجد لها الكفار ) - وذكر الحديث .

وهذا إنما يدل بمفهومه ، وقد عارض مفهومه منطوق الروايات الأولى ، فيقدم المنطوق عليه .

وقوله : ( حتى تشرق الشمس ) هكذا الرواية : ( تشرق ) بضم التاء وكسر الراء ، من قولهم : أشرقت الشمس .

وزعم بعضهم : أن الصواب : ( تشرق ) بفتح التاء ، وضم الراء ، من قولهم : شرقت الشمس ، إذا طلعت .

قال : ومعنى أشرقت : أضاءت وصفت .

قال : والمناسب هنا ذكر طلوعها ، لا ذكر إضاءتها وصفائها .

وهذا ليس بشيء ، والصواب : ( تشرق ) ، والمعنى : حتى ترتفع الشمس ، كما بوب عليه البخاري .

والنهي يمتد إلى أن ترتفع وتضيء ويصفو لونها ، كما في حديث أبي سعيد ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( لا صلاة بعد الصبح حتى ترتفع الشمس ) . وسيأتي إن شاء الله .

مع أن كلا الحديثين قد روي فيه : ( حتى تطلع الشمس ) ، وهو من رواية بعض رواته بالمعنى الذي فهمه منه . والله أعلم .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث