الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب الضرب بالجريد والنعال

6397 6779 - حدثنا مكي بن إبراهيم ، عن الجعيد ، عن يزيد بن خصيفة ، عن السائب بن يزيد قال : كنا نؤتى بالشارب على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإمرة أبي بكر وصدرا من خلافة عمر ، فنقوم إليه بأيدينا ونعالنا وأرديتنا حتى كان آخر إمرة عمر ، فجلد أربعين ، حتى إذا عتوا وفسقوا جلد ثمانين . [ فتح: 12 \ 66 ] .

[ ص: 19 ]

التالي السابق


[ ص: 19 ] ذكر فيه حديث عقبة أيضا أنه - صلى الله عليه وسلم - أتي بنعيمان - أو بابن نعيمان - وهو سكران فشق عليه ، وأمر من في البيت أن يضربوه . قال : فضربوه بالجريد والنعال ، فكنت فيمن ضربه .

وحديث أنس السالف .

وحديث أبي هريرة قال : أتي النبي - صلى الله عليه وسلم - برجل قد شرب ، قال :" اضربوه " . وقال أبو هريرة : فمنا الضارب بيده والضارب بنعله والضارب بثوبه ، فلما انصرف قال بعض القوم : أخزاك الله . قال :" لا تقولوا هكذا ، لا تعينوا عليه الشيطان " .

وحديث ( عمير ) بن سعيد النخعي - كذا رواه أبو علي بن السكن ، وأحمد وهو الصواب ، وقاله أبو زيد : سعد بغير ياء . وهو أبو يحيى النخعي ، روى له البخاري ومسلم أيضا ، مات سنة خمس عشرة ومائة - : سمعت علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - يقول : ما كنت لأقيم حدا على أحد فيموت فأجد في نفسي ، إلا شارب الخمر ، فإنه لو مات وديته ، وذلك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يسنه

وحديث السائب بن يزيد قال : كنا نؤتى بالشارب على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإمرة أبي بكر وصدرا من خلافة عمر فنقوم إليه بأيدينا ونعالنا وأرديتنا حتى كان آخر إمرة عمر ، فجلد أربعين ، حتى إذا عتوا ( جلد ) ثمانين .

الشرح :

في مسلم من حديث أنس - رضي الله عنه - : فلما كان زمن عمر - رضي الله عنه - دنا الناس من

[ ص: 20 ] الريف والقرى ، قال : ما ترون في جلد الخمر ؟ فقال فيه عبد الرحمن بن عوف : أرى أن ( يجلد ) كأخف الحدود ، قال : فجلد عمر ثمانين .

وفي رواية : أنه - عليه السلام - كان يضرب في الخمر بالجريد والنعال أربعين ، وللبيهقي : أتي النبي - صلى الله عليه وسلم - برجل قد سكر ، فأمر عشرين رجلا فجلده كل رجل جلدتين بالنعال والجريد .

وفي رواية لأبي داود في حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - ، فقال - عليه السلام - :" بكتوه " فأقبلوا عليه يقولون له : أما اتقيت الله ، أما خشيت الله ، أما استحييت من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . وفي رواية :" ولكن قولوا اللهم اغفر له ، اللهم ارحمه " .

وفي لفظ البخاري في حديث علي أن عثمان دعا عليا فأمره أن يجلده ثمانين .

ولمسلم : لما جلد عبد الله بن جعفر الوليد بن عقبة ، وعلي يعد حتى بلغ أربعين ، فقال : أمسك ، جلد رسول الله أربعين وأبو بكر أربعين وعمر ثمانين ، وكل سنة ، وهذا أحب إلي .

[ ص: 21 ] وللبيهقي : لما أرسل خالد إلى عمر : إن الناس قد انهمكوا في الخمر ، ( وتحاقروا ) العقوبة ، فقال علي : نراه إذا سكر هذى ، وإذا هذى افترى ، وعلى المفتري ثمانون ، ( قال ) : فأمر بها عمر . قال : وكان عمر إذا أتي بالرجل الضعيف الذي كانت منه الزلة ضربه أربعين . قال : وجلده عثمان أيضا ثمانين وأربعين ، ذكره من حديث الزهري ، عن حميد بن عبد الرحمن ، عن ابن وبرة الكلبي ، وكان رسول خالد إلى عمر بهذا . وفي رواية قال علي : هو شيء ضيعناه .

وفي " سنن أبي قرة " : ذكر ابن جريج ، عن زهير ، ( عن رجل ) ، عن عمير بن سعيد ، عن علي أنه قال : من مات في حد من حدود الله فلا دية له إلا في حد الخمر ، فديته في بيت مال المسلمين .

وفي البخاري ، في الباب الذي بعد هذا من حديث عمر : فأمر به فجلد . ويأتي .

وروى الشافعي ، عن معمر ، عن الزهري ، عن عبد الرحمن بن أزهر قال : أتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بشارب ، فقال :" اضربوه " فضربوه بالأيدي والنعال وأطراف الثياب ، وحثوا عليه التراب ، وقال - عليه السلام -" بكتوه " ( فبكتوه ) ثم أرسله ، قال : فلما كان أبو بكر سأل من حضر ذلك المضروب ، فقومه أربعين ، فضرب أبو بكر في الخمر أربعين حياته ،

[ ص: 22 ] حتى تتابع الناس في الخمر ، ضرب ثمانين ،
ورواه الترمذي عن سعيد بن يحيى ، ثنا أبي ، عن محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، عن ( أزهر ) به .

وقال أنس بن عياض ، عن يزيد بن الهادي ، ( عن ) محمد عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - . وسألت محمدا عن هذا الحديث ، فقال : اختلفوا فيه ، وحديث أزهر ما أراه بمحفوظ ، وحديث أنس - رضي الله عنه - في هذا الباب حسن ، وقال أبو حاتم وأبو زرعة : لم يسمعه الزهري من ابن أزهر ، يدخل بينهما عبد الله بن عبد الرحمن بن أزهر ، ذكره ابن أبي حاتم عنهما .

وروى أحمد بن حنبل في كتاب " الأشربة " له عن محمد بن جعفر ، ثنا شعبة ، سمعت أبا إسحاق ، سمعت رجلا من أهل نجران : ( سألت ) ابن عمر - رضي الله عنهما - عن السلم في النخل وعن الزبيب والتمر فقال : أتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - برجل ( نشوان ) قد شرب زبيبا وتمرا فجلده الحد . . الحديث .

وروى النسائي من حديث ابن جريج قال : قلت لعطاء : أخبرني محمد بن علي بن ركانة ، عن عكرمة ، عن مولاه أنه - عليه السلام - لم يؤقت

[ ص: 23 ] في الخمر حدا ، قال : وقال ابن عباس : شرب رجل فسكر فلقي في فج يميل ، فانطلق به إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلما حاذوا دار ابن عباس أفلت ، فدخل على عباس [ فالتزمه ] من ورائه ، فذكروا ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فضحك ، وقال :" قد فعلها ؟" ولم يأمر فيه بشيء
.

فصل :

وروى الدارقطني من حديث يحيى بن فليح ، عن ( محمد بن يزيد ) ، عن عكرمة ، عن مولاه أن الشراب كانوا يضربون في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالأيدي والنعال والعصي حتى توفي ، فكان في خلافة أبي بكر فجلدهم أربعين ، ثم عمر كذلك إلى أن جاء رجلان من المهاجرين فاحتج بقوله ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا [ المائدة : 93 ] وأنه شهد بدرا والمشاهد .

فقال ابن عباس : إن هذه الآيات نزلت عذرا للماضين وحجة على الناس ؛ لأن الله تعالى قال إنما الخمر والميسر والأنصاب الآية [ المائدة : 90 ] ، فإن كان من الذين آمنوا فإن الله قد نهاه عن شربها ، فقال عمر : صدقت ، ماذا ترون ؟ فقال علي : إذا شرب سكر وإذا سكر هذى ، وإذا هذى افترى ، وعلى المفتري ثمانون جلدة . فأمر عمر فجلده ثمانين
. ورواه الطحاوي في " أحكامه " : عن فهد بن سليمان ، ثنا سعيد بن عفير ، ثنا محمد بن فليح ، عن ثور ، عن عكرمة .

[ ص: 24 ] فصل :

روى ابن عمر ونفر من الصحابة مرفوعا " من شرب الخمر فاجلدوه ، ثم إن شرب فاجلدوه ، ثم إن شرب فاجلدوه ، ثم إن شرب فاقتلوه " وعند أبي داود : القتل في الخامسة .

قال ابن حزم : لا يصح وإنما الصحيح في الرابعة ، وذكر الخامسة من حديث ابن عمر من حديث حميد بن يزيد ، قال ابن القطان : مجهول ، ولابن أبي حاتم من حديث ابن لهيعة ، عن أبي سليمان مولى أم سلمة ، عن أبي اليزيد البلوي : أن رجلا شرب الخمر أربع مرات ، فأمر به - عليه السلام - فضربت عنقه . رواه الترمذي في " علله " من حديث معاوية بن أبي سفيان مرفوعا " إذا شرب الخمر فاجلدوه " وقال في الرابعة :" فاقتلوه " ثم ساقه من حديث أبي هريرة قال : وحديث معاوية أشبه وأصح .

قلت : حديث أبي هريرة أخرجه ابن ماجه بإسناد جيد بلفظ : ثم قال في الرابعة :" فإن عاد فاضربوا عنقه " ، وسلف في الأشربة حديث أبي موسى - رضي الله عنه - في القتل أيضا ، وحديث معاوية أخرجه الطبراني أيضا ،

[ ص: 25 ] وأخرجه الدارمي من حديث عمرو بن الشريد ، عن أبيه مرفوعا في الخامسة " فإن عاد فاقتلوه " .

قال ابن أبي حاتم في " علله " : وسئل أبي عن حديث جرير بن عبد الله البجلي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال :" من شرب الخمر فاجلدوه " . فقال : حديث ابن طهمان أصح ؛ لأنه زاد فيه رجلا . أي : وهو محمد بن حرب ، عن خالد بن جرير ، عن جرير .

قال ابن حزم : وقد روى هذا أيضا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شرحبيل بن أوس وعبد الله بن عمرو وأبو غطيف الكندي ، وهو قولنا ولم يثبت النسخ ، وسيأتي له زيادة بعد .

فصل :

اختلف العلماء في حد الخمر كم هو ؟ فذهب مالك وأصحابه وأبو حنيفة وأصحابه والثوري والكوفيون وجمهور العلماء إلى أن حد الخمر ثمانون جلدة .

وقال الشافعي وأبو ثور وأهل الظاهر ، ونقله ابن عبد البر عن أكثر أهل الظاهر : حده أربعون . وعن أحمد روايتان كالمذهبين ، وما نقلناه عن الجمهور هو ما ذكره ابن بطال وابن التين ، وقال أبو عمر أيضا : إنه قول الجمهور من علماء السلف والخلف .

قال : وهو أحد قولي الشافعي ، وهو قول الأوزاعي وعبيد الله بن الحسن والحسن بن حي وإسحاق وأحمد ، واحتجوا بما سلف .

[ ص: 26 ] وروى مسدد ، ثنا يحيى ، ثنا سعيد بن أبي عروبة ، عن الداناج ، عن حضين بن المنذر الرقاشي أبي ساسان ، عن علي - رضي الله عنه - قال : جلد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الخمر أربعين ، وجلد أبو بكر أربعين ، وكملها عمر ثمانين ، وكل سنة .

وروي ( عن ) عبد العزيز بن المختار ، عن الداناج ، عن حضين بن المنذر قال : شهدت عثمان - رضي الله عنه - وقد أتي بالوليد بن عتبة ، وقد صلى بأهل الكوفة فشهد عليه حمران ، ورجل آخر شهد أحدهما أنه رآه يشربها ، وشهد الآخر أنه رآه يقيئها ، فقال عثمان : لم يقئها حتى شربها ، فقال عثمان لعلي : أقم عليه الحد . فأمر عبد الله بن جعفر فجلده وعلي يعد حتى بلغ أربعين ، ثم قال : أمسك ، ثم قال : إن النبي - صلى الله عليه وسلم - جلد أربعين ، ( وأبو بكر أربعين ) وعمر ثمانين وكل سنة ، وهذا أحب إلي .

واحتج عليهم أهل المقالة الأولى ، فقالوا : حديث الداناج غير صحيح ، وأنكروا أن يكون ( علي ) قال من ذلك شيئا ؛ لأنه قد روي عنه ما يخالف ذلك ويدفعه ، وبحديث البخاري في الباب ، وذلك أنه - عليه السلام - لم يسنه ، أي لم يسن فيه شيئا إنما قلناه نحن .

قال الطحاوي : فهذا علي يخبر بأنه - عليه السلام - لم يكن سن في شرب الخمر حدا ، ( ثم الرواية عن علي في حد الخمر على خلاف ) حديث الداناج من اختيار الأربعين على الثمانين .

[ ص: 27 ] روى سفيان عن عطاء بن أبي رباح ، عن أبيه قال : أتي علي بالنجاشي قد شرب خمرا في رمضان فضربه ثمانين ، ثم أمر به إلى السجن ، ثم أخرجه من الغد فضربه عشرين ، وقال : هذه لانتهاك حرمة رمضان وجرأتك على الله .

وروي عن ابن شهاب ، عن حميد بن عبد الرحمن أن رجلا من كلب يقال له ابن وبرة بعثه خالد بن الوليد إلى عمر بن الخطاب ، فوجد عنده عليا وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف ، فقال له : إن الناس قد انهمكوا في الخمر ، فقال عمر لمن حوله : ما ترون ؟ قال علي : يا أمير المؤمنين ، ( إنه ) إذا سكر هذى ، وإذا هذى افترى ، وعلى المفتري ثمانون ، وتابعه أصحابه .

أفلا ترى عليا لما سئل عن ذلك ضرب أمثال الحدود كيف هي ؟ ثم استخرج منها حدا برأيه فجعله كحد المفتري ، ولو كان عنده في ذلك شيء مؤقت عن رسول الله لأغناه عن ذلك ، ولو كان عند أصحابه في ذلك أيضا عن رسول الله شيء ، لأنكروا عليه أخذ ذلك من جهة الاستنباط وضرب الأمثال ، فكيف يجوز أن ينقل عن علي ما يخالف هذا ، وقد قال : إنه - عليه السلام - لم يسن في الخمر شيئا . ودل حديث عقبة بن الحارث ، وحديث أنس ، وحديث أبي هريرة أنه عليه السلام - لم يقصد في حد الخمر إلى عدد من الضرب يكون حدا ، وإنما أمر - عليه السلام - أصحابه أن يضربوه بما ذكروا ، وإنما ضرب الصديق بعده أربعين بعد التحري منه

[ ص: 28 ] لضربه - عليه السلام - إذ لم يوقفهم على حد ( في ذلك ) ، فثبت بهذا كله أن التوقيف في حد الخمر على ثمانين إنما كان في زمن عمر ، وانعقد إجماع الصحابة على ذلك منهم عثمان ، وابن مسعود ، وأبو موسى ، وابن عباس ، وكان ذلك بمحضر من طلحة ، والزبير ، وابن عوف فلا يجوز مخالفتهم لعصمتهم من الخطأ ، كما أجمعوا على مصحف عثمان ومنعوا بما عداه ، فانعقد الإجماع بذلك ولزمت الحجة به ، وقد قال تعالى ويتبع غير سبيل المؤمنين الآية [ النساء : 115 ] .

وقال ابن مسعود : ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن ؛ لأن إجماعهم معصوم .

وكذا قال ابن عبد البر : ( اتفق ) إجماع الصحابة في زمن عمر على الثمانين في حد الخمر ، ولا مخالف لهم منهم ، وعلى ذلك جماعة التابعين وجمهور فقهاء المسلمين ، قال : والخلاف في ذلك كالشذوذ المحجوج بالجمهور وبنحوه ذكره الطحاوي فمن بعده .

فصل :

وفيه حجة لمالك ومن وافقه في جواز أخذ الحدود قياسا ، خلافا لأهل العراق وبعض الشافعية في منعهم ذلك ، واستدلوا بأن الحدود والكفارات وضعت على حسب المصالح ، وقد تشترك أشياء مختلفة في الحدود والكفارات ، وتختلف أشياء متقاربة ، ولا سبيل إلى علم

[ ص: 29 ] ذلك إلا بالنص .

فيقال لهم : أجمع الصحابة على حد شارب الخمر ، ثم نصوا على المعنى الذي من أجله أجمعوا ، وهو قول علي وعبد الرحمن إذا شرب سكر . إلى آخره ، ففيه دليل على أخذ الحدود قياسا ، وعلى أصل للقياس انعقد الإجماع عليه ، وفي قياسهم حد الخمر على حد الفرية حجة لمالك في قطع الذرائع ، ومن قال بقوله وجعلها أصلا وتحصينا لحدود الله أن تنتهك ؛ لأن عليا لما قال لعمر : إذا شرب سكر . إلى آخره . وتابعه الصحابة على ذلك ولم يخالف فيه ، فكان ذلك حجة واضحة لذلك ؛ لا أنه قد يجوز أن يشربها من لا يبلغ بها إلى الهذي والفرية ، ولما كان ذلك غير معلوم لاختلاف الناس في التقليل من شربها والتكثير ، وفي غلبة سورتها لبعضهم وتقصيرها عن بعض ، وكان الحد لازما لكل شارب ، اتضح القول لذلك فيما يخاف الإقدام فيه على المحرمات ، وهو أصل من أصول الدين بما أجمع عليه الصحابة .

فصل :

وفي قوله : ( ما كنت لأقيم الحد على أحد فيموت فأجد منه في نفسي ) . حجة لابن الماجشون ومن وافقه أن الحاكم لا قود عليه إذا أخطأ في اجتهاده ، ويؤيد هذا أن أسامة قتل رجلا قال : لا إله إلا الله ، ثم أتى الشارع فأخبره بذلك ، فلم يزد على أن وبخه ولم يأمره بالدية ، ولم يأخذها منه لاجتهاده وتأويله في قتله ، وسيأتي اختلاف العلماء في المسألة في كتاب : الأحكام في باب : إذا قضى القاضي بجور خالف فيه أهل العلم فهو مردود .

[ ص: 30 ] فصل :

في حديث النعمان حجة على أن الحد يقام في حال السكر ، ولا يؤخر للصحو ؛ لأنه - عليه السلام - أمر من في البيت أن يضربوه ولم يؤخره إلى أن يصحو ، وجمهور العلماء على خلاف هذا يؤخر إلى الصحو ، وهو قول مالك والشافعي والثوري والكوفيين قالوا : لأن الحد إنما وضعه الله للتنكيل وليألم المحدود ويرتدع ، والسكران لا يعقل ذلك ، فغير جائز أن يقام على من لا يحس به ولا يعقل .

فصل :

النعيمان تصغير نعمان بن عمرو بن رفاعة بن الحارث بن سواد بن مالك بن غنم ( بن مالك ) بن النجار ، شهد العقبة مع السبعين وبدرا وأحدا والخندق وسائر المشاهد ، وأتي به في شرب الخمر إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجلده ، ثم أتي به فجلده ، ثم أتي به فجلده أربعا أو خمسا ، فقال رجل : اللهم العنه ما أكثر ما يشرب وأكثر ما يجلد ، فقال - عليه السلام -" لا تلعنه ؛ فإنه يحب الله ورسوله " .

وفي لفظ :" لا تقولوا للنعيمان إلا خيرا ؛ فإنه يحب الله ورسوله " وكان صاحب مزاح .

[ ص: 31 ] قال ابن الكلبي : كان - عليه السلام - إذا نظر إلى نعيمان لا يتماسك نفسه أن يضحك ، واشترى نعيمان يوما بعيرا فنحره ولم يعط ثمنه ، فجاء صاحبه ليشكوه إلى رسول الله ، فقال - عليه السلام - :" اذهبوا بنا نطلبه " فوجده ، فقال - عليه السلام - :" هذا نعيمان " لصاحب البعير ، فقال نعيمان : لا جرم ، لا يغرم البعير غيرك ، ( فغرمه - عليه السلام - عنه ، مات في خلافة معاوية ) وليس له عقب ، قاله محمد بن عمر .

فصل :

قوله : ( إذا عتوا وفسقوا جلدوا ثمانين ) ، يريد كثر شربهم الخمر كما سلف عن رواية مسلم .

فصل :

لما ذكر البيهقي حديث حضين بن المنذر ، عن علي في جلد الوليد قال : قال الترمذي ، عن البخاري إنه حديث حسن .

وقال ابن عبد البر : هو أثبت شيء في هذا الباب .

قال البيهقي : وهو حديث صحيح مخرج في مسانيد أهل الحديث ، ومخرجات أكثرهم في السنن ، والذي يدعي تشويه الأخبار على مذهبه لم يمكنه صرف هذا الحديث إلى ما وقته صاحبه ، فأنكر الحديث أصلا ، واستدل على فساده بما جرى من الصحابة ، وأن عليا قال :

[ ص: 32 ] إن مات شارب الخمر وديناه ؛ لأنه شيء صنعناه .

وفي رواية : أنه - عليه السلام - لم يسن فيها شيئا ، وبأن عمر وعليا جلدا ثمانين ، وأنهم أجمعوا على الثمانين ، فصار الحد مؤقتا بها في الخمر ، وقيل : ذلك لم يكن مؤقتا وهذا الذي ذكر من إنكار الحديث وفساده غير مقبول منه ، فصحة الحديث إنما تعرف بفقه رجاله ومعرفتهم بما يوجب قبول خبرهم ، وقد عرفهم حفاظ الحديث وقبلوا حديثهم ، كيف وقد ثبت عن عثمان وعلي في هذه القصة من وجه لا أشك في صحته جلد أربعين ، ولئن كانت العمل بالثمانين حدا معلوما بتوقيت الصحابة في أيام عمر ، فلم يصر الأربعون حدا معلوما بتوقيت الصحابة في أيام أبي بكر ، وتحريمهم في ذلك أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفعل أصحابه بين يديه ، بل هذا أولى أن يكون حدا مؤقتا بتوقيتهم ، فلم يعدل عنه أبو بكر حياته .

وقد روينا عن عمر - رضي الله عنه - أنه بعد توقيتهم كان إذا أتي بالضعيف ضربه أربعين ، وجلد عثمان ثمانين ، وجلد أربعين ، وكل هذا يدل على أن الحد المؤقت في الخمر أربعون ، وأنهم لم يوقتوه بالثمانين حدا ، وأن الزيادة التي زادوها إنما هي على وجه التعزير ، وقد أشار علي إلى علة التعزير فيما أشار به إلى عمر .

قلت : وقول ابن القصار أن قوله سنة محمول على الرفع يبعده ذلك ، وإنما المراد هنا ما سنه عمر - رضي الله عنه - .

وفي قول علي فيمن مات في حد الخمر : وديناه ، دليل بين على أنهم لم يجتمعوا على الثمانين حدا ، إذ لو كانوا وقتوه بها لم تجب

[ ص: 33 ] فيمن مات منه دية ، وإنما أرادوا - والله أعلم - عندنا إذا مات في الأربعين الزائدة .

وقوله : ( إنه لم يسنه ) ، يعني : لم يسن فوق الأربعين أو لم يسن ضربه بالسياط ، وقد سنه بالجريد والنعال وأطراف الثياب ، ونحن هكذا نقول ، لا نخالف منه شيئا - بتوفيق الله - والذي يحتج به في إبطال حديث حضين لا نقول به ، ولا يرى فيمن مات دية ، وهذا دأبه فيما لا يقول به من الأحاديث الصحيحة يجتهد بإبطاله بحديث آخر ، فإذا نظرنا في ذلك الحديث الآخر وجدناه لا يقول به أيضا ، فكيف يحتج به في إبطال غيره ؟ فإن قال : روي عن علي أنه جلد الوليد بسوط له طرفان أربعين ، فيكون ذلك ثمانين ، قلنا : هذه الرواية منقطعة ؛ لأن راويها علي عن جعفر بن محمد ، عن أبيه ، وقد روينا في الحديث الثابت أنه أمر به فجلد أربعين جلدة ، وهذا أشبه أن لا يخالفه أن يكون جلده بكل طرف عشرين ، فيكون الجميع أربعين ، وهذا هو المراد فيما روى شعبة عن قتادة ، عن أنس - رضي الله عنه - أنه - عليه السلام - أتي برجل شرب الخمر فجلده بجريدتين نحو الأربعين ، أي صار العدد أربعين ، وذلك بين في رواية همام عن قتادة ، ولا خلاف بينه وبين ما أشار به عبد الرحمن بن عوف على ( علي ) ، ولو كان المراد بالأول ثمانين لم يكن بينهما مخالفة ، وكذلك علي لما جلد الوليد بهذا السوط إن كان ثابتا أربعين ، فقد قال في الحديث الثابت : جلد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -

[ ص: 34 ] أربعين ، وجلد أبو بكر أربعين ، وجلد عمر ثمانين وكل سنة . وقال في رواية عبد العزيز : وهذا أحب إلي . فلولا أنه اقتصر على الأربعين لما قال : وهذا أحب إلي .

فصل :

روى ابن أبي شيبة من حديث يزيد بن هارون ، ثنا المسعودي عن زيد العمي ، عن أبي بصرة ، عن أبي سعيد الخدري أنه - عليه السلام - ضرب في الخمر بنعلين أربعين ، فجعل عمر مكان كل نعل سوطا ، وفيه ترشيح لرواية محمد بن علي ، عن أبيه .

وروى وكيع عن مسعر ، عن زيد العمي ، عن أبي الصديق الناجي ، عن أبي سعيد ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ضرب في الخمر أربعين ، قال أبو عمر : الحديث لأبي الصديق ومسعر أحفظ عندهم وأثبت من المسعودي ، وزيد العمي ليس بالقوي .

وأما الترمذي فقال : حديث أبي سعيد حديث حسن صحيح .

والعمل على حديث أنس عند أهل العلم من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - أن حد السكران ثمانون .

قلت : وقد قال علي - رضي الله عنه - فيما رواه الحارث عنه - : في قليل الخمر وكثيرها ثمانون ، وفي لفظ : حد النبيذ ثمانون . وعن ابن عباس

[ ص: 35 ] والحسن : في السكر من النبيذ ثمانون ، وكذلك قاله شقيق الضبي ، وعند الدارقطني : جلد عثمان الحدين جميعا ، ثم أثبت معاوية الجلد ثمانين .

فصل :

ينعطف على قتل الشارب في الرابعة أو الخامسة ، ذكر الحازمي في " ناسخه " من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - في قتله في الرابعة قال : فحدثت به ابن المنكدر فقال : قد ترك ذلك ، أتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بابن النعيمان فجلده ثلاثا ، ثم أتي به الرابعة فجلده ، ولم يزد .

قلت : وقول الصحابي ما أكثر ما يؤتى به يقتضي العدد ، وأخرج النسائي من حديث زياد البكالي ، عن ابن إسحاق ، عن محمد بن المنكدر ، عن جابر ، وذكر حديث في الرابعة " فاضربوا عنقه " فضرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - النعيمان أربع مرات ، فرأى المسلمون أن الحد قد وقع ، وأن القتل قد ارتفع .

ثم ساق الحازمي من حديث الشافعي : أن ابن عيينة ، عن ابن شهاب ، عن قبيصة بن ذؤيب يرفعه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال :" إن شرب فاجلدوه " وفي الرابعة :" فإن شرب فاقتلوه " قال : فأتي برجل فجلده ، تم أتي به في الثانية فجلده ، ثم أتي به في الرابعة فجلده ووضع القتل ، وكانت رخصة ، ثم قال الزهري لمنصور بن المعتمر : ويحول

[ ص: 36 ] كونا وافدي أهل العراق بهذا الحديث . قال الشافعي : والقتل منسوخ بهذا الحديث وغيره ، وهذا ما لا اختلاف فيه عند أحد من أهل العلم علمته .

وقال الطحاوي : ثبت بهذا أن القتل منسوخ ، وقال الخطابي : قد يرد الأمر بالوعيد ولا يراد به وقوع الفعل ، وإنما يقصد به الردع والتحذير ، كقوله - عليه السلام -" من قتل عبده قتلناه ، ومن جدع عبده جدعناه " وهو لو قتل عبده أو جدعه لم يقتل به ، ولم يجدع بالاتفاق .

قلت : حكى ابن المنذر أن النخعي قال : يقتل السيد بعبده ، واختلف واختلف على سفيان في ذلك ، قال الخطابي : وقد يحتمل أن يكون القتل في الخامسة واجبا ، ثم نسخ بحصول الإجماع من الآية أنه لا يقتل .

قال الترمذي في آخر " جامعه " : وجميع ما في هذا الكتاب معمول به ، وقد أخذه بعض أهل العلم ما خلا حديثين ، حديث ابن عباس : أنه - عليه السلام - جمع بين الظهر والعصر بالمدينة ، وحديث :" إذا شرب الخمر فاجلدوه ، فإن عاد في الرابعة فاقتلوه " وإنما كان هذا في أول الأمر ثم نسخ ، كذا روى ابن إسحاق عن ابن المنكدر ، عن جابر قال : والعمل على هذا عند ( عامة ) أهل العلم لا نعلم بينهم اختلافا في ذلك في

[ ص: 37 ] القديم والحديث ، ومما يقوي هذا حديث :" لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث " . الحديث .

وقال ابن المنذر : أزيل القتل في الرابعة عنه بخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبإجماع عوام أهل العلم ( من أهل الحجاز والعراق والشام وكل من يحفظ عنه من أهل العلم ) ، إلا شاذا من الناس لا يعد خلافا .

قلت : حكي عن بعض التابعين ، وفي " المحلى " : أن عبد الله بن عمرو بن العاص قال : ائتوني برجل أقيم عليه الحد في الخمر ، فإن لم أقتله فأنا كذاب .

فصل :

أجمعوا على أن ما سلف من كون الحد ثمانين أو أربعين هو في الحر ، والعبد على نصفه ، وقال ابن عبد البر عن أبي ثور وداود وأكثر أهل الظاهر : أربعون على الحر والعبد ، قال : وقال الشافعي : أربعون على الحر وعلى العبد نصفها .

فصل :

اختلف إذا مات من ضربه على أقوال : لا ضمان على الإمام والحق قتله ، قاله مالك وأحمد . وعن الشافعي : لا ضمان قطعا وإن كان ضربه بالسوط ضمن ، وفي صفة ما يضمن وجهان ، أحدهما : جميع الدية . والثاني : لا يضمن الإمام إلا ما زاد على ألم النعال .

[ ص: 38 ] وعنه أيضا : إن ضرب بالنعال وأطراف الثياب ضربا يحيط العلم أنه لا يبلغ أربعين أو يبلغها ولا يتجاوزها ، فمات فالحق قتله ، فإن كان كذلك فلا عقل ولا قود ولا كفارة على الإمام ، وإن ضربه أربعين سوطا فمات فديته على عاقلة الإمام دون بيت المال .

فصل :

لو أقر بشرب الخمر ولم يوجد منه ريح ، فقال أبو حنيفة : لا يحد . وقال الباقون : يحد ، فإن وجد منه ريح ولم يقر فلا حد خلافا لمالك .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث