الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب كراهية الشفاعة في الحد ، إذا رفع إلى السلطان

6406 [ ص: 57 ] 12 - باب: كراهية الشفاعة في الحد ، إذا رفع إلى السلطان

6788 - حدثنا سعيد بن سليمان ، حدثنا الليث ، عن ابن شهاب ، عن عروة عن عائشة - رضي الله عنها - ، أن قريشا أهمتهم المرأة المخزومية التي سرقت فقالوا : من يكلم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومن يجترئ عليه إلا أسامة حب رسول الله - صلى الله عليه وسلم ؟ . فكلم رسول الله - صلى الله عليه وسلم ؟ فقال :" أتشفع في حد من حدود الله ؟!" . ثم قام فخطب قال :" يا أيها الناس إنما ضل من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق الشريف تركوه ، وإذا سرق الضعيف فيهم أقاموا عليه الحد ، وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها " . [ انظر : 2648 - مسلم : 1688 - فتح 12 \ 87 ] .

التالي السابق


ذكر فيه حديث عائشة - رضي الله عنها - في قصة المخزومية التي سرقت المذكور قبل ، وقد ذهب جماعة من العلماء إلى أن الحد إذا بلغ الإمام أنه يجب عليه إقامته ؛ لأنه قد تعلق بذلك حق الله تعالى ، فلا تجوز الشفاعة فيه ؛ لإنكاره ذلك على أسامة ، وذلك من أبلغ النهي ، ثم قام - عليه السلام - خطيبا فحذر أمته من الشفاعة في الحدود إذا بلغت إلى الإمام ، فإن قلت فقد قال مالك وأبو يوسف والشافعي : إن القذف إذا بلغ إلى الإمام يجوز للمقذوف العفو عنه إذا أراد سترا . قيل له : إن هذه شبهة يجوز بها درأ الحد ؛ لأنه إن ذهب الإمام إلى حد القاذف حتى يأتي بالبينة على صدق ما قال فيسقط الحد عنه ، وربما وجب على المقذوف ، بفوت السنة في ذلك ، وقد قال مالك في القطع في " المدونة " : يجوز وإن بلغ الإمام وإن لم يرد سترا ، وقال مرة أيضا : إنه لا يجوز عفوه إذا بلغ الإمام .

[ ص: 58 ] وهو قول أبي حنيفة والثوري والأوزاعي : وهو أشبه بظاهر الحديث ، وأجاز أكثر أهل العلم الشفاعة في الحدود قبل وصولها إلى ( الإمام ) ، روي ذلك عن الزبير بن العوام ، وابن عباس ، وعمار ، ومن التابعين سعيد بن جبير والزهري ، وهو قول الأوزاعي ، قالوا : وليس على الإمام التجسس على ما لم يبلغه ، وكره ذلك طائفة فقال ابن عمر - رضي الله عنهما - : من حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد ضاد الله في حكمه .

وفرق مالك بين من لم يعرف منه أذى للناس ، فقال : لا بأس أن يشفع له ما لم يبلغ الإمام ، وأما من عرف بشر وفساد في الأرض فلا أحب أن يشفع له أحد ، ولكن يترك حتى يقام عليه الحد .

والذي في " المدونة " : أن هذا في التعزير والنكال إذا كان من أهل المروءة والعفاف ، وإذا طلبوه تجافى السلطان عن عقوبته ، وإن كان عرف بالبطش والأذى ضربه النكال بخلاف الحدود .

قال الشيخ أبو إسحاق : إذا كان ذلك في حق من حقوق الله ، وأما حقوق الآدميين فلا تسقط إلا برضا صاحبها ، ولكن في " المدونة " : وقد تكون منه الزلة وهو معروف بالصلاح والفضل ، وأن الإمام ينظر فإن كان شيخا فاحشا أدبه قدر ما يؤدب مثله في فعله ، وإن كان خفيفا فيتجافى السلطان عن الزلة التي تكون من ذوي المروءات . وهذا رد على الشيخ أبي إسحاق .

[ ص: 59 ] قال ابن المنذر : واحتج من رأى الشفاعة مباحة قبل الوصول بحديث الباب ؛ لأنه - عليه السلام - إنما أنكر شفاعة أسامة في حد قد وصل إليه وعلمه .

فصل :

وفي هذا الحديث بيان رواية معمر ، عن الزهري أن امرأة مخزومية كانت تستعير المتاع وتجحده ، فأمر - عليه السلام - بقطع يدها ، وقد تعلق به قوم فقالوا : من استعار ما يجب القطع فيه ، فجحده فعليه القطع ، هذا قول أحمد وإسحاق .

قال أحمد : ولا أعلم شيئا ( يخالفه ) .

وخالفهم المدنيون والكوفيون والشافعي وجمهور العلماء فقالوا : لا قطع عليه ، حجتهم رواية الكتاب التي سرقت ، فدل أنها لم تقطع على العارية ، يوضحه قوله - عليه السلام -" لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها " .

فوضح بذلك لو لم يذكر الليث في رواية البخاري أنها سرقت .

قال ابن المنذر : وقد يجوز أن تستعير المتاع وتجحده ، ثم سرقت فوجب القطع للسرقة .

وقد تابع الليث على روايته يونس بن يزيد ، وأيوب بن موسى ، عن الزهري كرواية الليث عند الشيخين .

[ ص: 60 ] وفي رواية أيوب أيضا ، عند النسائي : أتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بسارق فقطعه ، فقالوا : ما كنا نرى أن يبلغ به هذا فقال :" لو كانت فاطمة لقطعت يدها " . وإذا اختلفت الآثار وجب الرجوع إلى النظر ، ووجب رد ما اختلف فيه إلى كتاب الله ، وإنما أوجب الله القطع على السارق لا على المستعير ، وروى النسائي : فأمر بلالا فأخذ بيدها فقطعها فكانت تستعير متاعا على ألسنة جاراتها وتجحده ، وفي لفظ :" لتتب هذه المرأة إلى الله وإلى رسوله ، وترد ما تأخذ على القوم " .

وفي رواية : استعارت على ألسنة أناس يعرفون وهي لا تعرف حليا فباعته وأخذت ثمنه ، وفي " المصنف " : عن ابن نمير ، ثنا ابن إسحاق ، عن محمد بن طلحة بن ركانة ، عن أمه عائشة بنت مسعود بن الأسود [ عن أبيها ] قال : لما سرقت المرأة القرشية تلك القطيفة من بيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أعظمنا ذلك ، فجئنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نكلمه فقلنا : نحن نفديها بأربعين أوقية ، قال :" تطهر خير لها " فلما سمعنا قوله أتينا أسامة فقلنا : كلم لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم . . الحديث .

وفي النسائي من حديث أبي الزبير ، عن جابر أن امرأة سرقت فقالوا : من يكلم فيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا أسامة .

[ ص: 61 ] ورواه كذلك من طرق عن الزهري ، عن عروة عنها .

وروى أبو قرة في " سننه " من حديث سفيان ، عن أبي إسحاق ، عن عبد الله بن مغفل أنه - عليه السلام - أتي بامرأة سرقت حليا فقطعها . ورواه أبو الشيخ في كتاب " القطع والسرقة " من حديث الزهري ، عن عروة ، عنها أنه - عليه السلام - أتي بسارق أو سارقة فأمر بها فقطعت وقال :" لو كانت فاطمة لأقمت عليها الحد " ومن حديث أبي هاشم ، عن زاذان ، عن عائشة أنه - عليه السلام - قطع امرأة سرقت ، فقال الحديث .

ومما يزيد ذلك وضوحا قوله لأسامة :" أتشفع في حد من حدود الله ؟" وليس في الكتاب والسنة حد من حدود الله فيمن استعار وجحد .

فصل :

هذه المرأة هي فاطمة بنت أبي الأسد - أو أبي الأسود - ابن أخي عبد الله بن عبد الأسد زوج أم سلمة .

رويناه عن أبي زكريا يحيى بن عبد الرحيم ، عن عبد الغني بن سعيد الحافظ ، ثم ساقه بإسناده إلى شقيق ، قال : سرقت فاطمة بنت أبي الأسد بنت أخي أبي سلمة زوج أم سلمة ، فأشفقت قريش أن يقطعها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فكلموا أسامة . . الحديث .

وفي كتاب " المثالب " عن ( الهيثم ) بن عدي : هي أم عمرو بنت سفيان بن عبد الأسد وأمها ابنة عبد العزى بن أبي قيس بن عبد ود بن نصر من بني عامر بن لؤي بن غالب ، خرجت تحت الليل فوقعت

[ ص: 62 ] بركب بجانب المدينة فأصابت عيبة لبعضهم فأخذت ، فأتي بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعاذت تحوي أم سلمة ، فأمر بها فقطعت يدها عند أم سلمة ، فلما قطعت خرجت ويدها تقطر دما ، حتى دخلت على امرأة أسيد بن حضير فرحمتها وصنعت لها طعاما ، فجاء أسيد فقال لامرأته قبل أن يدخل : يا فلانة هل علمت ما أصاب أم عمرو بنت سفيان ، فقالت : ها هي ذه عندي ، فرجع أدراجه فأخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال :" رحمتها رحمها الله " فلما رجعت إلى أبيها سفيان ، فقال : اذهبوا بها إلى حويطب بن عبد العزى أخوالها فإنها أشبهتهم ، فقال خنيس بن يعلى بن أمية حليف بني نوفل :

يا رب بنت لابن سلمى جعدة سراقة لحقائب الركبان     باتت تحوس عيابهم بأكفها
حتى أقرت غير ذات بنان     وكان سفيان أبوها ينا
دي على طعام ابن جدعان



قال أمية :

له داع بمكة مشمعل     وآخر فوق دارته ينادي



قال ( الكلبي ) : المشمعل : هو سفيان بن عبد الأسد . وروى أبو موسى المديني في " الصحابة " من حديث عمار ، عن شقيق قال : سمعت فاطمة بنت أبي الأسود بنت أخي أبي سلمة أنها قالت : سرقت امرأة من قريش فأراد أن يقطعها ، فكلموا أسامة أن يكلم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقال الحديث .

قال أبو موسى : وكان الأول يعني ما ذكرناه من عند عبد الغني أصح ؛ لأن أبا بكر بن ثابت ذكره أيضا كذلك .

[ ص: 63 ] قلت : ويجوز أن تكون في الثانية عبرت عن نفسها ولم تفصح ، ومثله ما نقله أبو سعيد الخدري لما روى حديث الرقية وهو الراقي ، قال فيه : فقال رجل : أنا أرقي . وسماها أبو عمر فاطمة بنت الأسود بن عبد الأسد . وقال ابن قتيبة في " معارفه " : هي أول امرأة قطعت يدها في السرقة ، وسمى أباها سفيان بن عبد الأسد .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث