الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب ما جاء في المتأولين

6540 6939 - حدثنا موسى بن إسماعيل ، حدثنا أبو عوانة ، عن حصين ، عن فلان قال : تنازع أبو عبد الرحمن وحبان بن عطية ، فقال أبو عبد الرحمن لحبان : لقد علمت الذي جرأ صاحبك على الدماء - يعني : عليا - قال : ما هو لا أبا لك ؟ قال شيء سمعته يقوله . قال : ما هو ؟ قال : بعثني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والزبير وأبا مرثد - وكلنا فارس - قال :" انطلقوا حتى تأتوا روضة حاج - قال أبو سلمة : هكذا قال أبو عوانة : حاج - فإن فيها امرأة معها صحيفة من حاطب بن أبي بلتعة إلى المشركين ، فأتوني بها " . فانطلقنا على أفراسنا حتى أدركناها حيث قال لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تسير على بعير لها ، وكان كتب إلى أهل مكة بمسير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إليهم ، فقلنا : أين الكتاب الذي معك ؟ قالت : ما معي كتاب . فأنخنا بها بعيرها ، فابتغينا في رحلها فما وجدنا شيئا ، فقال صاحبي : ما نرى معها كتابا . قال : فقلت : لقد علمنا ما كذب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم حلف علي : والذي يحلف به لتخرجن الكتاب أو لأجردنك . فأهوت إلى حجزتها - وهي محتجزة بكساء - فأخرجت الصحيفة ، فأتوا بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقال عمر : يا رسول الله ، قد خان الله ورسوله والمؤمنين ، دعني فأضرب عنقه . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :" يا حاطب ما حملك على ما صنعت ؟" . قال : يا رسول الله ما لي أن لا أكون مؤمنا بالله ورسوله ، ولكني أردت أن يكون لي عند القوم يد يدفع بها عن أهلي ومالي ، وليس من أصحابك أحد إلا له هنالك من قومه من يدفع الله به عن أهله وماله . قال :" صدق ، لا تقولوا له إلا خيرا " . قال فعاد عمر فقال : يا رسول الله ، قد خان الله ورسوله والمؤمنين ، دعني فلأضرب عنقه . قال :" أوليس من أهل بدر ؟ وما يدريك لعل الله اطلع عليهم فقال : اعملوا ما

[ ص: 582 ] شئتم فقد أوجبت لكم الجنة " . فاغرورقت عيناه فقال : الله ورسوله أعلم .
[ انظر : 3007 - مسلم : 2494 - فتح 12 304 ] .

التالي السابق


وقال الليث : حدثني يونس ، عن ابن شهاب ، أخبرني عروة بن الزبير ، أن المسور بن مخرمة وعبد الرحمن بن عبد القاري أخبراه ، أنهما سمعا عمر - رضي الله عنه - يقول : سمعت هشام بن حكيم يقرأ سورة الفرقان في حياة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الحديث بطوله أسنده في فضائل القرآن ، فقال : ثنا سعيد بن عفير ، ثنا الليث ، فذكره ، وأخرجه في الإشخاص مختصرا من حديث مالك عن ابن شهاب ، به .

ومعنى ( لببته ) يراد به : جررته ، يقال : لببت الرجل ولببته : إذا جعلت في عنقه ثوبا أو غيره وجررته ، وأخذت بلبب فلان : إذا جمعت عليه ثوبه الذي هو لابسه وقبضت عليه نحره ، وفي آخر الحديث :" إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرءوا ما تيسر منه " .

ثم ساق حديث علقمة ، عن عبد الله - رضي الله عنه - : لما نزلت هذه الآية : ولم يلبسوا إيمانهم بظلم [ الأنعام : 82 ] .

إلى آخره ، سلف قريبا ، وفي التفسير أيضا ، وشيخ البخاري فيه - في أحد طرقيه - يحيى بن موسى وهو أبو زكريا يحيى بن موسى بن عبد ربه بن سالم الحداني البلخي الكوفي ، يقال له : يحيى بن موسى خت ، وقيل : خت لقب موسى السختياني ، مات سنة أربعين ، وقيل : سنة ست وأربعين ومائتين ، وهو من أفراد البخاري .

[ ص: 583 ] وحديث عتبان بن مالك ، وسلف في الصلاة .

وحديث حصين عن فلان قال : تنازع أبو عبد الرحمن وحبان بن عطية - أي : بكسر الحاء المهملة ثم باء موحدة - ثم ساق حديث روضة خاخ أو حاج السالف في المغازي ، وفيه : فاغرورقت عيناه . أي : غرقتا بالدموع ، وهو افعوعلت من الغرق .

وقوله : ( عن فلان ) قال الجياني : هو سعد بن عبيدة السلمي ، وهو ختن أبي عبد الرحمن السلمي ، يكنى أبا حمزة ، كذا سمي بغير موضع من البخاري من حديث علي ، ولا خلاف بين العلماء أن كل متأول معذور بتأويله غير مأثوم ( فيه ) إذا كان تأويله ذلك سائغا في لسان العرب ، أو كان له وجه في العلم ، ألا ترى أنه - عليه السلام - لم يعنف عمر في تلبيبه لهشام وعذره في ذلك ؛ لصحة مراد عمر واجتهاده ، وفيه ما كان عليه عمر - رضي الله عنه - من الشدة في دين الله ، وكان هشام أيضا قريبا من ذلك ، كان عمر بعد ذلك إذا كره أمرا ( يقول ) : هذا ما بقيت أنا وهشام بن حكيم . وكذا حديث ابن مسعود ، فإنه - عليه السلام - عذر أصحابه في تأويلهم الظلم في الآية بغير الشرك لجوازه في التأويل ، وكذا حديثابن الدخشن فإنهم ( اشتدوا ) على نفاقه بصحبته للمنافقين ونصيحته لهم ، فبين لهم الشارع صدقه ولم يعنفهم في تأويلهم . وكذا في حديث حاطب : عذره الشارع في تأويله وشهد بصدقه ، وقد سلف كثير من معاني هذا الحديث في الجهاد في باب : الجاسوس .

[ ص: 584 ] وقول أبي عبد الرحمن : لقد علمت ما الذي جرأ صاحبك على الدماء . يعني : عليا - رضي الله عنه - فإنه أراد قوله - عليه السلام - لأهل بدر :" اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم " فكأنه أنس بهذا القول فاجترأ بذلك على الدماء ، ولا يجوز أن يظن بعلي - رضي الله عنه - ذلك دون الاعتماد على تأويل صحيح واجتهاد راجح ، وإن كان قوله - عليه السلام - :" لعل الله اطلع على أهل بدر " دليل ليس بحتم ، ولكنه على أغلب الأحوال ، وينبغي أن يحسن بالله الظن في أهل بدر وغيرهم من أهل الطاعات .

وقد اعترض بعض أهل البدع بهذا الحديث على قصة مسطح - رضي الله عنه - حين جلد في قذف عائشة ، وكان بدريا وقالوا : كان ينبغي أن لا يحد لحاطب ، والجواب أن المراد : غفر لهم عقاب الآخرة دون الدنيا ، وقد قام الإجماع على أن كل من ركب من أهل بدر ( ذنبا ) بينه وبين الله فيه حد ، أو بينه وبين الخلق من القذف أو الجراح أو القتل فإن عليه فيه الحد والقصاص ، وليس يدل عقوبة المعاصي في الدنيا وإقامة الحدود عليه على أنه معاقب في الآخرة ؛ لقوله - عليه السلام - في ماعز والعامدية : لقد تابا توبة لو قسمت على أهل الأرض لوسعتهم لأن موضع الحدود أنها للردع والزجر وحقن الدماء وحفظ الحرمة وصيانة الأموال ، وليس في عقاب النار شيء من ذلك ، ولو أسقط الله عقاب

[ ص: 585 ] الدارين لكان جائزا ، فغفر لحاطب هفوته في الدنيا إذ رأى ذلك مصلحة لما غفر له عقاب الآخرة ، وقد يجعل الله لنبيه إسقاط بعض الحدود إذا رأى مصلحة .

وذكر الطبري أن في قوله :" اعملوا ما شئتم " فيه : دلالة بينة على خطأ ما قالته الخوارج والمعتزلة ؛ لأنه لا يجوز في العدل والحكمة الصفح لأهل الكبائر من المسلمين عن كبائرهم ؛ لأنه لم يكن مستنكرا عند الشارع في عدل الله أن يصفح عن بعض من سبقت له من الطاعة سابقة ، وسلفت له من الأعمال الصالحة سالفة عن جميع أعماله السيئة التي تحدث منه بعدها صغائر وكبائر فيتفضل بالعفو عنها إكراما له لما كان سلف منه قبل ذلك من الطاعة .

فصل :

( خاخ ) : موضع قريب من مكة ، وقد سلف الخلف فيه .

وقوله : ( أهوت إلى حجزتها وهي محتجزة بكساء ) يعني : ضربت بيدها إلى معقد بطاقها من جسدها وهو موضع حجزة السراويل من الرجل ، وتقدم ما فيه من الغريب في الجهاد .

فصل :

وأما قوله - عليه السلام - في قصة مالك بن الدخشن :" ألا تقولوه ( أليس ) يقول : لا إله إلا الله " كذا في الأصول ، وأورده ابن بطال كذلك ، ثم قال : هكذا جاءت ، والصواب :" ألا تقولونه " بإثبات النون ، والمعنى : ألا تظنونه يقول ذلك ، وقد جاء القول بمعنى الظن كثيرا في اللغة

[ ص: 586 ] بشرط كونه في المخاطب ، وكونه مستقبلا ، أنشد سيبويه لعمر بن أبي ربيعة المخزومي :

أما الرحيل فدون بعد غد فمتى تقول الدار تجمعنا

يعني : فمتى تظن الدار تجمعنا ، ويحتمل أن يكون قوله :" ألا تقولوه " خطابا للواحد وللجماعة فلا يجوز حذف النون إذ لا موجب لحذفها ، فإن كان خطابا للواحد وهو أظهر في سياق الحديث ، فهو على لغة من يشبع الضمة كما قال الشاعر :


من حيث ما سلكوا أدنو فأنظور



وإنما أراد : فأنظر ، فأشبع ضمة الظاء فحدثت عنها واو .

فصل :

وقوله في حديث عمر : ( فكدت أساوره ) تقول العرب : ساورته من قولهم : سار الرجل يسور سورا : إذا ارتفع . ذكره ابن الأنباري ، عن ثعلب ، وقد تكون أساوره من البطش ؛ لأن السورة : البطش عن صاحب " العين " ، هذا ما في كتاب ابن بطال ، وفي كتاب ابن التين : أساوره أي : أواثبه ، يقال : إن لغضبه سورة وهو سوار أي : وثاب معربد ، وكذلك سار إليه : وثب ، ثم ذكر بيتا للأخطل في ذكره ، ثم ذكر ما ذكره ابن بطال فقال : وقيل : هو من قول العرب : سار يسور إذا ارتفع ذكره .

[ ص: 587 ] وقال الداودي : أي أهجم عليه ، واشتقاقه من التسور من أعلى الحائط ولا ينتظر أن يصل إلى الباب .

فصل :

وقوله : ( كذبت ) أي : في ظن عمر ، قيل : الخلاف الذي وقع بين عمر وهشام غير معلوم ، وقد أسلفنا معنى :" أنزل القرآن على سبعة أحرف " وما فيه من الخلاف ، منها : أنها لغات ، يعني : أن بعض الحروف أنزلت على ذلك ، ليس أن كل حرف أنزل على سبع لغات ، ولا أن حرفا منها أنزل على سبع لغات ، إنما يأتي في الحرف لغتان أو ثلاث ، وفيه نظر ؛ إذ لو كان كذلك لم ينكر القوم في أول الأمر بعضهم على بعض ؛ لأنه من كانت لغته شيئا فدخل عليها لم ينكر عليه ، وفي فعل عمر - رضي الله عنه - في هذا الخبر رد على القائل : إنها سبع لغات ؛ لأن عمر قرشي عدوي ، وهشام قرشي أسدي ، ومحال أن ينكر عمر عليه لغته .

آخر كتاب المرتدين ولله الحمد



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث