الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب وجوب الصلاة في الثياب

344 [ ص: 270 ] 2 - باب: وجوب الصلاة في الثياب وقول الله تعالى: خذوا زينتكم عند كل مسجد [الأعراف: 31].

ومن صلى ملتحفا في ثوب واحد، ويذكر عن سلمة بن الأكوع أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "يزره ولو بشوكة". في إسناده نظر، ومن صلى في الثوب الذي يجامع فيه ما لم ير أذى، وأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن لا يطوف بالبيت عريان. [فتح: 1 \ 465] .

351 - حدثنا موسى بن إسماعيل قال: حدثنا يزيد بن إبراهيم عن محمد، عن أم عطية قالت: أمرنا أن نخرج الحيض يوم العيدين وذوات الخدور، فيشهدن جماعة المسلمين ودعوتهم، ويعتزل الحيض عن مصلاهن. قالت امرأة: يا رسول الله، إحدانا ليس لها جلباب. قال "لتلبسها صاحبتها من جلبابها".

وقال عبد الله بن رجاء: حدثنا عمران، حدثنا محمد بن سيرين، حدثتنا أم عطية: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - بهذا. [324 - مسلم 890 - فتح: 1 \ 466] .

التالي السابق


ما ترجم عليه هو مذهب الثلاثة: الشافعي وأحمد وأبي حنيفة، وعامة الفقهاء وأهل الحديث أن ستر العورة شرط في صحة الصلاة، فرضها ونفلها، وظاهر مذهب مالك كما قال ابن رشد في "قواعده" بعد أن قال: اتفق العلماء على أنها فرض بإطلاق: إنها من سنن الصلاة.

[ ص: 271 ] وعن بعضهم أنه شرط عند الذكر دون النسيان، فإن قلت: هل يستدل للقول الثاني بحديث عمرو بن سلمة لما تقلصت بردته، فقالت امرأة: غطوا عنا است قارئكم.

قلت: لا؛ لأنه كان فاقدا لها، وأيضا كان ذلك في أول الإسلام، وفي "صحيح مسلم" من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعا: "لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل، ولا المرأة إلى عورة المرأة".

ومن حديث المسور أنه - صلى الله عليه وسلم - قال له: "ارجع إلى ثوبك فخذه، ولا تمشوا عراة".

وفي "صحيح ابن خزيمة" من حديث عائشة مرفوعا: "لا يقبل الله صلاة امرأة قد حاضت إلا بخمار".

وهو المراد برواية أبي داود: صلاة حائض. والترمذي: صلاة الحائض.

وسيأتي في "صحيح البخاري" من حديث أبي سعيد الخدري النهي عن الاحتباء في الثوب الواحد ليس على فرجه منه شيء.

ثم قال البخاري: وقول الله تعالى: خذوا زينتكم عند كل مسجد .

وكأنه رحمه الله فهم أن المراد بها الثياب، ولذلك ساقه بعد أن بوب [ ص: 272 ] بذلك، وهو ما رواه البيهقي عن طاوس، وقال مجاهد: فيها وار عورتك ولو بعباءة.

وقال أبو محمد بن حزم: اتفقوا على أنه ستر العورة.

وقال ابن بطال: أجمع أهل التأويل على أنها نزلت في الذين كانوا يطوفون بالبيت عراة؛ ولذلك أمر أن لا يطوف بالبيت عريان.

وقال ابن رشد: من حمل خذوا على الندب قال: المراد بذلك الزينة الظاهرة من الرداء وغيره من الملابس التي هي زينة، مستدلا لذلك بما في الحديث أنه كان رجال يصلون مع النبي - صلى الله عليه وسلم - عاقدي أزرهم على أعناقهم كهيئة الصبيان.

ومن يحمله على الوجوب استدل بحديث مسلم عن ابن عباس: كانت المرأة تطوف بالبيت عريانة فتقول: من يعيرني تطوافا. وتقول:


اليوم يبدو بعضه أو كله... وما بدا منه فلا أحله

فنزلت الآية السالفة، وفي رواية وهب بن جرير: كانت المرأة إذا طافت بالبيت تخرج صدرها وما هناك، فأنزل الله الآية.

وعند الواحدي كان أناس من العرب يطوفون بالبيت عراة، حتى إن كانت المرأة لتعلق على أسفلها سيورا مثل هذه السيور التي تكون على وجه الحمر من الذباب وهي تقول: اليوم يبدو. وفي لفظ: وعلى فرجها خرقة.

[ ص: 273 ] وقال ابن عباس: المراد بالمسجد المسجد الحرام خاصة؛ تعظيما له، فإن النساء يطفن حول البيت عراة في الجاهلية ليلا، فإذا أرادته نهارا استعارت ثيابا من ثياب أهل الحرم، فتطوف بها، فأقبلت امرأة ذات جمال، فأبوا أن يعيروها ثوبا وقالوا: حتى ننظر إلى خلقها. فطافت عريانة وقالت:


اليوم يبدو بعضه أو كله.......................



وجاء أنها ضباعة بنت عامر لما أرادت فراق ابن جدعان تخيل أنها تتزوج بالوليد بن المغيرة، فقال: إن تزوجت به تطوفين بالبيت نهارا عريانة، ففعلته أسبوعا.

وفي "تفسير الثعالبي" أن بني عامر كانوا يطوفون في الجاهلية عراة، الرجال نهارا، والنساء ليلا.

وفي الآية أقوال أخر غريبة:

أحدها: أن الزينة: المشط، قاله عطية وأبو روق.

ثانيها: رفع اليدين في الصلاة، قاله القاضي التنوخي.

ثالثها: الصلاة بالنعلين، ورد في حديث مرفوع من طريق أبي هريرة، لكن وهاه العقيلي، والواجب من اللباس في الصلاة ما تستر به العورة وما زاد فحسن.

[ ص: 274 ] ...........................

[ ص: 275 ] ثم قال البخاري: ويذكر عن سلمة بن الأكوع أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "يزره ولو بشوكة". قال البخاري: وفي إسناده نظر.

هذا الحديث أخرجه أبو داود والنسائي من حديث عبد العزيز بن محمد، عن موسى بن إبراهيم، عن سلمة بن الأكوع، قلت: يا رسول الله، إني رجل أصيد فأصلي في القميص الواحد؟ قال: "نعم، وأزره ولو بشوكة"، وفي رواية: إني أكون في الصيد وأصلي ليس علي [ ص: 276 ] إلا قميص واحد، قال: "فزره، وإن لم تجد إلا شوكة".

وموسى هذا، قال ابن القطان: إنه موسى بن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، وهو منكر الحديث.

ولعل هذا هو الذي أشار إليه البخاري بالنظر السالف، وقد قال في حقه في كتاب "الضعفاء": موسى بن إبراهيم في حديثه مناكير، لكن أخرجه ابن خزيمة في "صحيحه" عن نصر بن علي، عن عبد العزيز، عن موسى بن إبراهيم، قال: سمعت سلمة. وفي رواية: وليس علي إلا قميص واحد أو جبة واحد فأزره؟ قال: "نعم، ولو بشوكة" ورواه ابن حبان أيضا في "صحيحه" عن إسحاق بن إبراهيم ثنا ابن أبي عمر، ثنا عبد العزيز بن محمد، عن موسى بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن أبي ربيعة، عن سلمة بن الأكوع، قلت: يا رسول الله إني أكون في الصيد وليس علي إلا قميص واحد؟ قال: "فأزره ولو بشوكة" [ ص: 277 ] ورواه الحاكم أيضا في "مستدركه" وقال: هذا حديث مدني صحيح.

قلت: وظهر بهذه الرواية أن موسى هذا غير السالف الذي ظنه ابن القطان، وفيه ضعف أيضا ولكنه دون ذاك، وقد قيل: عن موسى بن محمد بن إبراهيم، عن أبيه، عن سلمة ذكره ابن بطال في "شرحه"، فهذا اختلاف آخر.

وقوله: *(يأزره ولو بشوكة)* أي: يجمع بين طرفيه بشوكة، فيقوم ذلك مقام الأزرار إذا شدها، يقال: زررت له القميص أزره -بالضم- زرا إذا شددت أزراره، وأزررت القميص إذا جعلت له أزرارا.

وقال ابن سيده: الزر: الذي يوضع في القميص، والجمع أزرار وزرور، وأزر القميص جعل له زرا، وأزره: شد عليه أزراره، وقال ابن الأعرابي: زر القميص إذا كان محلولا، فشده وأزره لم يكن له زر فجعل له، وزر الرجل: شد زره، عن اللحياني.

[ ص: 278 ] وفي "الفصيح": أزرر عليك قميصك وزره مثلث الراء. وأورد البخاري هذا الحديث؛ ليدل على وجوب ستر العورة؛ إذ لو كان سنة لما قال له ذلك، ورخص مالك في الصلاة في القميص محلول الأزرار ليس عليه سراويل ولا رداء، وهو قول الشافعي والكوفيين وأبي ثور، إلا أنه إن رأى من عيب عورته أعاد الصلاة عندهم.

ثم قال البخاري رحمه الله: ومن صلى في الثوب الذي يجامع فيه ما لم ير أذى.

وهذا منه دال على الاكتفاء بالظن فيما يصلي فيه، لا القطع، وقد روى أبو داود بإسناد جيد من حديث أم حبيبة وقد سألها أخوها معاوية: هل كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي في الثوب الذي يجامع فيه؟ فقالت: نعم، إذا لم ير فيه أذى.

ثم قال البخاري رحمه الله: وأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن لا يطوف بالبيت عريان.

يريد بذلك نداء علي - رضي الله عنه - في الحج لما أرسله لينبذ إلى كل ذي عهد عهده، وكأن البخاري أخذ اشتراط ستر العورة في الصلاة منه؛ لأنه لما كان في الطواف صلاة وقد أمر بالستر فالصلاة أولى؛ لذا خطر لي في استنباطه كما خطر لي في استنباط ما قبله، ثم رأيت ابن المنير لما ذكر قوله: ومن صلى في الثوب الذي يجامع فيه إلى آخره.

[ ص: 279 ] قال: ذكر فيه حديث أم عطية: أمرنا أن نخرج الحيض. وليس فيه ما يدل على الصلاة الذي يجامع منه، لكن في أبي داود، ثم ذكر حديث أم حبيبة السالف، وقد علمت أن وجه الاستنباط منه، وحديث أم عطية ذكره لفائدة أخرى سأبديها.

ثم ساق البخاري رحمه الله حديث أم عطية. وفيه: قالت امرأة: يا رسول الله، إحدانا ليس لها جلباب. قال: "لتلبسها صاحبتها من جلبابها".

وهذه المرأة هي أم عطية، وكنت بها عن نفسها في رواية، قلت: يا رسول الله، إحدانا... الحديث.

وذكر البخاري بعضه معلقا في كتاب الحيض، وسيأتي بطوله في العيدين إن شاء الله.

ثم قال البخاري: وقال عبد الله بن رجاء: حدثنا عمران، حدثنا محمد بن سيرين، حدثتنا أم عطية.

وعبد الله هذا هو الغداني نسبة إلى غدان بن يربوع بن حنظلة [ ص: 280 ] ووهم من جعل أنه المكي، وعمران هو ابن داور، الراء في آخره، وفيه ضعف. استشهد به البخاري هنا وفي غزوة ذات الرقاع، فروي له في كتاب "الأدب" والأربعة.

[ ص: 281 ] وهذا الأثر وصله الطبراني في "معجمه الكبير" فقال: حدثنا علي بن عبد العزيز، عن عبد الله بن رجاء فذكره، وساق البخاري هذا التصريح بسماع ابن سيرين من أم عطية وروي ذلك عن أختها حفصة، وصحح الدارقطني رواية ابن سيرين عن أم عطية.

والجلباب كالملاءة، وكأن البخاري ساق حديث أم عطية في الباب لأن الشارع - صلى الله عليه وسلم - أمر بإلباس الجلباب، وما ذاك إلا أنه يوم زينة، وإذا كان كذلك فالمصلي أحق بالبر؛ لأنه يناجي ربه، كذا خطر لي فيه.



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث