الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة وكان على الاستسلام أو الخوف من القتل

جزء التالي صفحة
السابق

27 [ ص: 633 ] 19 - باب : إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة وكان على الاستسلام أو الخوف من القتل

لقوله تعالى: قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا [الحجرات: 14]. فإذا كان على الحقيقة فهو على قوله جل ذكره: إن الدين عند الله الإسلام [آل عمران: 19]. ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه [آل عمران: 85].

27 - حدثنا أبو اليمان قال: أخبرنا شعيب، عن الزهري قال: أخبرني عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن سعد - رضي الله عنه -، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أعطى رهطا وسعد جالس، فترك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجلا هو أعجبهم إلى، فقلت يا رسول الله ما لك عن فلان؟ فوالله إني لأراه مؤمنا. فقال: "أو مسلما". فسكت قليلا، ثم غلبني ما أعلم منه فعدت لمقالتي فقلت: ما لك عن فلان؟ فوالله إني لأراه مؤمنا فقال: "أو مسلما". ثم غلبني ما أعلم منه، فعدت لمقالتي، وعاد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم قال: "يا سعد، إني لأعطي الرجل، وغيره أحب إلي منه خشية أن يكبه الله في النار". ورواه يونس، وصالح، ومعمر، وابن أخي الزهري، عن الزهري. [1478 - مسلم: 150 - فتح: 1 \ 79]

التالي السابق


نا أبو اليمان قال: أنا شعيب، عن الزهري أخبرني عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن سعد - رضي الله عنه -، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أعطى رهطا وسعد جالس، فترك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجلا هو أعجبهم إلي، فقلت: يا رسول الله، ما لك عن فلان؟ فوالله إني لأراه مؤمنا. فقال: "أو مسلما". فسكت قليلا، ثم غلبني ما أعلم منه فعدت لمقالتي فقلت: ما لك عن فلان؟ فوالله إني لأراه مؤمنا فقال: "أو مسلما". ثم غلبني ما أعلم منه، فعدت لمقالتي، وعاد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم قال: "يا سعد، إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه خشية أن يكبه الله في النار". ورواه يونس، [ ص: 634 ] وصالح، ومعمر، وابن أخي الزهري، عن الزهري.

الكلام عليه من وجوه:

أحدها:

هذا الحديث أخرجه البخاري أيضا في الزكاة عن محمد بن غرير، (ثنا) يعقوب بن إبراهيم، عن أبيه، عن صالح، كلاهما عن الزهري، عن عامر. قال: ورواه يونس إلى آخر ما سلف، وزاد فيه هو ومسلم: فضرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيده فجمع بين عنقي وكتفي، ثم قال: "أقبل أي سعد"، وفي مسلم: "أقتالا؟ أي سعد". وأخرجه مسلم أيضا هنا، وفي الزكاة عن ابن (أبي) عمر عن سفيان، عن الزهري، (وعن زهير عن يعقوب بن إبراهيم، عن أبيه، عن صالح كلهم عن الزهري به، وفي الزكاة عن إسحاق بن إبراهيم، وعبد بن حميد، أنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري. وقد اعترض على مسلم في بعض طرق هذا الحديث في قوله: عن سفيان، عن الزهري).

[ ص: 635 ] ورواه الحميدي، وسعيد بن عبد الرحمن، ومحمد بن الصباح (الجرجرائي) كلهم عن سفيان، عن معمر، عن الزهري به، وهذا هو المحفوظ عن سفيان.

ذكره الدارقطني في "استدراكاته" على مسلم، وأجاب النووي بأنه يحتمل أن سفيان سمعه من الزهري مرة، ومن معمر (مرة) عن الزهري فرواه على الوجهين، وفيما ذكره نظر حديثي.

[ ص: 636 ] ثانيها: في التعريف برجاله:

وقد سلف التعريف بهم خلا ثلاثة: سعد بن أبي وقاص، (وولده وابن أخي الزهري.

فأما سعد (ع) فهو أبو إسحاق بن أبي وقاص)، مالك بن وهيب - ويقال: أهيب- ابن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي القرشي الزهري، أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الستة أصحاب الشورى.

أمه: (حمنة) بنت سفيان أخي حرب وإخوته، بني أمية بن عبد شمس، أسلم قديما وهو ابن أربع عشرة سنة بعد أربعة، وقيل: بعد ستة.

وشهد بدرا وما بعدها من المشاهد، وكان مجاب الدعوة; لدعائه - صلى الله عليه وسلم - له بذلك، وأول من رمى بسهم في سبيل الله، وكان يقال [ ص: 637 ] له: فارس الإسلام، وكان من المهاجرين الأولين، هاجر إلى المدينة قبل قدومه - صلى الله عليه وسلم - إليها.

روي له عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مائتا حديث، وسبعون حديثا، اتفقا منها على خمسة عشر، وانفرد البخاري بخمسة، ومسلم بثمانية عشرة، روى جابر بن عبد الله قال: أقبل سعد ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - جالس فقال: "هذا خالي فليرني امرؤ خاله"، رواه ابن سعد; وسببه أن أمه - صلى الله عليه وسلم - آمنة بنت وهب بن عبد مناف، وسعد هو ابن مالك بن وهيب أخي وهب ابني عبد مناف.

روى عنه جمع من الصحابة منهم: ابن عمر وابن عباس، وعائشة، ومن التابعين أولاده الخمسة: محمد، وإبراهيم، وعامر، ومصعب، وعائشة، وخلائق. وهو الذي فتح مدائن كسرى في زمن عمر، وولاه عمر العراق، وفي الصحيحين عن علي قال: ما سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جمع أبويه لأحد إلا لسعد بن مالك، فإني سمعته يوم أحد يقول: "ارم فداك أبي وأمي"، ولما قتل عثمان اعتزل سعد الفتن، ومات بقصره [ ص: 638 ] (بالعقيق) على عشرة أميال من المدينة، وحمل على أعناق الرجال إليها، ودفن بالبقيع سنة خمس و(خمسين) أو إحدى أو ست أو سبع أو ثمان، عن ثلاث وسبعين سنة أو أربع أو عن نيف وثمانين.

قيل: سنة اثنتين، وقيل: ثلاث، وصلى عليه مروان بن الحكم وهو يومئذ والي المدينة، وصفته على ما قالت ابنته عائشة، أنه كان قصيرا جدا، دحداحا، غليظا، ذا هامة، شثن الأصابع، أسمر يخضب بالسواد.

وروى ابن سعد عن سفيان، عن حكيم بن الديلمي: أنه كان يسبح بالحصا.

فائدة:

في الصحابة من اسمه سعد فوق المائة كما هو معروف في موضعه.

وأما ولده عامر (بن سعد) فهو مدني قرشي زهري، سمع أباه وعثمان وجابر بن سمرة وجماعة من الصحابة، وعنه: سعيد بن المسيب وغيره من التابعين، وكان ثقة كثير الحديث، مات سنة أربع ومائة، وقيل: ثلاث.

[ ص: 639 ] وأما ابن أخي الزهري: فهو محمد بن عبد الله بن مسلم بن عبيد الله ابن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب الزهري، روى عن عمه محمد (وأبيه)، وعنه جماعات منهم: القعنبي، روى عنه البخاري في الصلاة، والأضاحي، ومسلم في الإيمان والصلاة والزكاة، قال الحاكم في "مدخله": عيب على البخاري ومسلم إخراجهما حديثه، أخرج له البخاري في الأصول، ومسلم في الشواهد.

وقال ابن أبي حاتم: ليس بالقوي يكتب حديثه، وقال ابن معين: ضعيف، وقال ابن عدي: لم أر بحديثه بأسا، ولا رأيت له حديثا منكرا، وقال عباس، عن يحيى (يعني) : ابن معين: ابن أخي الزهري أمثل من أبي أويس، وقال مرة فيه: ليس بذاك القوي. وقال ابن سعد: كان كثير الحديث صالحا. وقال الواقدي: قتله غلمانه بأمر ابنه، وكان ابنه سفيها شاطرا قتله للميراث في آخر خلافة أبي جعفر المنصور، ومات أبو جعفر سنة ثمان وخمسين ومائة، ثم وثب غلمانه [ ص: 640 ] على ابنه بعد سنين فقتلوه، وجزم النووي في "شرحه" بأن محمدا هذا مات سنة اثنتين وخمسين ومائة.

ثالثها:

في هذا الإسناد لطيفتان:

الأولى: أنه جمع ثلاثة زهريين مدنيين.

الثانية: أنه جمع ثلاثة تابعيين يروي بعضهم عن بعض، صالح، وابن شهاب وعامر، وصالح أكبر من الزهري; لأنه أدرك ابن عمر فهو(من) رواية الأكابر عن الأصاغر، وهذه لطيفة ثالثة.

رابعها:

معنى قوله: (رواه يونس..) إلى آخره، أن هؤلاء الأربعة تابعوا شعيبا في رواية هذا الحديث عن الزهري فيزداد قوة بكثرة طرقه، وفي [ ص: 641 ] هذا وشبهه من قول الترمذي: وفي الباب عن فلان وفلان إلى آخره فوائد: هذه إحداها.

وثانيها: أن تعلم رواته; ليتبع رواياتهم ومسانيدهم من يرغب في شيء من جمع الطرق أو غيره لمعرفة متابعة أو استشهاد أو غيرهما.

الثالثة: ليعرف أن هؤلاء المذكورين رووه، فقد يتوهم من لا خبرة له أنه لم يروه غير ذلك المذكور في الإسناد، فربما رآه في كتاب آخر عن غيره فتوهمه غلطا، وزعم أن الحديث إنما هو من جهة فلان. فإذا قيل في الباب: عن فلان، وفلان ونحو ذلك زال الوهم المذكور، فتنبه لذلك.

خامسها:

هذا الرجل لم أقف (على اسمه) فليتتبع.

[ ص: 642 ] سادسها: في ألفاظه ومعانيه:

الأول: قوله: (أعطى رهطا)، أي جماعة، وأصله الجماعة دون العشرة، قال ابن التياني : قال أبو زيد: الرهط ما دون العشرة من الرجال.

وقال صاحب "العين": الرهط عدد جمع من ثلاثة إلى عشرة، وبعض يقول: من سبعة إلى عشرة، وما دون السبعة إلى الثلاثة نفر، وتخفيف الرهط أحسن، تقول: هؤلاء رهطك، وأرهطك، وهم رجال عشيرتك.

وعن ثعلب: الرهط: الأب الأدنى.

وعن النضر : جاءنا أرهوط منهم مثل أركوب، والجمع أراهط، وأرهيط.

[ ص: 643 ] وفي "المحكم": لا واحد له من لفظه، وقد يكون الرهط من العشيرة، وفي "الجامع" و"الجمهرة": الرهط من القوم: وهو ما بين الثلاثة إلى العشرة، وربما (جاوزوا) ذلك قليلا ورهط الرجل: بنو أبيه، ويجمع على أرهط، ويجمع الجمع على أراهط. وفي "الصحاح"، رهط الرجل: قومه وقبيلته.

والرهط: ما دون العشرة من الرجال لا يكون فيهم امرأة، والجمع أرهط وأرهاط كأنه جمع أراهط وأراهيط، وفي "مجمع الغرائب": الرهط: جماعة غير كثيري العدد.

الثاني: قوله: (هو أعجبهم إلي). أي: أفضلهم وأصلحهم في اعتقادي.

الثالث: قوله: (ما لك عن فلان؟) أي: (أي سبب لعدولك عن فلان)؟ قاله الجوهري عن ابن السراج، و(فلان) كناية عن اسم سمي به المحدث عنه، قال: ويقال في غير الناس: الفلان والفلانة بالألف واللام.

[ ص: 644 ] الرابع: قوله: (فوالله إني لأراه مؤمنا)، هو بفتح الهمزة، قال النووي: ولا يجوز ضمها على أن تجعل بمعنى أظنه لأنه قال: ثم غلبني ما أعلم منه; ولأنه راجع النبي - صلى الله عليه وسلم - مرارا، ولو لم يكن جازما باعتقاده لما كرر المراجعة.

وأما أبو العباس القرطبي فقال: الرواية بضم الهمزة بمعنى: أظنه، وهو منه حلف على ما ظنه، ولم ينكر عليه، فهو دليل على جواز الحلف على الظن، وهو يمين اللغو، وهو قول مالك والجمهور.

قلت: (وهي) عند الشافعي أن يسبق لسانه إلى اليمين من غير أن يقصدها: كلا والله، وبلى والله.

الخامس: قوله: ("أو مسلما")، هو بإسكان الواو، وهي (أو) التي للتقسيم والتنويع، أو للشك والتشريك، ومن فتحها أخطأ وأحال المعنى، ومعنى الإسكان: أن لفظة الإسلام أولى أن نقولها; لأنها معلومة بحكم الظاهر، وأما الإيمان فباطن لا يعلمه إلا الله، وليس فيه إنكار كونه مؤمنا، بل معناه النهي عن القطع بالإيمان.

وقد غلط من توهم كونه حكم بأنه غير مؤمن، بل في الحديث إشارة إلى إيمانه، وهو قوله: "أعطي الرجل وغيره أحب إلي منه"، وأغرب بعضهم فادعى أن قوله: "أو مسلما" أمره أن لا يقطع بإيمانه بل يقولهما; لأنه أحوط، وروى ابن أبي شيبة من حديث أنس رفعه: "الإسلام علانية والإيمان في القلب" ثم يشير بيده إلى صدره، "التقوى ها هنا التقوى ها هنا".

[ ص: 645 ] قال ابن عدي: حديث غير محفوظ.

السادس: قوله: (فعدت لمقالتي)، قال أهل اللغة: يقال: عاد لكذا، أي: رجع إليه بعد ما كان أعرض عنه، والمقالة والمقال والقول والقولة بمعنى.

السابع: قوله: ("خشية أن يكبه الله في النار")، هو بفتح أول يكبه وضم الكاف، يقال: أكب الرجل وكبه غيره، وهذا بناء غريب، فإن المعروف أن يكون الفعل اللازم بغير همزة فيعدى بها، وهنا عكسه، ومعنى كبه: ألقاه، ويقال: كبكبه بمعنى: كبه.

وذكر البخاري في كتاب: الزكاة عقب ذلك: قال أبو عبد الله: فكبكبوا (فكبوا) مكبا ، أكب الرجل إذا كان فعله غير واقع على أحد، فإذا وقع الفعل قلت: كبه الله لوجهه وكببته أنا.

[ ص: 646 ] قال أبو المعالي في "المنتهى": أكب الرجل، أي: قلب لوجهه، وهو من النوادر، وأكب عليه إذا انحنى عليه. وقال ابن سيده: كب الشيء يكبه كبا، وكبكبه: قلبه، وحكى ابن الأعرابي: أكبه. وفي "الجامع": يتعدى إذا كان على فعل، ولا يتعدى إذا كان على أفعل.

وقال القاضي: الرواية الصحيحة يكبه، بفتح أوله -أي كما أسلفناه- فحل ثلاثي من كب، ولم يأت في لسان العرب فعل ثلاثيه يتعدى، وفعل رباعيه لا يتعدى على نقيض المتعارف إلا كلمات قليلة، منها أكب الرجل، وكببته أنا.

قال تعالى: أفمن يمشي مكبا على وجهه [الملك: 22]،، وقال: فكبت وجوههم في النار [النمل: 90]، ومثله أقشع الغيم، وقشعته الريح، وأنسل ريش الطائر، ونسلته أنا، وأنزفت البئر: قل ماؤها، ونزفتها أنا، وأمرت الناقة در لبنها، ومريتها أنا، وأشنق البعير: رفع رأسه، (وشنقته) أنا.

الثامن: الضمير في (يكبه) يعود إلى المعطى، أي: أتألف قلبه بالإعطاء مخافة من كفره ونحوه إذا لم يعط، والتقدير: أعطي من في إيمانه ضعف; لأني أخشى عليه لو لم أعطه أن يعرض له اعتقاد (يكفر به فيكبه الله في النار. وأما من قوي إيمانه فهو أحب إلي فأكله إلى إيمانه ولا أخشى عليه رجوعا عن دينه ولا سوء اعتقاد) ولا ضرر عليه فيما لا يحصل له من الدنيا.

[ ص: 647 ] سابعها: في فقهه وفوائده:

الأولى: الشفاعة إلى ولاة (الأمر) وغيرهم فيما ليس بحرام.

الثانية: مراجعة المشفوع إليه في الأمر الواحد مرارا إذا لم يؤد إلى مفسدة.

الثالثة: الأمر بالتثبت، وترك القطع بما لا يعلم القطع فيه.

الرابعة: أن الإمام يصرف الأموال في المصالح الأهم فالأهم.

الخامسة: أن المشفوع إليه لا(عتب) عليه إذا رد الشفاعة إذا كانت خلاف المصلحة، فإن كان ولي أمر المسلمين، أو ناظر يتيم ونحوه لم يجز له قبول شفاعة تخالف مصلحة ما هو ولي أمره.

السادسة: أن المشفوع إليه إذا رد الشفاعة، ينبغي أن يعتذر إلى الشافع ويبين له عذره في ردها.

السابعة: أن المفضول ينبه الفاضل على ما يراه مصلحة لينظر فيه الفاضل.

الثامنة: أن المشار عليه يتأمل ما يشار به عليه فإذا لم تظهر مصلحته يعمل به.

التاسعة: أنه لا يقطع لأحد على التعيين بالجنة إلا من ثبت فيه نص كالعشرة من الصحابة وأشباههم، بل يرجي للطائع ويخاف على العاصي، ويقطع من حيث الجملة أن من مات على التوحيد دخل الجنة، وهذا كله إجماع أهل السنة.

العاشرة: استدل به جماعة من العلماء على جواز قول المسلم: أنا [ ص: 648 ] مؤمن مطلقا من غير تقييد بقوله: إن شاء الله، وهذه المسألة فيها خلاف للصحابة فمن بعدهم، وقد سلف بيانها في أول كتاب الإيمان مبسوطة.

الحادية عشرة: فيه دلالة لمذهب أهل الحق في قولهم: إن الإقرار باللسان لا ينفع إلا إذا اقترن به اعتقاد بالقلب، خلافا للكرامية وغلاة المرجئة في قولهم: يكفي الإقرار، وهذا ظاهر الخطأ يرده إجماع الأمة، والنصوص المتظاهرة في تكفير المنافقين وهذه صفتهم.

قال الإمام أبو بكر بن الطيب المعروف بابن الباقلاني وغيره من الأئمة -رحمهم الله-: هذه الآية وهي قوله تعالى: قالت الأعراب آمنا [الحجرات: 14] حجة لأهل الحق في الرد على الكرامية وغلاة المرجئة قالوا: وقد أبطل الله تعالى مذهبهم في مواضع من كتابه، منها قوله: أولئك كتب في قلوبهم الإيمان [المجادلة: 22]، ولم يقل: في ألسنتهم، ومن أقوى ما يبطل به قولهم إجماع الأمة على تكفير المنافقين، وكانوا يظهرون الشهادتين.

الثانية عشرة: الفرق بين الإيمان والإسلام، وقد سلف الكلام عليه في أول كتاب: الإيمان، وسيكون لنا عودة إليه -إن شاء الله تعالى- في [ ص: 649 ] حديث جبريل.

قال المهلب: الإسلام على الحقيقة هو الإيمان الذي هو عقد القلب المصدق لإقرار اللسان الذي لا ينفع عند الله غيره، ألا ترى قوله تعالى لقوم: قالوا آمنا [البقرة: 14]، أي: بألسنتهم دون تصديق قلوبهم: قل لم تؤمنوا وقال تعالى: ولما يدخل الإيمان في قلوبكم [الحجرات: 14].

وقال القاضي عياض: هذا الحديث أصح دليل على الفرق بين الإسلام والإيمان، وأن الإيمان باطن ومن عمل القلب، والإسلام ظاهر ومن عمل الجوارح، لكن لا يكون مؤمنا إلا مسلما، وقد يكون مسلما غير مؤمن، ولفظ هذا الحديث يدل عليه.

وكذا قال الخطابي: هذا الحديث ظاهره يوجب الفرق بين الإيمان والإسلام، فيقال له: مسلم، أي: مستسلم، ولا يقال له: مؤمن، وهو معنى الحديث، قال تعالى: قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا أي: استسلمنا. وقد يتفقان في استواء الظاهر والباطن، فيقال للمسلم: مؤمن وللمؤمن مسلم.

خاتمة:

سبب نزول الآية السالفة قالت الأعراب آمنا ما ذكره الواحدي: أن أعرابا من أسد بن خزيمة قدموا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في سنة جدبة، وأظهروا الشهادتين، ولم يكونوا مؤمنين في السر، وأفسدوا [ ص: 650 ] طرق المدينة بالعذرات، وأغلوا أسعارها، وكانوا يقولون لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أتيناك بالأثقال والعيال، ولم نقاتلك حين قاتلك بنو فلان فأعطنا من الصدقة، وجعلوا يمنون عليه فأنزلها الله تعالى.



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث