الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

396 404 - حدثنا مسدد قال: حدثنا يحيى، عن شعبة، عن الحكم، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله قال: صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - الظهر خمسا، فقالوا: أزيد في الصلاة؟ قال: "وما ذاك؟ " قالوا: صليت خمسا. فثنى رجليه وسجد سجدتين. [انظر: 401 - مسلم: 572 - فتح: 1 \ 507] .

التالي السابق


[في "المعرفة" للبيهقي مثله من حديث جابر بإسناد ضعيف، ومذهب ابن عمر كما قال الواحدي: إن الآية نازلة في التطوع بالنافلة، وعن قتادة: إنها منسوخة بقوله: وحيث ما كنتم [البقرة: 144] الآية. وهو رواية عن ابن عباس، ويروى أنها نزلت فيمن صلى إلى بيت المقدس.

تنبيه:

وقع في كلام ابن بطال وابن التين أن البخاري أشار في الترجمة إلى الاستدلال بحديث ابن مسعود أنه - صلى الله عليه وسلم - سلم في ركعتي الظهر وأقبل على الناس بوجهه وهذه القصة إنما وقعت من حديث أبي هريرة فاعلمه.

ثم ذكر البخاري بعده ثلاثة أحاديث:

أحدها: حديث حميد، عن أنس قال: قال عمر: وافقت ربي في ثلاث: فقلت: يا رسول الله، لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى [ ص: 409 ] فنزلت: واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى [البقرة: 125] وآية الحجاب قلت: يا رسول الله، لو أمرت نساءك أن يحتجبن، فإنه يكلمهن البر والفاجر. فنزلت آية الحجاب، واجتمع نساء النبي - صلى الله عليه وسلم - في الغيرة عليه، فقلت لهن: عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن. فنزلت هذه الآية.

حدثنا ابن أبي مريم قال: أخبرنا يحيى بن أيوب قال: حدثني حميد قال: سمعت أنسا بهذا.

الكلام عليه من أوجه:

أحدها: هذا الحديث أخرجه البخاري أيضا في التفسير في سورة البقرة، والأحزاب والتحريم.

وأخرجه مسلم في الفضائل. وأخرجه الترمذي مختصرا في التفسير. والنسائي فيه، وابن ماجه في الصلاة، قال البزار: لا نعلمه يروى إلا عن عمر، ولما أورد الترمذي حديث المقام فقط في تفسير سورة البقرة من حديث أنس، عن عمر قال: وفي الباب عن ابن عمر. رواه مسلم من طريق نافع عن ابن عمر عن عمر، وفي [ ص: 410 ] روايته: بدل التخيير: أسارى بدر.

ثانيها: فائدة:

إيراد البخاري طريق يحيى بن أيوب التصريح بسماع حميد من أنس، وفي بعض النسخ: "حدثنا ابن أبي مريم" كما ذكرته، وفي بعضها: "وقال ابن أبي مريم تعليقا"، وكذا ذكره في التفسير تعليقا، وكذا ذكره خلف في "أطرافه" والإسماعيلي وأبو نعيم في مستخرجيهما وهو الظاهر؛ لأن يحيى لم يحتج به البخاري، ونسبه أحمد إلى سوء الحفظ، وإنما ذكره استشهادا ومتابعة، وإن وقع في كلام ابن طاهر أنه خرج له مع مسلم فقد ذكره في أفراد مسلم، وأغرب صاحب "الكمال" حيث قال: روى له الجماعة، إلا مسلما (...).

ثالثها: قد عرفت أن في البخاري الموافقة في مقام إبراهيم والحجاب والتخيير بين أزواجه.

وقد عرفت أن في مسلم بدله: أسارى بدر، وهذه رابعة.

وفيه أيضا موافقته في منع الصلاة على المنافقين، وهذه خامسة.

وفي "مسند أبي داود الطيالسي" من حديث حماد بن سلمة، حدثنا علي بن زيد، عن أنس قال: قال عمر: وافقت ربي في أربع، وذكر ما في البخاري قال: ونزلت ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين [المؤمنون: 12] إلى قوله: ثم أنشأناه خلقا آخر [المؤمنون: 14]، [ ص: 411 ] فقلت أنا: تبارك الله أحسن الخالقين فنزلت كذلك. وهي سادسة.

وجاءت موافقته أيضا في تحريم الخمر، وهذه سابعة وليس في كل منهما ما ينفي زيادة الموافقة، وذكر الثامنة أبو بكر بن العربي في هذا الحديث في مقام إبراهيم، وقال: وهي إحدى التسع التي وافق ربه فيها، وذكر أن عاشرها في "شرح النيرين" وقال مرة: قدمنا أنه وافق ربه تلاوة ومعنى في نحو أحد عشر موضعا.

قلت: ويشهد له ما رواه الترمذي مصححا من حديث ابن عمر ما نزل بالناس أمر قط فقالوا فيه، وقال فيه عمر إلا نزل فيه القرآن على نحو ما قال عمر (وقد سلف).

رابعها: قوله: (في ثلاث). قد أسلفنا أنها أكثر من ثلاث، وقد أسلفنا أنه لا تنافي بينها؛ إذ يجوز أن يكون أخبر بذلك قبل وقوع غيرها، وإن كان يجوز أن يكون قالها بعد موته أو أن الراوي روى ثلاثة دون باقيها، وليس ذكر العدد من لفظ عمر، فلما روى ثلاثة خاصة زاد تلك اللفظة على المعنى، أي: إنه له حديث في ذلك، فأنزل القرآن بموافقته، أو أن الراوي اقتصر على الثلاث دون الباقي لغرض له، فمعنى الموافقة أنه وقع له حديث في ذلك الأمر فنزل القرآن على نحو ما وقع أو وافق كله.

خامسها: وقع لعمر ما وقع في المقام؛ لأنه محل شرف بقيام إبراهيم للدعاء والصلاة، وجعل فيه آيات بينات وأجاب فيه الدعوات.

فإن قلت: ما السر في أن عمر لم يقنع بما في شريعتنا حتى طلب [ ص: 412 ] الاستكان بملة إبراهيم، وقد نهاه الشارع عن مثل هذا حين أتى بأشياء من التوراة، فقال له: "أمثلها منك يا عمر" فالجواب كما قاله ابن الجوزي: أن عمر لما سمع قوله تعالى في إبراهيم إني جاعلك للناس إماما [البقرة: 124] ثم سمع قوله: أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا [النحل: 123] علم أن الائتمام به مشروع في شرعنا دون غيره من الأنبياء، ثم رأى أن البيت مضاف إليه، فإن أثر قدمه في المقام كرقم اسم الباني في البناء ليذكر به بعد موته، فرأى الصلاة عند المقام كقراءة الطائف بالبيت اسم من بناه، فوقعت موافقته في رأيه، وأما غير إبراهيم من الأنبياء فلا يجري مجراه، على أن هذا القدر من شرع إبراهيم معلوم قطعا، وما في أيدي الكتابيين من التوراة والإنجيل أمر مغير مبدل.

سادسها: آية الحجاب، كان النبي - صلى الله عليه وسلم - جاريا على عادة العرب في ترك الحجاب حتى أمر به، ووقع أمر لشرف أزواجه - صلى الله عليه وسلم - وعلو مناصبهن، وعظم حرمتهن، وأن الذي ناسب حالهن أن يحجبن عن الأجانب، ولم يكن يخفى على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما نبه عليه ابن الجوزي وغيره، ولكن كان ينتظر الوحي في الأشياء، وكان الحجاب في السنة الخامسة في قول قتادة أو في الثالثة في قول أبي عبيدة وبعد أم سلمة كما قال ابن إسحاق، أو في ذي القعدة سنة أربع كما هو عند ابن سعد.

وجزم شيخنا عبد الكريم في "شرحه" بالأول، وكان السبب فيه أنه - صلى الله عليه وسلم - تزوج زينب بنت جحش وأولم عليها، فأكل جماعة وهي مولية وجهها الحائط، ولم يخرجوا فانتظر - صلى الله عليه وسلم - خروجهم وجلسوا [ ص: 413 ] يتحدثون، فخرج - صلى الله عليه وسلم - فلم يخرجوا وعاد فلم يخرجوا، فنزلت آية الحجاب.

قال عياض: والحجاب الذي خصوا به فهو فرض عليهن بلا خلاف في الوجه والكفين، فلا يجوز لهن كشف ذلك لشهادة ولا غيرها، ولا إظهار شخصهن إذا خرجن كما فعلت حفصة يوم مات أبوها، ستر شخصها حين خرجت، وزينب عمل لها قبة لما توفيت، قال الله تعالى وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب [الأحزاب: 53].

سابعها: الآية التي ذكرها هي أحد ما قيل في سبب التخيير، وقد أوضحت الكلام على ذلك في كتابي "غاية السول في خصائص الرسول" فراجع ذلك منه تجد ما يشفي الغليل، فإن قدر الله الوصول إلى موضعه نزده أيضا، وبعض ما في الباب سلف.

الحديث الثاني: حديث ابن عمر قال: بينا الناس بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آت فقال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد أنزل عليه الليلة قرآن، وقد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها. وكانت وجوههم إلى الشأم، فاستداروا إلى الكعبة.

والكلام عليه من أوجه:

أحدها:

هذا الحديث سيأتي -إن شاء الله- في الصلاة في موضعين، وفي [ ص: 414 ] التفسير في أربعة مواضع، وفي خبر الواحد، وقد سلف في الإيمان من حديث البراء.

ثانيها:

وجه احتجاج البخاري بهذا الحديث انحرافهم إلى القبلة التي فرضت وهم في انحرافهم يصلون إلى غير القبلة، ولم يؤمروا بالإعادة بل بنوا على ما صلوا في حال الانحراف وقبله، فكذلك المجتهد في القبلة لا تلزمه الإعادة.

ثالثها:

(بينما) معناه: بين أوقات كذا، ويجوز أيضا بينا بلا ميم، و(قباء) بالمد والقصر، ويذكر ويؤنث، ويصرف ولا يصرف فهذه ست لغات أفصحها أولها.

قوله: (إذ جاءهم آت). هو عباد بن نهيك أو ابن بسر أو ابن وهب أقوال. وقوله: (فاستقبلوها) كسر الباء فيه أشهر من فتحها على الأمر والفتح على الخبر، ونقل ابن عبد البر أن أكثر الرواة عليه. وقد [ ص: 415 ] أوضحت الكلام عليه في "شرح العمدة" بفوائده، وسلف جمل منها في الإيمان.

الحديث الثالث: حديث علقمة، عن عبد الله قال: صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - الظهر خمسا، فقالوا: أزيد في الصلاة؟ قال: "وما ذاك؟ " قالوا: صليت خمسا. فثنى رجليه وسجد سجدتين.

وهذا الحديث سلف قريبا، ويأتي في السهو وخبر الواحد، وأخرجه مسلم وباقي الجماعة، وأخرجه مسلم من حديث الأسود عنه، ووجه احتجاج البخاري بهذا الحديث إقباله على الناس بوجهه بعد انصرافه بعد السلام، كان في غير صلاة، فلما بنى على صلاته بان أنه كان في وقت استدبار القبلة في حكم المصلي؛ لأنه لو خرج من الصلاة لم يجز له أن يبني على ما مضى منها فوجب بهذا أن من أخطأ القبلة لا يعيد.

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث